الرئيسية / المقالات / المرأة السامرية مثال التوبة والندامة الصادقة

المرأة السامرية مثال التوبة والندامة الصادقة

المرأة السامرية مثال التوبة والندامة الصادقة

الخوراسقف فيليكس الشابي – روما

استوقفتني قراءة انجيل يوحنا (الفصل 4) عن قصة اهتداء وتلمذة المرأة السامرية.

  • اولا ينبغى التنويه ان يوحنا الانجيلي، ينفرد اكثر من غيره، بسرده قصص اللقاءات الفردية التي جرت بين يسوع وبين اشخاص عديدون على طول الانجيل[1].

  • في مقطع السامرية، يتبع يسوع اسلوبا مبسطا يحاول فيه الاقتراب من فكر المرأة من خلال “الحوار”. خاصة لان هناك قطيعة وعداوة بين الشعبين اليهودي والسامري، اظف الى ذلك، كيف سيكون مثل هذا الحوار مسموحا بالاكثر ما بين رجل وامرأة في مجتمعات متعصبة ومنغلقة على ذاتها وقبل 2000 سنة، اذ لا يزال الحال على ما هو عليه في مناطق كثيرة من العالم، بشرقه وغربه، الى يومنا هذا[2]؟

  • ان يسوع في قصة السامرية يشبه الطبيب الذي يقترب من طير جريح يود ان يعالجه دون ان يخيفه او يبعده عنه (صورة الراعي الصالح)[3]. فهنا نجد بان اسس الخلاف والقطيعة على اوّجها بين الشعبين، وان التعجب من هذا التقرب والحوار (الخلاص) لا يصيب المرأة السامرية وحدها[4]، بل والتلاميذ ايضا[5]. رغم كل هذا، فان الرب يسوع يريد تتميم رسالته الخلاصية، بغض النظر عن الظروف المتناقضة المحيطة، ومن الاعراف السائدة والتقاليد البائدة، التي تفرضها المجتمعات المتخلفة على المساكين لتصبح سننا وشرائع عليهم، لانها وبالتالي لا تبالي بواقع الانسان وحاجته الى الخلاص والحياة والحرية التي يريدها اللـه للبشر.
  • هنا نرى ان الرب يسوع يتمكن من الوصول الى هذه المرأة وتحريرها من عبوديتها، فتتوب عن خطاياها، وتصبح تلميذة ومبشرة بيسوع “مخلص العالم”[6]. المرأة يستوقفها كلام يسوع. وسؤاله لها يقع عليها كالبرق، ما جعلها تفكر في حياتها مرتين، فتقبل كلامه برحابة صدر وتهتدي وتسلم امر خلاصها بيده[7]. على نقيض السامرية (ابناء العهد الجديد) نرى (ابناء العهد القديم) في الكتاب المقدس قد عاندوا اللـه في مشروع خلاصه. فمثلا عندما وقع صدى سؤال اللـه كالبرق على آدم عند ارتكابه المعصية، ذهب واختبئأ مع حواء وراء الشجرة[8]. وايضا عندما وقع صوت سوأل اللـه على قائين كالبرق عندما قتل اخاه هابيل، حاثا اياه على التوبة والاهتداء الداخلي، ارتعب وخاف[9]… لكنهم لم يستجيبوا فورا لنداء اللـه… اما السامرية فهي تعلمنا درسا في الشجاعة والجرأة والمثابرة والسعي الى التوبة وإنتشال فرصة الخلاص حال توفرها وعدم اضاعة الوقت والتردد اكثر مما ينبغي[10].

  • السامرية مثال الندامة والتوبة الصادقة: اخيرا اذكر، أنْ كثيرا ما ندد يسوع بالكتبة والفريسين ونعتهم بالمنافقين والمرائين، والقبور المكلسة وباقسى الالفاظ [11]… لقد جاء يسوع محاربا المظاهر الفاسدة… اما السامرية فقد فتحت قلبها لينظفه الرب لها. فهل نحن مستعدون لان نقول: تفضل يا رب ونظف قلبي؟ هل نمتلك شجاعة السامرية وعفويتها وعنفوانها، اذ قررت في لحظة التقائها الشخصي-الحقيقي بيسوع ان تترك كل شيء وتتبعه وتصبح مبشرة به؟ ونحن، كم مرة نصلي بالبيت ونتكلم لى اهل بيتنا، وكم مرة نذهب للكنيسة ونتكلم على اهل الكنيسة، وكم مرة نعترف ونعود لارتكاب نفس الخطايا…؟ اليس الخلل كامنا في دواخلنا اذا لاننا نأبى ان نفتح قلوبنا للرب لينظفها ويحررنا بنوره الالهي؟ هل نلتقي بيسوع ونتكلم معه شخصيا عندما نذهب للكنيسة، ام ان ذهابنا تشوبه المظاهر ايضا[12]؟ ان يسوع هو الطبيب الشافي، ولكن يشترط علينا ان نكون صريحين معه، نخبره بعلتنا لكي يداوينا. والسامرية هي المرأة التي استغلت فرصة الخلاص لحظة وصولها عنده، فهل نحن متيقظون لانتهاز فرصة خلاصنا طالما ان يسوع لا يزال عندنا: عمانوئيل “اللـه معنا”؟

[1][* نيقوديموس: فص3، السامرية: فص4،  المرأة الممسوكة بالزنى: فص8،  * الرجل المولود اعمى: فص9،  * الحوار مع مريم ومرتا واقامة لعازر: فص11،  * المرأة الخاطئة تمسحه بالطيب: فص12،  * لقاءات الالام: “حنان، قيافا، بيلاطس، مريم امه ومريم اختها ومريم المجدلية، يوحنا الحبيب، لصي اليمين والشمال، نيقوديموس ثانية ويوسف الرامة”: فص18-19،  * لقاءات القيامة: “المجدلية والتلاميذ”: فص20،  * لقاء تتميم الرسالة: “التلاميذ، ثم بطرس ويوحنا”: فص21 ].

[2] في امريكا قررت نساء البرلمان لبس اللون الابيض اثناء خطاب الرئيس المرتقب الموجه للأمة، احتجاجا على التقليل من دور المرأة، وعدم مساواتها بالرجل في شتى ارجاء المجتمع.

[3]وإِذا وجَدَهُ يحمِلُهُ على مَنكِبَيْهِ فَرِحًا (لوقا 15: 5).

[4] “كيفَ! أَنتَ اليهوديَّ تَطلبُ أَنْ تَشْرَبَ مِنّي، أَنا المَرأَةَ السَّامريَّة؟” (4: 9).

[5] “وجاءَ عِندئذٍ تَلاميذُهُ، فاسْتَغْربوا مِن أَنَّهُ يَتكلَّمُ معَ امرأَة؛ ولكِنْ، لم يقُلْ أَحدٌ: “ماذا تُريد؟” أَو: “لِمَ تُكلِّمُها؟” (4: 27).

[6] وكانوا يَقولونَ للمَرْأَة: “لَسْنا بعدُ مِن أَجل كلامِكِ نُؤْمن؛ فلقَدْ سمعناهُ نحنُ، وتأَكَّدَ لنا أَنَّهُ حقًّا مُخلِّصُ العالَم”. (4: 42).

[7] قالَ لها: “إِمْضي وادْعي رَجُلَكِ وهَلُمِّي الى ههُنا”. فأَجابَتِ المرأَةُ، وقالَتْ لَهُ: “ليسَ لي رَجُل”. فقالَ لها يَسوع: “لقد أَصَبْتِ في قَولِكِ: ليسَ لي رَجُل؛ فإِنَّهُ كانَ لكِ خَمْسَةُ رِجالٍ، والذي معَكِ الآنَ ليسَ برجُلِكِ. ففي هذا قد صَدَقْتِ”.قالَتْ لهُ المَرأَة: “يا سيِّدي، أَرى أَنَّكَ نَبيّ!” (4: 16-19).

[8] فنادى الرَّبُّ الإِلهُ الإِنسانَ وقالَ له: ((أَينَ أَنْتَ؟ ))، قال: (( إِنِّي سَمِعتُ وَقْعَ خُطاكَ في الجَنَّة فخِفْتُ لأَنِّي عُرْيانٌ فاَختبأتُ )). قال: (( فَمَن أَعلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيان؟ هل أَكَلتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتي أَمَرتُكَ أَلاَّ تأكُلَ مِنها؟ )).

[9] فقالَ الرَّبُّ لِقايِن: (( أَينَ هابيلُ أَخوك؟)) قال: (( لا أَعلَم. أَحارِسٌ لأَخي أَنا؟)) فقال: (( ماذا صَنَعتَ؟ إِنَّ صَوتَ دِماءِ أَخيكَ صارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرض. (تك 4: 9-10).

[10] قالَتْ لهُ المَرأَة: “أَنا أَعرِفُ أَنَّ ماسِيَّا، ذاكَ الذي يُدعى المسيحَ، يَأْتي؛ فمتى جاءَ فهوَ يُبشِّرُنا بكلِّ شيء. قالَ لها يَسوع: “أَنا هُو؛ أَنا، المُتَكلِّمَ معَكِ”. (4: 25-26).

[11] راجع كامل الفصل 23 من متى. “الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون، فإِنَّكم أَشبَهُ بِالقُبورِ المُكَلَّسَة، يَبدو ظاهِرُها جَميلاً، وأَمَّا داخِلُها فمُمتَلِئٌ من عِظامِ المَوتى وكُلِّ نَجاسَة. وكَذَلِك أَنتُم، تَبدونَ في ظاهِرِكُم لِلنَّاسِ أَبراراً، وأَمَّا باطِنُكُم فَمُمتَلِئٌ رِياءً وإِثماً (متى 23: 27-28).

[12]  في حديث له اثناء تعليم الاربعاء في المقابلة العامة- 8 نوفمبر 2017، حذر البابا فرنسيس المؤمنين من اخذ الصور (له) اثناء القداس، وذكر الكهنة ايضا لا بل وحتى الاساقفة، داعيا الجميع الى الانتباه لان يكون وقت القداس وقتا للصلاة والعبادة وليس عرضا او احتفالا دنيويا.

شاهد أيضاً

 العلمانيون شركاء فاعلون ومؤثرون في الكنيسة

 العلمانيون شركاء فاعلون ومؤثرون  في الكنيسة الكردينال لويس روفايئل ساكو اكتب هذه الأفكار استعدادا لمشاركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *