الرئيسية / المقالات / الثالث من الدنح: “حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ، فأَنا لا أَنْساكِ”

الثالث من الدنح: “حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ، فأَنا لا أَنْساكِ”

الثالث من الدنح:

“حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ، فأَنا لا أَنْساكِ”

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد الثالث من موسم الدنح:

الأولى من سفر اشعيا (٤٥، ١٨ ـ ٢٣) تدعو إلى التوبة أي تغيير الفكر والقلب.

الثانية من الرسالة إلى العبرانيين (٣، ١٤ ـ ١٩؛ ٤، ١ ـ ٤) تدعو إلى الانفتاح على صوت الله للدخول الى راحته.

الثالثة من إنجيل يوحنا (١، ٢٩ ـ ٣٤) فيها يعلن يوحنا المعمدان ان يسوع هو حملاً لله، الحامل خطايانا، والحاضر أبداً بيننا في سبيل خلاصنا.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٤٥، ٢٠ ـ ٢٣) وتأوينه:

يأتي نصنا هذا كخاتمة للفصل الذي يتحدث فيه النبي اشعيا عن الخلاص الذي حققه الله لبني إسرائيل بتحريرهم من سجون سبي بابل بواسطة الملك قورش: “هكذا قالَ الرَّبّ لِمَسيحِه: لقُورُشَ الَّذي أَخَذتُ بِيَمينِه، لِأُخضِعَ الأُمَمَ بَينَ يَدَيه، وأَحُلَّ أَحْقاءَ المُلوك، لِأَفتَحَ أَمامَه المَصاريع، ولا تُغلَقَ الأَبْواب …” (اش ٤٥، ١ ـ ٧)، ويعلن فيه بأن الخلاص يفوق الشعب الإسرائيلي ليشمل كل الأمم.

“… إلهٌ لا يُخلّصُ” (اش ٤٥، ٢٠): ينتقد اشعيا مراراً وتكراراً وبقوة عبادة الأوثان (قارن: اش ٤١، ٢١ ـ ٢٩؛ ٤٤، ٩ ـ ٢٠؛ ٥٧، ٣ ـ ١٣) مُبيناً أنها السبب الرئيسي لهلاك الإنسان. الدعوة الموجهة هنا باستخدام الأفعال الثلاثة “إِجتَمِعوا، وهَلُمُّوا، وتَقَدَّموا …” تشبه الدعوة لحضور محاكمة. أما التعبير “النَّاجونَ مِنَ الأُمَم”، فإنه مبهمٌ. وقد يشير للناجين من الشعب الإسرائيلي العائدين من سبي بابل، أو للناجين الذين ينتمون للأمم الأخرى. وفي كلتا الحالتين، يُنتَقَد هؤلاء بشدة وذلك بوصفهم بمن لا علم لديهم (قارن مثل الغني الجاهل: لو ١٢، ١٣ ـ ٢١)، بسبب حملهم تمثالهم الخشبي، وتأدية صلاتهم لإلهٍ لا يُخلِّص.

في الفصل اللاحق يأتي ذكر اسمين من الآلهة الأشورية البابلية التي يحطمها قورش عند استيلائه على بابل، وهي “بال” إله السماء، و”نبو” إله الحكمة: “قد رَكَعَ بالٌ وآنْحَنى نَبو، وصارَت أَصنامُهم على حَيَواناتٍ وبَهائِم. إِنَّ مَحْمولاتِكمُ الَّتي تُقِلُّوَنها هي لَها حِملٌ مُنهِك” (اش ٤٦، ١). إذن هذه الآلهة بدلاً من أن تنجي من يحملها، تتحول لحِملٍ منهكٍ وعبٍ كبيرٍ له، لا بل هي أنفسها تنحي وتركع، وتذهب إلى الأسر (اش ٤٦، ١ ـ ٢).

“إِلهٌ بارٌّ ومخلّصٌ” (اش ٤٥، ٢١): المحاكمة تستمر ويُطلب فيها البراهين، وتُعطى الفرصة للتشاور، وفيها يتضحُ بأن الله وحده مُنقذ “النَّاجينَ مِنَ الأُمَم” المذكورين في الآية السابقة.  إنه خالق العالم ومخلصه (قارن: اش ٤٥، ١٥. ١٧): ” … أَنا صَنَعتُكَم، فأَنا أَحمِلُكم، أَنا أَحتَمِلُكِم وأُنَجِّيكم” (اش ٤٦، ٤). ولهذا لا ينبغي على الشعب الذي اُقتيد للسبي وهو مكبلٌ بسلاسل الأسر، أن يعود وهو محملٌ بتماثيل الآلهة المزيفة، ورازحاً تحت ثقلها. وإلا سيبقى للأبد عبداً واسيراً!

 

“تَوجَّهوا إِلَيَّ فتَخلُصوا” (اش ٤٥، ٢٢): إن الترجمة الأدق والأصح للفعل العبري المستخدم في بداية هذه الآية ليست ” تَوجَّهوا” وإنما “عُودوا”، لتشير للتوبة والعودة لطريق الحق (قارن: تث ٣١، ٢٠). إن التوبة والعودة لله الخالق والمخلص، والحنون والرحوم هي مدخل لنيل نعمه وبركاته. يحترم الله حرية الإنسان، وينتظر منه أن يقبل إراداته، ويعمل وفق وصاياه، كالأب الذي يريد خير أبنائه، ونجاحهم وسعادتهم وخلاصهم؛ والأم التي تبذل ذاتها من اجل فلذات اكبادها.  لا بل إن رحمة الله تفوق حتى رحمة الأم لأبنائها، كما جاء على لسان الله في سفر اشعيا، بقوله: “أَتَنْسى المَرأَةُ رَضيعَها، فلا تَرحَمُ آبنَ بَطنِها؟ حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ، فأَنا لا أَنْساكِ” (اش ٤٩، ١٥).

كما تذكرنا عبارة “عودوا إِلَيَّ فتَخلُصوا” بمثل الأبن الضال الذي احترام والده حريته، لكنه كان ينتظر بفارغ الصبر وفي كل يوم عودته: “… وكانَ لم يَزَلْ بَعيداً إِذ رآه أَبوه، فتَحَرَّكَت أَحْشاؤُه، وأَسرَعَ فأَلْقى بِنَفسِه على عُنُقِه، وقَبَّلَه طَويلاً” (لو ١٥، ٢٠). رجع الابن، فقَبِلَه ُوالده دون شروطٍ، ولم يعاتبه على أفعاله المُشينة، وخطاياه العظيمة، وإنما احتفل بعودته. الأبن الضال حينما طالب بورثه اعتبر والده ميتاً، لكن عند عودته قام الأب بعكس ذلك، قائلاً: “… لِأَنَّ ابنِي هذا كانَ مَيتاً فعاش” (لو ١٥، ٢٤)؛ “… أَخاكَ هذا كانَ مَيتاً فعاش … “ (لو ١٥، ٣٢).

إذن اشعيا يدعونا في هذه النص لترك أوهمنا المزيفة عن السعادة، والرجوع لبيت ابينا الذي في السماوات، كالأبن الضال. ففي بيته فقط نجدُ حريتنا وكرامتنا، واصلُنا وخلاصُنا.

كان قد جاء في الآية السابقة بخصوص وحدانية الله ما يلي: “فإِنَّه لَيسَ مِن رَبٍّ آخَر، لا إِلهَ غَيري إِلهٌ بارٌّ مُخَلِّصٌ، لَيسَ سِوايَ”(قارن: اش ٤٣، ٨ ـ ١٣؛٤٤، ٦ ـ ٨). وهنا يأتي تأكيد الله على ذلك مجدداً، بقوله: “فإِنِّي أَنا اللهُ، ولَيسَ مِن إِلهٍ آخر”.

 

السجود لله (اش ٤٥، ٢٣): بما أن الله واحد، وهو وحده خالق العالم ومخلصه، لا بد لخليقته عاجلاً أم آجلاً العودة إليه، والسجود لعظمته. وعليه بدلاً من حمل تماثيل خشبية وتأدية الصلاة لها، يدعو الربُ الإنسانَ للإيمان به، والسجود له.

يقتبس مار بولس مرتين العبارة الواردة في هذه الآية: “ستَجْثو لي كُلُّ رُكبَة، ويُقسِمُ بي كُلُّ لِسان”، وذلك في (رو ١٤، ١١) للإشارة إلى عودتنا إلى الله في يوم الدينونة: “أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَّا سيُؤدِّي إِذاً عن نَفْسِه حِسابًا لله” (رو ١٤، ١٢)؛ وفي رسالته إلى أهل فيلبي حيث يطبقها على الرّب يسوع المسيح، ابن الله المتجسد لخلاص العالم: ١٠ كَيما تَجثُوَ لاسمِ يسوع كُلُّ رُكبَةٍ في السَّمَواتِ، وفي الأَرْضِ، وتَحتَ الأَرض، ١١ ويَشهَدَ كُلُّ لِسانٍ أَنَّ يسوعَ المسيحَ هو الرَّبّ تَمْجيدًا للهِ الآب” (في ٢، ١٠).

إذن رأينا بأن الموضوع الرئيسي في الفصل الخامس والأربعين من سفر اشعيا هو الخلاص (قارن: اش ٤٥، ١٥. ١٧. ٢٠. ٢١. ٢٢). وهذا الخلاص يتحقق من خلال التحرر من عبادة الاوثان، والإيمان بالله الواحد، والسجود له وحده. إن عبادة الأوثان تجلب العار والخجل والهلاك والدمار (اش ٤٥، ١٤. ١٦. ١٧. ٢٤)، أما عبادة الله فهي الاختيار الصائب كونه وحده إله الحقّ والحقيقة، والبر والاستقامة، والفخر والسلام (اش ٤٥، ١٩. ٢١. ٢٣. ٢٤. ٢٥).

من يختار آلهة مزيفة، ويعبد اصناماً جامدة يخسر حرّيته (اش ٤٥، ١٤) وأرضه وحياته، بينما من يعبد الله ينال الرحمة والمحبة والخلاص.

إن الإنسان من طبعه توّاقُ للآمن والاستقرار، والسعادة والتمتع بالحياة، والسلام والخلاص. وهذا حقٌ شرعيٌ. لكن المشكلة تكمن في الطريق الذي يختاره. فمن يختار طريق الاتكال على الآلهة المزيفة، وعلى الرؤساء والسلاطين، وعلى المال والتماثيل يكون مصيره لا محالة التعاسة والهلاك. رأينا بأن العار والدمار الذي لحق بإسرائيل (قارن: اش ١ ـ ٣٣) كان سببه ترك الله، والاتكال على من لا يستحق ذلك. وبالرغم من ذلك يعطي الله فرصة أخرى لشعبه ويترحم عليه، محرراً إياه من سبي بابل، لكن في الوقت عيّنه يحذره من العودة لتكرار الخطيئة ذاتها أي الوقوع في الوثنية، وعبادة الأصنام.

لنتأمل على ضوء هذا النص بحياتنا، ولنكن صريحين مع ذواتنا، طارحين على أنفسنا السؤال التالي: هل فعلاً الله وحده هو سيد حياتي، أم إني لا زلت اسيراً للشهوة، وعبداً للمال، ومثقلاً بالخطايا، ومقيداً بحبائل الإبليس؟!

إن دعوة الرب مفتوحة لنا جميعاً لقبول خلاصه كي نتحرر من قيدونا، ونستعيد حريتنا وكرامتنا كأبناءٍ له، وننال نعَمهِ ونرث ملكوته، بدلاً من أن نكون عبيداً للشيطان وشّره، وامواله ومغرياته الخداعة؛ ٨ ثُمَّ مَضى بِه إِبليسُ إِلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً، وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، ٩ وقالَ له: «أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي ساجداً». ١٠ فقالَ له يسوع: «اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد». ١١ ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ، وأَخذوا يَخدُمونَه” (قارن: متى ٤، ٨ ـ ١١).

عن Maher

شاهد أيضاً

معاني الأحلام بين الأمس واليوم

معاني الأحلام بين الأمس واليوم المطران الدكتور يوسف توما يعطي الانسان في جميع أطواره أهمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *