الرئيسية / المقالات / الرابع من الدنح: فمٌ قريبٌ وقلبٌ بعيدٌ

الرابع من الدنح: فمٌ قريبٌ وقلبٌ بعيدٌ

الرابع من الدنح:

فمٌ قريبٌ وقلبٌ بعيدٌ

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد الرابع من موسم الدنح:

الأولى: من اشعيا (٤٦، ٥ ـ ٨. ١٢ ـ ١٣) تدعو إلى نبذ كلِّ أشكال الاصنام من حياتنا، مالاً كان أو شخصاً أو شأناً.

الثانية: من الرسالة إلى العبرانيين (٧، ٢٣ ـ ٢٨) تؤكد على ان الضمان الثابت الذي يعرضه العهد الجديد هو المختوم بدم المسيح، اما الضمانات الأخرى فهي عابرة.

الثالثة: من إنجيل يوحنا (١، ٤٣ ـ ٥١) تروي خبر إتباع التلاميذ الأولين ليسوع ليشاركوه في نشر رسالته.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٤٦، ١٢ ـ ١٣) وتأوينه:

يتحدث النبي اشعيا في الفصل السادس والأربعين من سفره عن سقوط بابل واصنامها، إلا أنه يختمه بهاتين الآيتين حيث ينقد بشدّة الشعب الإسرائيلي الذي ابتعد عن البرّ.

“يا … البَعيدينَ عنِ البِرّ” (اش ٤٦، ١٢): تبدأ هذه الآية بفعل الأمر “اسمَعوا”. السماع في الكتاب المقدس يعني الطاعة لله والعمل بمشيئته. أما هنا فـ “اسمَعوا” تشير بشكل خاص للتوبة. إنها دعوة لتبديل قلوب من الحجر إلى قلوب من لحم: “… وأَنزِعْ مِن لَحمِهم قَلبَ الحَجَرِ، وأُعْطيهِم قَلبًا مِن لَحْم” (حز ١١، ١٩؛ ٣٦، ٢٦). نبوءة النبي حزقيال أيضاً تأتي في سياق الحديث عن عودة المسببين من بابل إلى أورشليم، ويؤكد فيها حزقيال على ضرورة السيّر حسب وصايا الله، واتخاذه وحده إلهاً: “لِكَي يَسيروا على فَرائضي، ويَحفَظوا أَحْكامي، ويَعمَلوا بها، فيَكونونَ لي شَعبًا، وأَكونُ لَهم إِلهًا” (حز ١١، ٢٠).

الوصف الذي جاء قبل هذه الآية بقليل يوضح معنى قساوة القلب: “… تأَمَّلوا بِقُلوبِكم أَيُّها العُصاة” (اش ٤٦، ٨). إذن “قُساة القُلوب” هم “العُصاة” المتمردين على تدبير الله الخلاصي. إنهم متزمتون بآرائهم وافكارهم، ولا يقبلون الحوار والنقاش، ولا التغيير والتجديد. يريدون أن يكون كل شيءٍ حسب مرامهم ورغباتهم وشهواتهم، ولهذا يفضلون آلهة من صنع أيديهم حيث يشكلونها كما يريدون، ويضعونها تحت سيطرتهم وتصرفهم. بينما يرفضون الله خالقهم، لأن تدبيره الخلاصي لا يتوافق مع رغباتهم الشريرة. وشرّهم يكمن في ابتعادهم عن البرّ. يظنون بأن آلهتهم المزيفة ستخلصهم، إلا إنها في الحقيقة تُشكل مصدر تعاستهم وهلاكهم (قارن: اش ٤٦، ٢. ٧).

الرّب يسوع أيضاً استخدم تعبير “قساوة قلوبكم” في سياق حديثه عن سرّ الزواج، قائلاً:٥ … مِن أَجْلِ قَساوَةِ قُلوبِكم كَتَبَ لَكُم هذهِ الوَصِيَّة. ٦ فمُنذُ بَدْءِ الخَليقَة «جعَلَهما اللهُ ذَكَراً وأُنْثى»” (مر ١٠، ٥). القلب القاسي في هذه الحالة هو ذلك القلب الذي يفقد الحكمة والمحبة، والرحمة والرأفة ليتحول لحجر.

يتميز المتدينون المتطرفون بشكل خاص بقساوة قلوبهم، وهم بذلك لا يختلفون عن عُبّاد الأوثان، لا بلّ هم اسوء منهم. إنهم مراؤون، يدّعون عبادة الله، إلا أنهم في الحقيقة يعبدون أفكارهم المتطرفة ويفرضونها على غيرهم، ويصنعون لأنفسهم اصناماً حسب مفاهيمهم الضيقة وعقولهم الجامدة. ولهذا لا يقبلون بالجديد لتحقيق الخلاص. نجد في سياق هذا الفصل من سفر اشعيا كيف أن الله يأتي بالجديد، وذلك بتسخيره للملك قورش ليحرر الشعب العبراني من عبوديته، إلا أن المتكبرون والمتردون من هذا الشعب يرفضون بسبب كبريائهم وتعصبهم هذا الجديد الذي يأتي به الله لخيرهم. وعلى هذا المنوال يرفض المتدينون المتطرفون الخبر السّار الذي جاء به يسوع، فيحاكمونه ويصلبونه.

يدين الله بقوة هذا النوع من التدين الشكلي، ويدعو شعبه بأن يكون ايمانه نابعاً من قلبه: ” فقالَ السَّيِّد: بِما أَنَّ هذا الشَّعبَ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِفَمِه، ويُكرِمُني بِشَفَتَيه، وقَلبُه بَعيدٌ مِنِّي … ” (اش ٢٩، ١٣). إن القلب البعيد عن الله يكون لا محالة بعيداً عن البرّ والصدق والمحبة والرحمة، ويتحول لحجر جلمودي بسبب قساوته.

“قَرَّبتُ بِرِّي فلا يَبعُد” (اش ٤٦، ١٣): ردّاً على ابتعاد الأشرار عن البرّ وقساوة قلوبهم، حسب ما جاء في الآية السابقة، يأتي جواب الرّب ليكون عكس أفعالهم تماماً حيث إنه يُقرّب برّه. وبالتالي يؤكد على تحقيق خلاصه، برغم من تمرد البشر وعصيانهم وقساوة قلبهم وعنفهم.

إذن مهما كانت قلوب الأشرار قاسية ومخططاتهم سيئة، لن تستطيع إعاقة تدبير الله الخلاصي للبشرية. لدينا أمثلة وعبر كثيرة في الكتاب المقدس تبين كيف يُحوّل الله المخططات البشرية الهدامة بسبب قساوة قلوبهم ليجعلها جزءاً من تدبيره الخلاصي. نذكر على سبيل المثال موقف اخوة يوسف منه، وكيف ارادوا قتله والتخلص منه، فرموه في بئر، وباعوه للغرباء بعشرين من الفضة (تك ٣٧، ٢٨). وظنوا بأنهم بذلك تخلصوا منه، إلا أن الله جعل من ذلك طريقاً لتحقيق حلم يوسف ليخلص من خلاله اخوته أنفسهم من الجوع، بجانب الكثير من الناس (راجع: تك ٣٧ ـ ٥٠). اخوة يوسف خططوا ونفذوا، كذبوا وخدعوا، إلا أن الله جعل من خططهم ذاتها تحقيقاً لتدبيره الخلاصي.

مثلٌ آخر هو موسى الذي أراد فرعون قتله مع بقية الأطفال الذكور من بني اسرائيل، إلا أن الله بعنايته الأبوية خلّصه، وجعله عضواً من اسرة فرعون ذاتها، ليهيئه كي يقود شعبه من عبودية مصر إلى أرض الميعاد (راجع: خر ١ ـ ٤).

وكذلك يونان النبي الذي اختاره الله وارسله إلى أهل نينوى، حاول التمرد على تدبير الله الخلاصي، فهرب مبحراً إِلى تَرْشيشَ أي عكس اتجاه نينوى: ” ١ كانَت كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلى يونانَ بنِ أَمِتَّايَ قائِلاً: ٢ «قُمِ آنطَلِقْ إِلى نينَوى المَدينَةِ العَظيمة، ونادِ علَيها، فإِنَّ شَرَّها قد صَعِدَ إِلى أَمامي». ٣ فقامَ يونانُ لِيَهرُبَ إِلى تَرْشيشَ مِن وَجهِ الرَّبّ… ” (يون ١، ١ ـ ٣). لكن الله قاده بالنهاية إليها ليدعوها للتوبة، واستجاب اهلها لتلك الدعوة، فتحقق الخلاص لجميع سكانها (سفر يونان).

وفي مطلع الإنجيل نقرأ كيف حاول هيرودس الوقوف في وجه تدبير الله الخلاصي بمجيء الرّب يسوع المسيح، حيث حاول قتله وهو حديث الولادة، إلا أن الله أنقذه من يدّه (مت ٢). وكذلك عندما قام يهوذا تلميذ الرّب يسوع ببيع معلمه بثلاثين من الفضة (مت ٢٦، ١٥) وتسليمه لرؤساء اليهود الذين بسبب قساوة قلوبهم صلبوه، حوّل الله تمردهم ومخططاتهم لطريقٍ حقق من خلاله تدبيره الخلاصي لكل البشرية، وذلك بالانتصار على الكره والخطيئة والموت، بالمحبة وبالغفران والقيامة والحياة الأبدية.

إن النبي اشعيا يدعو للإيمان بعناية الله، ومحبته الأبوية، وتدبيره الخلاصي الذي لا بدّ وأن يتحقق رغم كل مخططات الأشرار ومكائدهم التي تنقلب عاجلاً أم أجلاً عليهم: “مَن حَفَرَ حُفرَةً سَقَطَ فيها، ومَن نَصَبَ فَخًّا أُخِذَ بِه” (سي ٢٧، ٢٦). كما يؤكد اشعيا على أن الكذب حبله قصيرٌ، والكره لا يُجدي نفعاً، والمخططات الشريرة لا بدّ وأن تفشل أمام تدبير الله الخلاصي. ولهذا يدعو الإنسان لإيمان لا يتزعزع، قائلاً: ” ١٦ لِذلك قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: «ها إِنِّي واضِعٌ حَجَراً في صِهْيون حَجَراً مُمتَحِناً، رَأسَ زاوِيَةٍ كَريماً أَساساً مُحكَماً مَن آمَنَ بِه لَن يَتَزَعزَع. ١٧ وأجعَلُ مِنَ الحَقِّ حَبْلاً لِلقِياس، ومِن البِرِّ مِقياسَ التَّسوَية. أَمَّا مَلجَأُ الكَذِبِ، فيَجرُفُه البَرَد، وتَطْفو المِياهُ على مَأْواه»” (اش ٢٨، ١٦ ـ ١٧). يشير مار بولس في رسالته إلى أهل رومية لهذا النص قائلاً: “ ١٠ فالإِيمانُ بِالقَلبِ يُؤَدِّي إِلى البِرّ، والشَّهادةُ بِالفمِ تُؤَدِّي إِلى الخَلاص، ١١ فَقَد وَرَدَ في الكِتاب: «مَن آمَنَ بِه لا يُخْزى»” (رو ١٠، ١٠ ـ ١١).

فلكتن أذن ثقتنا راسخة بالله وبتدبيره الخلاصي وبعنايته الأبوية كي نستطيع مواجهة كل مخططات الشرّ والأشرار، وننتصر عليها بقوة الإيمان والرجاء والمحبة.

عن Maher

شاهد أيضاً

معاني الأحلام بين الأمس واليوم

معاني الأحلام بين الأمس واليوم المطران الدكتور يوسف توما يعطي الانسان في جميع أطواره أهمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *