الرئيسية / اخبار البطريركية / الاصالة والتجدد في الكنيسة الكلدانية

الاصالة والتجدد في الكنيسة الكلدانية

الاصالة والتجدد  في الكنيسة الكلدانية

لقد اطّلعتُ على  بعض انتقادات وتعليقات عن تأوين طقوسنا المشرقية الكلدانية، وردت في وسائل التواصل الاجتماعي واُرسل قسم منها الى البطريركية عن طريق الايميل. وجدتُ أن السطحية  والعاطفة غلبت عليها؛ مما يدفع إلى التعليق الفوري “أننا كنيسة ولسنا متحفا للتراث”. وهذه فرصة مؤاتية للحديث المعمق عن الموضوع، بعيدا عن نزق الانتقاد.

الكنيسة مؤسسة الهية وبَشَرية لنقل بُشرى الخلاص التي جاء بها المسيح لكل البشر في كل زمان ومكان… أليس كذلك؟

إن رسالة الكنيسة جامعة وليست لقوم أو لبلد أو لزمن واحد، وهذا ما ادركَته الكنيسة وعاشته منذ فجرها الأول. الكنيسة جماعة يوحدها الهدف وهو المسيح – المخلِّص، لها مواهبها ورسالتها. نحن كنيسة رسالتها البشارة، أي التعليم والحضور والخدمة، وهذا ما يدعونا الى ان نكبر وننمو وننضج في الاتجاه الصحيح. وقد ينسى الكثيرون انه حتى الكنيسة المحلية هي كنيسة جامعة، تعبّر تعبيراً كاملاً وصادقاً عن الكنيسة الجامعة.

من المؤسف جداً أن نرى كنائسنا الشرقية قد فقدت البعد التبشيري، والحس الإرسالي بسبب وضعها الجيوسياسي، والضغوطات والاضطهادات، فغَدتْ كنائس قومية: كلدانية واشورية وأرمنية وسريانية وقبطية ومارونية، بحسب البقعة الجغرافية واللغة. لربما في حقبة ما، استطاعت هذه الكنائس بسبب طقوسها في اللغة ان تحافظ على ايمانها، اما اليوم  وهي متواجدة في دول عدة ولغات وثقافات مختلفة ومتنوعة، وتواجه تحديات مصيرية، كيف لها ان تحافظ على تراثها وتقاليدها ولغتها؟ نحن اليوم نعيش في عصر يختلف عن العصر الذي ظهر فيه المسيح والكنيسة، بيننا الفا سنة ونيّف. عالمنا غدا “قرية رقمية“.

ان طريقة التفكير اختلفت، ومزاج الناس تغيّر وهكذا الثقافة واللغة. ولقد استجدّت قضايا وقيَم لم يعرفها الخطاب الديني (التقليدي) القديم. لذا بات تقييم تراثنا الكنسي  وتأوينه وتحديثه ضرورة قصوى لمعالجة الوضع الاجتماعي الحالي بتحدّياته ومتطلباته، والاستجابة لانتظارات المؤمنين، لتغدو طقوسنا حيوية تنعش الايمان والرجاء، فلا تبقى  تقليداً جامداً. هذه  الطقوس هي ابنة سياقها الاجتماعي والتاريخي والثقافي، وينبغي ألّا تُقتطع من ذلك السياق في عملية التأوين، بل بالأحرى الأخذ بروحيّتها ودلالاتها وفقا لما يقتضيه الزمن.

في جوهر الانجيل ورسالة الكنيسة تأتي الأصالة والحداثة والتجدد، وعلى الكنيسة أن تتمسك بدورها النبوي الشجاع. بالأصالة تُطوِّر الكنيسة ذاتها، وبالانفتاح والتجديد تَحول دون جعل هذه الاصالة أداة انغلاق وتعصب. واذا أبقينا على التقليد القديم وحده فقدنا شعبنا. اننا نشاهد بعض الكنائس التقليدية شبه فارغة من الشباب، ومن دون مشاركة الناس الصلوات!

الاصالة تعني الأصل. ما لدينا اليوم مختلف عن الأصل، فقداس اداي وماري في القرن الثالث مختلف عن الذي كنا نستعمله قبل التأوين،وقداس الثاني والثالث ان احتفلنا  باي منهما نحتاج اقله الى ساعتين ! وعليه فإن تأوين طقوسنا جاء نتيجة دراسات اكاديمية ونقاشات راعوية رصينة حافظت على الاصالة أي الروحية والدلالة من جهة، والأمانة الراعوية تجاه المؤمنين المعاصرين من جهة أخرى. لا بد ان نميز بين الجوهريّ والعَرَضيّ، وبين الإلهي الثابت والبشري المتحرك. وهنا أسجل شكري لآباء السينودس على جهدهم المضني. وسوف يأتي بعدنا من يشعر بان تاويننا لا يلائم .زمنه  فيعمل على ملاءمته لعصره. هذا هو سر التجسد، وهذه هي رسالة الكنيسة.

ان الكنيسة في تأسيسها مُرسلة، وان أحد العناصر الاساسية فيها هي الشمولية في ذاتها، في كينونتها ورسالتها. هذه الحقيقة يجب ان نعلنها للجميع.

الرسالة ينبغي ان تُنقل بكل اللغات واللهجات، ومراسيم العبادة كذلك، لتكون قادرة على مخاطبة  كل انسان، وكل الانسان، في كل زمان ومكان. هذا هو بلاغ حلول الروح القدس على التلاميذ “وظَهَرَت لَهم أَلسِنَةٌ كأَنَّها مِن نارٍ قدِ انقَسَمت فوقَفَ على كُلٍّ مِنهُم لِسان” (أعمال 2: 3). فلا توجد بعد لغة واحدة مقدسة للكنيسة ولا شعب مختار لوحده، انما كل اللغات هي مقدسة وكل الناس مدعوون وهم مختارون. اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، انما هي احساس وفكر وثقافة وهكذا رُتب العبادة.

نجد  في كنيسة المشرق أدباً مسيحياً قديماً باللغة العربية. على سبيل المثال، طيمثاوس الأول (780-  823) كتب بالعربية (الحوار مع الخليفة المهدي) وكذلك سكرتيره، أبو الفرج ابن الطيب، في كتابه “فقه النصرانية”، وايليا النصيبيني، وعبديشوع الصوباوي، وإيليا أبو حليم، وآخرون.

لذا يتوجب علينا أن نُعدّ رُتبـاً بالعربية والكردية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والسويدية إلخ… للجيل الجديد الذي ولد ونشأ هناك والذي لا يعرف لغتنا وطقسنا؟ لماذا الخوف إذاً؟ هكذا ترجم الملاباريون (في الهند) طقوسهم التي كانت بالكلدانية – السريانية مثلنا،  الى “ملايالم” وجددوها لتكون ملائمة لمؤمنيهم.

على الكنيسة، وكل كنيسة ان تجيب على الأسئلة التي تـطرح عليها  اليوم، والتي سوف تُطرح في المستقبل، فلماذا إذاً، خوف هؤلاء  المنتقدين من المعاصرة؟

 أقول لهم لماذا لا تحافظوا على الزيّ الذي كان رائجاً في قراكم؟ وعلى عادات وتقاليد أجدادكم؟ لقد غيرتموها، لأنها ما عادت تلائم مجتمعكم الجديد !

اما الوحدة، فنشكر الله انها مجسّدة في كنيستنا بالرغم من تشتتنا في عدة بلدان والتحديات القاسية التي نواجهها، فما نقرره في السينودس يطبّق في كل رعايانا، اما الوحدة مع الكنائس الأخرى، لاسيما الكنيسة الاشورية الشقيقة فلقد قامت كنيستنا بعدة مبادرات، لكنها لم تجد صدى، يقيناً ان طريق الوحدة طويل وشاق، ينبغي الاعداد له روحياً وفكرياً وعملياً لنتقدم في التفاهم ونقترب من بعضنا البعض بمحبة وتجرد فنمتلئ بالجرأة ونتكلم في المواضيع اللاهوتية المتفق عليها والمختلَف. لا نزال نأمل ذلك.

 

هذه “الثلاثية”: الاصالة والتجدد والوحدة، هي في كياني وفكري وصلاتي.

شاهد أيضاً

البابا يترأس رتبة ’آلام الرب‘ لمناسبة الجمعة العظيمة

البابا يترأس رتبة ’آلام الرب‘ لمناسبة الجمعة العظيمة الفاتيكان نيوز 2019/04/20 ترأس البابا فرنسيس، عصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *