الرئيسية / المقالات / كنائسنا في العراق  خصوصية مسارها وفاعليتها

كنائسنا في العراق  خصوصية مسارها وفاعليتها

كنائسنا في العراق  خصوصية مسارها وفاعليتها

الاب نوئيل فرمان

يعيش مسيحيونا في العراق والشرق الأوسط، رسالة الانجيل في محيط غالب من المؤمنين المسلمين. فيكونون أمام سياقات تعايش وطني وديني، نرى في هذا المقال أنها تقتضي التوقف والمعاينة.

هذا الأمر يختلف من حال  لحال في بقاع اخرى من العالم، والعالم الغربي عموما، حيثما لا يكون الانتماء الديني واعلانه أمرا بديهيا، وفيه يختلف هامش القيم والتقاليد إذ تحكمها الحريات الشخصية بين مؤمنين وغير مؤمنين وبحجم متفاوت بينهما. هناك على سبيل المثال لا الحصر، لا يسأل أتباع هذه الكنيسة أو تلك، لماذا لم تدعونا عندما قابلتم الرئيس عمانوئيل ماكرون، ولا أحد يسأل ما الذي جعل ترامب يقابلكم دون أن نكون موجودين.

ففي محيط اجتماعي مأهول بـ “المؤمنين” حيث يكون المسيحيون بنسبة متواضعة تجاه غالبية ساحقة من المؤمنين غير المسيحيين، ثمة حساسية كبيرة، اذ قلما يوجد هامش انتمائي غير إيماني، بحيث أضحت في العراق مثلا الأحزاب اللادينية أمام فريضة أداء الواجب تجاه هذه الديانة أو تلك او شبه الانخراط في احتفالية أو لطمية. فلا يألون جهدا من تعليق الشعارت الخضراء والحمراء أو البيضاء بموجب المناسبة.

اللون الرمادي وطبيعة العلاقات بين العناوين المسيحية في العراق

ومع الوقت زحف اللون الرمادي الذي ساد منذ عقود وتوسع، عندما كانت الرمادية تفرض نفسها بحدّ سواء على الكنائس الرسولية الأصيلة، ومعها بعض كنائس الاصلاح الخارجة عنها منذ قرن ونيف. واندمجت مع النسيج العام، كل بحسب حدوده ومساحته وسياقاته، عندما كان عدد المسميات في العهد السابق يصل إلى حوالي 14. واذا تفحصنا اليوم عدد المسميات المسيحية محشورة مع الدخيلة منها لما بعد الاحتلال الأمريكي، نرى الرقم قد تضخم بنحو ملحوظ. إذ سادت أجواء من الانفلات المغلف بديمقراطية زائفة، لا يحكمها قانون حقيقي أو ثقافة متطورة. وفي خضم اللغط والغوغاء العقائدي الديني، اصبح للسحرة والمشعوذين، تحت غطاءات دينية، مكاتبهم ودكاكينهم لحين يفتضح امرهم. وفي هذا الزمن ايضا ظهرت عشرات المسميات الكنسية، تحت نفوذ الدولار والحصة الشهرية، حتى اختلط الحابل بالنابل.

كنيسة الكلدان

كنيسة الكلدان نشأت مع عهد توما رسول المسيح، وتواصلت عبر تحولات تاريخية مع الكنيسة الجامعة، وفيها كردينال ضمن الكرادلة الفاعلين في دائرة صنع القرار على مستوى الفاتيكان والعالم الكاثوليكي. وفي عراق ما بعد 2003 إذ حلّ، بسبب ذلك النوع من الديمقراطية، زمن من الانفلات الليبرالي القانوني والضبابي، أفقد الجهات الحكومية والقانونية المعنية مقياس الاعتراف بجماعة أصيلة تجاه جماعة دخيلة، فقد تضطرب الرؤية حتى عند المسؤولين في تمييز الدعوة لحضور مناسبة لدى كنيسة رسولية عراقية اصيلة وأخرى من الجماعات وافدة) وربما التجارية، ويكون ظهير الكل أجهزة الميديا ووسائل التواصل. مثل هذا الحال، سبق وأن حدث، لدى الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا، عندما داهتمها هبـّة من مثل هذه الجماعات الكنسية، يوم فشلت الماركسية في أن تشكل فكرا سياسيا يحكم روسيا، فانفرط عقد الاتحاد السوفيتي. تلك الهَـبّات كانت قد دفعت البطريرك الراحل اليكسي الثاني (المتوفى في 5 كانون الأول 2008) إلى ان يرفع رسالة الى مجلس الدوما، ليقر الكنيسة الأرثوذكسية ككنيسة روسية عريقة (تقليدية) على حساب مثل تلك الجماعات الكنسية الوافدة ومعها الكنيسة الكاثوليكية… بغية أن يعيد مجلس الدوما النظر في قانون الحريات الدينية لسنة 1997.

عندئذ وجه البابا الكبير يوحنا بولس الثاني، رسالة على درجة عالية من الحنكة والدبلوماسية، إلى الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن (1931-2007) لإعادة الاعتبار إلى الكنيسة الروسية الكاثوليكية ككنيسة رسولية عريقة اسوة بشقيقتها الكنيسة الروسية الأرثوذكسية. فهل يا ترى تقتضي الحاجة في عهدنا الضبابي الداكن إلى شخص يضع النقاط على الحروف، على مستوى الاوقاف أو الرئاسات الكنسية الرسولية فيسعى إلى فصل الحابل عن النابل.

لكن التحديات في محيطنا، وعلى المستويين المسيحي والوطني، لم تستنهض بما فيه الكفاية الحاجة الى التنسيق المشترك، وذلك بسبب جملة عوامل في مقدمتها، بقاء تراكم الزمني الذي عوّد الكثيرين على ترك الحبل على الغارب، برغم بروز عنوان كنسي أو اكثر، من المطالبين بالتغيير المسؤول والجذري. في حين بقي التقليديون على نهجهم القديم.

العلاقات بين الكنائس الرسولية العريقة

وعلى مستوى العلاقات بين الكنائس الرسولية الكاثوليكية والأرثوذكسية أو غير الكاثوليكية، يمكن التفهم بأن هذه الاخيرة، خصوصا التي تمثل كراسي بطريركية خارج البلاد، لها ثوابت تمشي على وفقها، ولها تحديدات حتى على مستوى العلاقة بين الكنائس الأرثوذكسية. بحيث ان الرئاسات المحلية قلما تستطيع ان تتخذ القرار في الوقت المناسب، سواء تحت ضغوط تراتبية، او مواقع نفوذ قومية وسياسية في الخارج والداخل. كل هذا ازاء كنيسة ذات حجم بارز وعريق مثل الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، ذات الكرسي البطريركي في البلاد وتتوخى المواكبة الفاعلة للمستجدّات.

ولكن ايضا، وعلى مستوى كنائس “العائلة الكاثوليكية” وخصوصا عندما يكون كرسيها البطريركي خارج بلاد هذه الابرشية أو تلك، فإنه ولسخرية المفارقة، تحدث الاحتدامات، وتحدث اصطفافات سياسية وقومية خارج الشركة الكاثوليكية. مما يعدّ ضربا من الخيال اذا قورن بعلاقات الكنائس الثقافية او “القومية” الكاثوليكية في الغرب، ربما بسبب القرب المباشر لتلك الكنائس الغربية من الكرسي البابوي، واستقلالها عن الشرنقة البطريركية للكنائس الشرقية ذات الحق الخاص. فهل يصبح هذا الحق الخاص، نقمة بدل أن يكون نعمة؟ خصوصا اذا مال البعض إلى التعامل معه بمطاطية إزاء مبدئية الشركة التامة مع روما؟ الجواب نراه في أن هذا الواقع المرير يحمل ايضا تفسيره الخاص، عندما تفرق اجتماعيا وسياسيا وانتمائيا الاصطفافات المناطقية بين ابناء العائلة الكاثوليكية بطقوس متميزة أي بين الجماعة الكاثوليكية على هذا الطقس وتلك طقس أو لغة أخرى.

موقف بطريركية بابل على الكلدان

لقد أملت ظروف الحروب المتتالية على العراق، وخصوصيات شخصية لعناوين توالت على الكرسي البطريركي في الكنيسة الكلدانية، بخاصّيتها التاريخية الرسولية وأصالتها، وإمكاناتها ونفوذها، أن تكون في مهب الريح، ضمن كم من التسميات الكنسية الاخرى، رسولية وغير رسولية، صهرها النظام السابق في قائمة عددية شاملة وعبثية  وصلت وقتذاك الى 14 عنوان كما أسلفنا، عند كان قاسمها المشترك، لمناسبة أعياد رأس السنة، شجيرة ميلاد وقطعة كيك (وبطبيعة الواقع الراهن كان سيكون اليوم هذا العدد بالعشرات). حتى انتفض في ذلك الزمن، وبكياسة متفردة، مثلث الرحمات وخالد الذكر مار عمانوئيل بني، أمام هذا التعامل المبهم، بأن ارسل رسالته في نهاية الثمانينات إلى رئيس النظام السابق قرأت فيها: ربما كان من الافضل ألا ترسلوا إلينا هدايا الميلاد ونحن في الموصل. ويبدو ان البيروقراطية واهمال المتابعة بين هذه او تلك من الجهات، اوصلت مجموعة الهدايا متاخرة متضررة…

وقد يكون احد اسباب المسافة المتزايدة الآن بين الكنائس هو أن انتبه البطريرك الحالي بثقافته الشاملة وعلاقاته الواسعة (وقد قال عنه الأستاذ اثيل النجيفي: البطريرك ساكو من اكثر رجال الدين وعيا ورؤية ثاقبة) انتبه الى حالات غض الطرف عنها الذين سبقوه، من تعاملات روتينية. بينما اقتضى الحال الجديد وظروف داعش المزيد من التعبئة المسيحية وايصال الصوت المسيحي والعراقي إلى المحافل الدولية، وإذا بالقواسم المسيحية المشتركة معه، بدل الالتفاف والتآزر، مضت في نفس الروتين والبيروقراطية تجاه اجراءات تقتضي المزيد من الفورية.

لقد تمت اكثر من مبادرة أو محاولة لحلحلة هذا الروتين ومعالجة البيروقراطية وعدم ايلاء اي اعتبار لأي نفوذ مركزي ودولي تمتلكه كنيسة تشكل 80 % من مسيحيين العراق، وكرسيها في بغداد  العراق، ويتبوأها من له مكانة فاعلة ككردينال في الاسرة الدولية والكاثوليكية. فترشح عن هذا الحال، من طرف الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، ابقاء اليد ممدودة للتعاون، وعندما تقتضى الطوارئ، المضي بالمساعدة على المستوى الوطني وليس المسيحي فحسب. وإزاء هذا الامتثال لما يختاره الآخرون من مسافة وصعوبة الاستجابة، فقد تكون من عوامل العافية لشجرة مثمرة أن تنسلخ عنها جذوع فقدت الرؤية والفاعلية واصابها الجفاف.

شاهد أيضاً

تلكيف: مجرد اقتراح

تلكيف: مجرد اقتراح الكردينال لويس روفائيل ساكو  تلكيف لا تبدو بلدة مسيحية ولا كلدانية، بعدما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *