الرئيسية / المقالات / الخامس من الدنح: ما بين الحقَّ والباطل!

الخامس من الدنح: ما بين الحقَّ والباطل!

الخامس من الدنح:

ما بين الحقَّ والباطل!

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد الخامس من موسم الدنح:

الأولى: من سفر تثنية الاشتراع (١٨، ٩ ـ ٢٢) تحذّر من مغبة السقوط في الشرّ.

الثانية: من الرسالة الى العبرانيين (٦، ٩ ـ ١٣) تظهر صدق الله في وعده، الذي يتم مهما كانت المعوقات.

الثالثة: من إنجيل يوحنا (٣، ١ ـ ٢١) تنقل الحوار مع نيقوديموس حول الولادة الجديدة. نيقوديموس يفهم الولادة مادياً، ويسوع يكلمه عن الولادة من الله.

 

تفسير نص القراءة الأولى (تث ١٨، ٩ ـ ١٣) وتأوينه:

ترد في هذه الآيات الخمس أداة النهي “لا” لتسع مرات، وكلها متعلقة بتجنب القبائح التي ترتكبها الأمم، إلا إنها تختم بوصية السعي الى الكمال. تذكرنا “لا” النهي هنا بالكلمات العشر (خر ٢٠، ١ ـ ١٧؛ تث ٥، ٦ ـ ٢٢) حيث تتكرر الـ “لا” فيها أيضاً لعدة مرات. تستهل الكلمات العشر بالتذكير بحدث الخروج: “أنا الرَّب إِلهُكَ الَّذي أَخرَجَكَ مِن أَرضِ مِصرَ، من دارِ العُبودِيَّة” (تث ٥، ٦)، وهذه الوصايا هنا تفتتح بذكر حدث الدخول لأرض الميعاد: “إِذا دَخلتَ الأرضَ الَّتي يُعْطيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِيَّاها” (تث ١٨، ٩). وعليه نستنج بأن ما جاء في هذه الآيات مكملٌ للكلمات العشر التي وردت في مطلع سفر تثنية الاشتراع، وبأن قبائح الأمم ليست أقل خطورة من الخطايا التي لا يجوز ارتكابها كعبادة الأصنام والقتل “لا يَكُنْ فيكَ مَن يُحرِقُ اَبنَه أَوِ اَبنَتَه بالنَّار …” (تث ١٨، ١٠)، والزنى والسرقة وشهادة الزور، وغيرها من الخطايا. الغاية من الكلمات العشر وهذه الوصايا وسائر التعاليم الإلهية تكمن في أن يعيش المؤمن حرّاً كابن لله، ويسعى نحو الكمال، ويجد السعادة الحقيقة وينال الخلاص.

القبائح: يأتي في (تث ٢٠، ١٧) ذكرُ أسماء الأمم التي يشير إليها نصنا، وهي: “الحِثِّيِّينَ والأَمورِّيينَ والكَنْعانِيِّينَ والفَرِزِّيِّينَ والحُوِّيَينَ واليَبوسِيِّيَنَ”. إن ما جاء بخصوص تَعلُّم القبائح في (تث ١٨، ٩): فلا تتعَلَّمْ أن تَصنَعَ مِثْلَ قَبائِح تِلكَ الأُمَم “، وفي (تث ٢٠، ١٨): كَيلا يُعَلِّموكم أَن تَصنَعوا مِثلَ قَبائِحِهِمِ الَّتي صَنَعوها لآلِهَتِهم، فتَخطَأوا إِلى الرَّبِّ إِلهكم”، يُبين بأن الأمم ذاتها تريد أن يتبنى شعب الله افعالها القبيحة. لكن لا ينبغي على المؤمن أن يتعلم، ولا أن يسمح بأن يُعَلَّم هذه القبائح.

قائمة الأفعال القبيحة في (تث ١٨، ١٠ ـ ١١) تتعلق بعبادة الأوثان واللجوء للسّحر والشعوذة وفتح الفأل والتنجيم واستحضار الأرواح واستشارة الأموات وذلك في محاولة يائسة لاكتشاف الحقيقة ومعرفة ما يخبئه المستقبل للمرء. لكن لا يمكن اكتشاف الحقيقة ومعرفة المستقبل بالاعتماد على آلهة مزيفة وأشياء كاذبة وممارسات سحريّة. الله هو الحقيقة المطلقة، وكلمته تعلن تدبيره الخلاصي. ولهذا المؤمن ليس بحاجة للجوء إلى السحّر والتنجيم لمعرفة مستقبله ومصيره. إن الروح القدس هو من يقود المؤمن ويرشده في كل خطوة يخطوها، أما الممارسات القبيحة فمصدرها الشيطان ومصير من يتبعها التيهان، حيث تجعله قبيحاً مثلها، ويكون نصيبه الطرد (قارن: تث ١٨، ١٢).

لكي يحافظ الشعب اليهودي على إيمانه وهويته وطقوسه ويحقق رسالته، ينبغي ألا يتبنى العادات السيئة والقبائح التي تمارسها شعوب أخرى. وفي الحقيقة والواقع، تمسك الشعب العبراني بهويته طيلة مسيرته الطويلة والشاقة والمحفوفة بالمخاطر والمجازفات جعله أن يستمر ويبقى بفضل بركة الله ورحمته وحنانه وامانته لعهده. وفي هذا السياق، يؤكد الحاخاميون بأنه بقدر ما حفظ اليهود يوم السبت، حفظهم السبت. أي لولا محافظة اليهود على هويتهم الدينية والقومية لكانوا قد انقرضوا بسبب ما عانوه من الظلم والاضطهاد طوال التاريخ.

الكمال: يختتم نصنا بالدعوة للسعي نحو الكمال: “… كُنْ كامِلاً لَدى الرَّبِّ إِلهِكَ” (تث ١٨، ١٣). لا شك في أن اتباع قبائح الأمم تبعد المؤمن عن البرّ والحق والكمال، وتجعله يعيش في حالة من الوهم والضلال لتكون نهايته الهلاك.

يربط كاتب سفر يشوع الكمال بمخافة الله وعبادته، بقوله: “والآنَ اتَقوا الرَّبَّ واعبُدوه بِكمَالٍ ووَفاء، وأَبعِدوا الآلِهَةَ الَّتي عَبَدَها آباؤُكم في عِبرِ النَّهرِ وفي مِصْرَ، واعبُدوا الرَّبّ” (يش ٢٤، ١٤). وعليه تحذير شعب الله من إتباع قبائح الأمم سببه ليس فقط عدم الجدوى من السحّر والتكهن بالمستقبل، وإنما بالدرجة الأولى هو بسبب الاتكال على قوى أخرى بدلاً من وضع الثقة الكاملة بالله. وبالتالي تعلم قبائح الأمم يشير لشكلٍ من اشكال عبودية الأصنام ووضع الثقة العمياء بها، بدلاً من الإيمان بالله خالق الكون ومخلصه. 

إن خلاص الإنسان هو في إتباع طريق الرّب وعيش كلمته: “اللهُ طريقُه كامِل، وقَولُ الرَّبِّ مُمَحَّص، هو تُرسٌ لِكُلِّ مَن بِه يَعتَصِم(مز ١٨، ٣١)، “شَريعَةُ الرَّبِّ كامِلَةٌ تُنعِشُ النَّفْسَ، شَهادةُ الرَّبِّ صادِقةٌ تُعَقِّلُ البَسيط” (مز ١٩، ٨). إذن أن تكون كاملاً يعني أن تَعبُد الله وحده وتخدمه وتسير حسب وصاياه (تث ١٠، ١٢ ـ ١٣) وخاصة أن تحبه حباً كاملاً (تث ٦، ٥) وأن تحب قريبك مثل نفسك (أح ١٩، ١٨).

تضع الأناجيل هاتين الوصيتين عن محبة الله والقريب مع بعضهما (مت ٢٢، ٣٧ ـ ٣٩؛ مر ١٢، ٣٠ ـ ٣١؛ لو ١٠، ٢٧). والرّب يسوع عاشهما بشكل كاملٍ حيث اطاع الله ابيه حتى الموت، موت الصليب (في ٢، ٥ ـ ٨)، وبذل ذاته في سبيل احبائه (يو ١٥، ٩ ـ ١٤). ولهذا هو المثال الأسمى للسعي نحو الكمال، كونهُ كاملٌ: “فنَصِلَ بِأَجمَعِنا إِلى وَحدَةِ الإِيمانِ بِابنِ اللهِ ومَعرِفَتِه، ونَصيرَ الإِنسان الرَّاشِد، ونَبلُغَ القامةَ الَّتي تُوافِقُ كَمالَ المسيح(اف ٤، ١٣)، وبلا خطيئة: “فلَيسَ لَنا عَظيمُ كَهَنَةٍ لا يَستَطيعُ أَن يَرثِيَ لِضُعفِنا: لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة(عبر ٤، ١٥)، ويدعونا للكمال، بقوله: “فكونوا أَنتُم كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل” (مت ٥، ٤٨).

 

إذن يدعونا هذا النص من سفر تثنية الاشتراع للتّخلص من كل العادات والتقاليد الدخيلة على ايماننا. كما يحذرنا الرّب يسوع في انجيله المقدس من التمسك بتقاليد البشر وترك وصايا الله، قائلاً: “إِنَّكم تُهمِلونَ وصِيَّةَ الله، وتَتمَسَّكونَ بِسُنَّةِ البَشَر” (مر ٧، ٨).

إن قبائح الأمم بشتى أنواعها واشكالها بما فيها السحّر والشعوذة تمثل الغش والكذب والباطل، أما كلمة الله فهي الصدق والحقّ والحياة والجمال والسعادة. والأمر متروك للإنسان بأن يختار طريق الحقّ فيخلص، أو طريق الباطل فيهلك.

عن Maher

شاهد أيضاً

خَدٌبشَبًا دَةٌرٍين دسوٌبًرًا (2) الاحد الثاني من البشارة: “2 سوبارا”

خَدٌبشَبًا دَةٌرٍين دسوٌبًرًا (2) الاحد الثاني من البشارة: “2 سوبارا” دوٌكٌرًنًا دسوٌبًرًىُ دمًرةُي مَريَم / …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *