الرئيسية / المقالات / الثاني من الدنح: الرفيق قبل الطريق، والصديق وقت الضيق

الثاني من الدنح: الرفيق قبل الطريق، والصديق وقت الضيق

الثاني من الدنح:

الرفيق قبل الطريق، والصديق وقت الضيق

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد الثاني من موسم الدنح:

 

الأولى من سفـر العدد (١٠، ٢٩ ـ ٣٦) تروي خبر رحيل بني اسرائيل الى برية سيناء ومرافقة الرب لهم من خلال تابوت العهد والسحابة.

الثانيـة من الرسالة إلى العبرانيين (٣، ١ ـ ٧) تعلن أن المسيح هو وحده الكاهن الأعظم.

الثالثة من إنجيل يوحنا (١، ١ ـ ١٨) تعلن أن المسيح هو كلمة الله وبشراه الخلاصية لجميع الناس.

تفسير نص القراءة الأولى (عد ١٠، ٢٩ ـ ٣٦) وتأوينه:

يشدّد هذا النص على ايمان موسى القوي بالرّب وثقته الراسخة به من جهة، وعلى حاجته لمرافقين ومعاونين له في مَهمة قيادة شعبه نحو أرض الميعاد، وتثمينه الكبير لحضورهم ودورهم.

الرّب يَعِدُ خيراً (عد ١٠، ٢٩): الشعب الإسرائيلي الذي خرج من مصر ليتخلص من عبودية فرعون وبطشه، تاه في الصحراء، إلا أن الله لم يتركه، بل رافقه من خلال الغمامة في النهار، والنار والنور في الليل: ٢١ وكانَ الرَّبُّ يَسيرُ أَمامَهم نَهاراً في عَمودٍ مِن غَمامٍ لِيَهدِيَهمُ الطَّريق، ولَيلاً في عَمودٍ مِن نارٍ لِيُضيءَ لَهم، وذلك لِكَي يَسيروا نَهاراً ولَيلاً. ٢٢ ولم يَبرَحْ عَمودُ الغَمامِ نَهاراً وعَمودُ النَّارِ لَيلاً مِن أَمامِ الشَّعْب” (خر ١٣، ٢١ ـ ٢٢)، وبالأخص من خلال تابوت العهد كما يرد في الآيات اللاحقة لهذا المقطع (عد ١٠، ٣٣ ـ ٣٦). وهكذا استطاع موسى والشعب الإسرائيلي من مواصلة مسيرتهم الشاقة نحو الحريّة، رغم تحديات الطريق ومخاطره، وهجمات الأعداء: “… قُمْ يا رَبُّ، فيَتَبَدَّدَ أَعداؤُكَ ويَهربَ مُبغِضوكَ مِن أَمامَ وَجهِك” (عد ١٠، ٣٤).

موسى يدرك بأن حضور الله، بالإضافة إلى تابوت العهد والغمامة والنار، هو أيضاً من خلال الناس، ولذلك بمبادرة جميلة يبدأ حواره مع حميه حوباب بنِ رَعوئيلَ المِديَنيِّ (قارن: خر ٢، ١٥؛ ٣، ١)، ويدعوه ليرافقهم في رحلتهم. بالرغم من قرابة حوباب لموسى بسبب إعطاء ابنته للأخير كزوجة، يبقى حوباب رجلاً غير إسرائيلي يدعوه موسى ليكون دليلاً له ولشعبه في مسيرتهم من جبل سيناء نحو أرض الميعاد، مروراً بصحراء فاران (قارن: تك ٢١، ٢١؛ عد ١٠، ١٢؛ ١٢، ٦؛ ١٣، ٣).

الرحّلة من الأرض والعشيرة (عد ١٠، ٣٠): ربما كان حوباب يحسُّ بأنه غريب بين أبناء الشعب الإسرائيلي. ولهذا جاء جوابه التلقائي لدعوة موسى له بهذا الشكل: “… لا أَذهَب، إِنَّما أَذهَبُ إلى أرضي وعَشيرَتي”. وبهذا يُفضل حوباب الحماية والضمان لحياته في حدود انتماءاته الضيقة، بدلاً من المخاطرة في سبيل المساهمة في انقاذ شعبٍ بأسره تاهٍ في صحراءٍ. وهذا بالضبط عكس دعوة الله لإبراهيم بقوله: ” … اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ” (تك ١٢، ١).

كلنا معرضون للسقوط بهذه التجربة الخطيرة، وذلك بتفضيل انتماءاتنا العرقية والعشائرية والدينية والطائفة، بدلاً من وضع ثقتنا بالله خالق الكون كله ومخلصه بنعمته. الخير والخلاص والسعادة ننالهم من الله، وليس من الناس وانتماءاتهم. الإيمان يدعونا للانفتاح والخروج لا فقط من عبودية مصر، وإنما أيضاً من دوامة الانتماءات والولاءات الضيّقة. إن خلاص الأفراد وخلاص الكنيسة وخلاص العالم بأسره هو بتجاوز التعصب الأعمى والخروج من الانتماءات الخاصة، والمصالح الفردية والأنانية، والانفتاح على نعمة الله ومحبته، ومحبة القريب المخلوق على صورة الله ومثاله (تك ١، ٢٦).

تُحْسِن إلينا (عد ١٠، ٣١): قال موسى لحوباب في بداية الحوار “فتَعالَ مَعنا”. وهنا يقول: “لا تَترُكْنا”. وكان قد وعده أيضاً بالإحسان إليه، وبمشاركته بالخير الذي وعده الرّبّ لإسرائيل، بالرغم من عدم انتماءه لهذا الشعب. إلا أن موسى هنا يذهب أبعد من ذلك ليعترف لحوباب بأنه إن وافق ورافق الشعب الإسرائيلي، فهذا لن يكون خيراً فقط للأخير، وإنما عوناً لإسرائيل كله، بقوله: “… فإِنَّكَ تَعلَمُ أَينَ نخَيمُ قي البَرِّيَّة، فتَكون لَنا كالعُيون”. إذن يثمّن موسى معرفة حوباب ومهاراته وخبرته في السير بالبرّيّة، ويخبره بأنه هو وشعبه بحاجة له للمساهمة في حمياتهم، وإيصالهم إلى أرض الميعاد. موسى ذلك القائد العظيم الذي ظهر الله له، ووجهه ليواجه فرعون بكل شجاعة ويخرج شعبه من مصر بقوة الله وعجائبه العظيمة (خر ٣)، يعترف هنا بحاجته لرجل غريب، ويقدّر دوره كأداة بيد الله لحماية شعبه في الصحراء. سبب طلب موسى من حميه بمرافقتهم هو كونه يعرف تلك البرّية جيداً. وهذا الأمر يُبين بأن القائد الناجح يعطي لكل شخص دوره المناسب والأساسي في الجماعة.

موسى الذي اختاره الله ليقود شعبه نحو ارض الميعاد وهو واثقٌ بمرافقة الله له في مَهمته، لا يستغني عن حميه، لا بل يكاد يتوسله بأن يبقى معهم. فكم نحن أكثر حاجة منه لرفيق قبل الطريق وصديق وقت الضيق؟ هل يا ترى نعطي دوراً لمن هو معنا، ونثمن حضوره في حياتنا ليكون ” … لنا كالعُيون”؟

نُحْسِن إليك (عد ١٠، ٣٢): بالرغم من رغبة موسى واصراره بأن يرافقهم حوباب، إلا أنه يحترم حريته ولا يجبره، قائلاً: “وإِن سِرتَ معَنا…”. الرّب يسوع المسيح أيضاً يبدأ رسالته باختياره للتلاميذ، وفي طريقه نحو أورشليم يدعوهم لمرافقته في مسيرته الفصحية، وحمل صليبهم وإتباعه مع احترامه الكامل لحريتهم، قائلاً: “… مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني” (مر ٨، ٣٤). السير في طريق الله، وإتباع المسيح يتطلب محبة الرّبّ أكثر وفوق كل شيء (قارن: تث ٦، ٥)، وتجاوز الانتماءات الضيّقة: “مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي” (متى ١٠، ٣٧؛ قارن: مر ١٠، ٢٨ ـ ٣٠). فكما كان على إبراهيم (تك ١، ٢٦) وحوباب (عد ١٠، ٣٠) وغيرهم من الأنبياء والرسل ترك أرضهم وعشيرتهم للسير في طريق الرّبّ، علينا نحن أيضاً ترك التعصب العرقي والقومي والديني، وقبول تدبير الله الخلاصي للعالم بأسره، والعمل على تحقيقه.

يجدد موسى وعده لحوباب باسم الشعب كله بالإحسان إليه، قائلاً: “… فما يُحسِنِ الرَّب بِه إِلَينا مِن خَيرٍ، نحسِنْ بِه إِلَيك”. وهكذا ينتهي حوار موسى معه بتشجيعه لمرافقتهم، أي من دون أي جواب من حوباب أو أي إشارة في أن الأخير وافق على طلب موسى ورافقهم، أما لا! على أغلب الأعم، وافق حمو موسى على الطلب الموجه إليه، ورافق الشعب الإسرائيلي حيث أنه لا يرد وكأنه وافق والمسيرة تكمل مباشرة بعد ذلك “فرَحَلوا مِن جَبَلِ الرَّبَ مسيرةَ ثَلاثةِ أَيَّام …” (عد ١٠، ٣٣).، وكذلك بسبب ذكر أولاده فيما بعد بين الذين استقروا في صحراء يهوذا أي انهم دخلوا مع الشعب الإسرائيلي إلى كنعان (قارن: قض ١، ١٦؛ ١صم ١٥، ٦؛ ٢٧، ١٠؛ ٣٠، ٢٩). لكن عدم ورود أي إشارة مباشرة أو غير مباشرة لذلك في النص ربما هي أيضاً لغرض دعوتنا بأن نقبل نحن طلب موسى الموجه لكل واحدٍ منا للخروج من أرض عبوديته، ومرافقة شعب الله في مسيرته الشاقة ورحلته الطويلة نحو حرية أبناء الله. مطلع النص أكّد على هذا الامر من خلال الكلمات التالية: “إِنَّنا راحِلونَ إلى المَكان الَّذي قال الرَّبَّ … “.

نتعلم من حوار موسى مع حوباب بأنه مهما كان دورنا مهماً ومناصبنا رفيعةً، فإننا نبقى بحاجةٍ لأصدقاءٍ ومعاونين كي ننجح في رسالتنا. يتوقع الناس منا أن نحاورهم كي يستطيعوا معرفة مدى تقديرنا لهم، وحاجتنا لمهاراتهم. مبادرات حوارية من هذا النوع تساعد على بناء علاقات متينة بين الأفراد لخير الجماعة. لنفكر بالناس الذين وضعهم الله في طريقنا ليقوموا بمساعدتنا في مسيرتنا الإيمانية، ولنبادر مثل موسى بالحديث معهم لإعلامهم بالقدر الذي نحتاجهم، وكم نقدر حضورهم معنا، وكيف أن مصرنا مرتبطة مع مصيرهم، وخيرنا مع خيرهم. لا شكّ إننا جميعاً سننال الخيرات والبركات والخلاص من الله ونبلغ أرض الميعاد، إن استطعنا العمل كفريقٍ واحد، ونسير كقافلة واحدة في رحلتنا نحو ملكوت الله.

عن Maher

شاهد أيضاً

تاملات في انتقال العذراء

تاملات في انتقال العذراء  اعداد الخوراسقف فيليكس الشابي تورونتو – كندا   تقديم: متى اعلنت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *