الرئيسية / المقالات / البطريرك والسياسة

البطريرك والسياسة

البطريرك والسياسة

بقلم القس لوسيان جميل

أدلى القس لوسيان جميل بآرائه حول مواقف الكنيسة من الشأن العام، وتناول الموضوع الساخن عن البطريرك والسياسة. هذا ما جاء في مقال كتبه على شكل رسالة محاورة موجهة إلى غبطته:

غبطة البطريرك الكاردينال لويس ساكو الكلي الطوبى.

سيدنا العزيز

وبعد، فلقد قرأت كلمتكم التي وجهتموها بمناسبة ذكرى جلوسكم على كرسي البطريركية. لقد ضربتم بكلمتكم في الصميم والحق يقال، ووضعتم النقاط على احرف كثيرة، من شأنها ان تغير بعض المواقف تجاهكم وتجاه الكنيسة الكاثوليكية. وفي الحقيقة اني فرحت لأنكم قررتم ان تكتبوا مثل هذه الكلمة التي جاءت في محلها تماما.

طبعا انتم تعرفون مثلي وأحسن مني ان الشعب العراقي، ولاسيما الشعب المسيحي صار شعبا مخدرا بألف مخدر. اما هذه المخدرات فقد جاءت من جهات عديدة تعرفونها، قد تكون صديقة او تكون عدوة، او تكون جهات شعبية تعبث بها الرياح وتوجهها الوجهة التي تتوافق مع مصلحتها، او تتوافق مع انفسها المريضة، كما ذكرتم؛ وان كان ما ذكرتم يخص جهات قد تكون  مسيسة ولا يجوز خلطها مع الجهات الشعبية البسيطة، ومعاملتها معاملة الأعداء، وان كنت متأكدا من انكم لن تلجأوا الى المعاملة المذكورة مع اية جهة كانت. وأنكم تكتفون بفضح نوايا ونفسيات الجميع، كل فئة بما تستحق. غير ان القسوة مع المنحرفين شي والقسوة مع الشعب البسيط المخدر شيء آخر تماما. على انه، ومع الجميع، يكون النصح والتحذير والفضح ايضا واجبا قد يتوجب اداؤه في ايامنا، وكذلك تسمية الأشياء بأسمائها… وعلى اي حال يكون على الكنيسة ان تبقى كنيسة في كل شيء وتبقى السياسة سياسة، حيث لكل من الكنيسة والسياسة طبيعتها الخاصة بها، الأمر الذي يلزمنا بالتمييز وبعدم الخلط بين الحالتين المتداخلتين احيانا كثيرة. وهكذا يمكننا ان نقول:

ان مداخلة البطريرك في شؤون سياسية لا تعد سياسة، بل تعد مداخلة انسانية، وأحيانا مداخلة وطنية وحسب؛ ولاسيما اذا كانت هذه السياسة كبديل لعجز المسيحيين من ان يكونوا لأنفسهم سياسة وطنية وانسانية مقبولة وغير كارثية، وخصوصا في الأوضاع الشاذة التي نحن فيها. كل ذلك مشروط بأن لا تأتي مداخلة الكنيسة في السياسة من منطق و وفق مبادئ تمليها السلفية الكنسية العقيدانية. طبعا، وفي هذه الحالة سوف تصطدمون بالشعب البسيط الذي يستغله المسيسون لكي يجعلون البسطاء ينتقدون البطريرك الذي يهتم مثلا ببعض الشؤون العالمية وببعض الشؤون التي تقرب بين الأديان ( قداسكم في ديالى مثلا) او مساعدتكم اخواننا الايزيدين.

اي احتلال واي ديمقراطية

فالسياسيون بالحقيقة لا يستحون من الكذب والسفسطة وكسر ارجل البسطاء، لأن السياسيين لا يعرفون كلمة يسوع الذي قال: من اعثر (شكك) احد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له ان يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر. متى 18: 6 علما بان مصطلح الصغار المؤمنين بيسوع يعني الشعب المسيحي الضعيف. اما المشككون الذين يكون خيرا لهم إن يعلق حجر الرحى ويغرق في لجة البحر فهم السياسيون والمتأثرون بسفسطائيتهم وأكاذيبهم اولئك الذين سموا احتلال العراق تحريرا وديمقراطية. املنا إن يعي المسيحيون خطأهم ويعودوا الى جادة الصواب، ويميزوا بين الديمقراطية والغوغائية الفاسدة والمفسدة، ويصلحوا من شأن انفسهم، في صالح الحقيقة الواضحة، قبل إن يفوت الأوان. وهنا يا سيدنا نكبر فيكم الكلمة التي قلتم من انكم لا تتنازلون عن استقلاليتكم وأنكم لا تقبلون إن يشتريكم احد او يحتكركم احد لنفسه. فأنتم بالحقيقة لستم شيخ المسيحيين ولا مرجعيتهم كسائر المرجعيات التي نعرفها في العراق. لكنكم الأب الأكبر الروحي للمسيحيين، من يسيركم هو قانون المسيحية التي تحترم كل انسان وجميع الشعوب وتحفظ كرامتهم من نواحي عديدة، ومنها الناحية السياسية. ولذلك انتم كرئيس لكنيسة يسوع الملقبة بالكنيسة الكلدانية لستم مسؤولون عن استقلاليتكم فقط  لكنكم مسؤولون عن استقلالية الجماعة او الجماعات المسحية ايضا، ليس من باب السياسة ولكن من باب الايمان حسب، والذي يتطلب احيانا، وفي ظروف خاصة تعاطي نوع من السياسة غير المنحازة الى احد. وذلك لأن انحياز المسيحيين الى اية جهة عراقية يعني القبول بأن يصير المسيحيون ضحايا الصراع بين الكتل السياسية المتنفذة الآن في العراق. وعليه نرى بأن قبول بعض التضحيات المفروضة على المسيحيين جراء الاحتلال، هو خير من إن يضيع المسيحيون انفسهم بين جهات لا تمثل الصالح الحقيقي للعراق وللمسيحيين، كما اظهرت تجربة الاحتلال.

اختيار الاسقفين الجديدين     

هذا، وبعد هذا الكلام الذي أقدّر إن غبطتكم تعرفونه احسن مني، اود إن اقدم لكم التهنئة باختياركم سيادة المطران ميخائيل نجيب والمطران روبرت سعيد جرجيس، بحسب معرفتكم  ومعرفة سنهادوسكم الموقر، ومعرفة روما ايضا. كما اهنئ من كل قلبي الاسقفين متمنيا لهما النجاح والعمل المثمر. أملي إن يكون الأسقفان بمستوى ما تنتظره منهم كنيسة القرن الحادي والعشرين وتنتظره الجماعات المسيحية المبتلاة بقيادات روحية تقليدية سلفية لا تستطيع إن تخرج من التقليد العقائدي والأدبي والطقسي وما يخص بعض امتيازات رجال الكنيسة التي تعود الى القرون الوسطى والثيوقراطية القسطنطينية. اما هذا الكلام الأخير فقد يعني ايضا إن المطلوب من الأسقفين العودة الذكية الى المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.

عن Maher

شاهد أيضاً

المستقبل بين المتفائل والمتشائم

تعقيبًا على دعوة غبطة البطريرك/الكردينال لويس ساكو: من أجل لاهوت و”فقه” المصالحة السياسية والمجتمعية (https://saint-adday.com/?p=33458)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *