الرئيسية / المقالات / السادس من الدنح: لا تَنْسَ من يُحبكَ

السادس من الدنح: لا تَنْسَ من يُحبكَ

السادس من الدنح:

لا تَنْسَ من يُحبكَ

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد السادس من موسم الدنح:

الأولى: من سفر اشعيا (٦٣، ٧ ـ ١٦) تظهر من جهة رحمة الله غير المحدودة ومن جهة ثانية تمرد الشعب.

الثانية: من الرسالة إلى العبرانيين (٨، ١ ـ ٧) تشير إلى العهد الجديد الذي افتتحه يسوع بدمه.

الثالثة: من إنجيل يوحنا (٣، ٢٢ ـ ٣٢) تبرز قول يوحنا عن المسيح: “ينبغي له أن ينمو، ولي أنا أن أنقص”. وهذا هو قاعدة التلمذة الحقيقية.

 

تفسير الآية الأولى من القراءة الأولى (اش ٦٣، ٧) وتأوينها:

“مَحَبَةَ الرّبِّ أَذْكُرُ، وأَمْجَادَ الرَّبِّ، لِأَجلِ كُلِّ ما صَنَعَهُ الرَّبُّ لنَا، ولِأَجلِ كَثرَةِ خَيرِه إِلى بَيتِ إسرائيلِ، والذّي عَمَلهُ لَهم بِحَسَبِ مَراحِمِه، وعَظَمَة مَحَبَتِهِ” (اش ٦٣، ٧).

“مَحَبَةَ الرّبِّ … مَحَبَتِهِ”: تبدأ وتنتهي هذه الآية بذكر محبة الله التي تتجسد بأعماله وخيراته ومراحمه. كلمة الرحمة المرادفة للمحبة تشير بشكل خاص لمحبة الأم لأولادها، كون المصطلح مشتق من كلمة الرحم. يصف اشعيا النبي اللهَ في سياق هذه الآية بالأم والآب حيث يشير بشكل غير مباشر للأمومة الإلهية بذكر كلمة الأحشاء والرحمة، بجانب مصطلحات للدلالة لقوة الله وعظمته، قائلاً: “تَطلعْ مِنَ السَّماءِ، وآنظُرْ مِن سُكْنى قُدسِكَ وبَهائِكَ. أَينَ غَيرَتُكَ وجَبَروتُكَ؟ هلِ آحتَبَسَ آرتِعاشُ أَحْشائِكَ ومَراحِمُكَ لي؟ (اش ٦٣، ١٥؛ قارن: اش ٤٩، ١٥؛ ار ٣١، ٢٠؛ مز ١٣١، ٢). كما يدعو اشعيا الله أباً، قائلاً: “فإِنَّكَ أَنتَ أَبونا، إِبْراهيمُ لم يَعرِفْنا، وإِسْرائيلُ لم يَعلَمْ بِنا. أَنتَ يا رَبُّ أَبونا مُنذُ الأَزَلِ، آسمُكَ فادينا” (اش ٦٣، ١٦). النبي هوشع يستخدم هذه الصورة أيضاً، قائلاً: “بِحِبالِ البَشرِ، بِرَوابِطِ الحُبِّ آجتَذَبتُهم، وكُنتُ لَهم كمَن يَرفَعُ الرَّضيعَ إِلى وَجنَتَيه، وآنحَنَيتُ علَيه وأَطعَمتُه” (هو ١١، ٤).   

قبل أن يصف إسرائيل الله بالآب، الله يدعو إسرائيل أبنه: “وتَقولُ لِفِرعَون: كَذا قالَ الرَّبّ: «إِسْرائيلُ هو آبنِيَ البِكْر»” (خر ٤، ٢٢؛ قارن: مز ٢، ٧). ويأتي على لسان الرّبّ بأن داود يدعو الله “أبي”: “يَدْعوني قائلاً: «أَنتَ أبي وإِلهي وصَخرَةُ خَلاصي»” (مز ٨٩، ٢٧). 

ترد المحبة والرحمة في أهم كشف لهوية الله في العهد القديم، وذلك في (خر ٣٤، ٦): “ومَرَّ الرَّبُّ قُدَّامَه فنادى: «الرَّبُّ الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء”. يختصر العهد الجديد كل ذلك بقوله: “… اللّهَ مَحبَّة” (١ يو ٤، ٧). ويؤكد بأن كل تعاليم ووصايا الشريعة والأنبياء تختزل بمحبة الله والقريب (مت ٢٢، ٣٧ ـ ٣٩؛ مر ١٢، ٣٠ ـ ٣١؛ لو ١٠، ٢٧؛ قارن تث ٦، ٥؛ أح ١٩، ١٨).

إن محبة الله ورحمته تظهران في أمانته لعهده: “وإِنِ آبتَعَدَتِ الجِبالُ، وتَزَعزَعَتِ التِّلال، فإِنَّ رَأفَتي لن تَبتَعِدَ عنكِ، وعَهدَ سَلامي لن يَتَزَعزَع، قالَ الرَّبُّ راحِمُكِ” (اش ٥٤، ١٠؛ قارن: مز ٨٩، ٢٧؛ ١٠٦، ٤٥)، وفي اعمال الخير التي يصنعها لخلاص العالم.

يركز الكاتب في (اش ٦٣، ٧ ـ ١٩) على محبة الله ورحمته وحنانه وشفقته تجاه أبناء شعبه ليخلصهم من محنهم وأعدائهم، ويرافقهم في مسيرتهم من العبودية نحو الحرّية حيث “فَلَق المياه امامهم” (اش ٦٣، ١٢) وكان معهم في “البرية فلم يَعثروا” (اش ٦٣، ١٣). إلا أنهم خدعوا (اش ٦٣، ٨) وتمردوا عليه، وأغضبوا روحه القدوس (اش ٦٣، ١٠) وضلّوا طريق الحقّ، وقسىيت قلوبهم عن خشية الله (اش ٦٣، ١٧). فكانت نتيجة ذلك انتصار أعدائهم عليهم (اش ٦٣، ١٨). النبي نحميا أيضاً يُبين كيف جاز بني إسرائيل محبة الله وحنانه بعدم الطاعة، قائلاً: “وأَبَوا أَن يَسمَعوا، ولَم يَتَذَكَّروا عَجائِبَكَ الَّتي صَنَعتَ معهم، وقَسَّوا أَعْناقَهم، وعَزَموا على الرُّجوعِ إِلى عُبودِيَّتِهم في مِصر، وأَنتَ إِلهٌ غَفورٌ حَنونٌ رَحيم طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الرَّحمَة، فلَم تَترُكْهم” (نح ٩، ١٧).

إذن بالرغم من تمردهم وخطيئتهم لا يتركهم الله، بلّ يعود فيذكرهم ويخلصهم (اش ٦٣، ١١).

 

“أَذْكُرُ”: المتكلم هنا قد يكون كاتب السفر نفسه أي النبي اشعيا. الفعل “أَذْكُرُ” بصيغة المضارع المتكلم له مغزى كبير. إنه يشير قبل كل شيء للاعتراف بالجميل. وصيغته المضارع المفرد المتكلم تشير للخبرة الشخصية، واهمية القيام بهذا الفعل هنا والآن، وعلى الدوام. إن المتكلم يعترف بمحبة الله الثابتة لا فقط تجاهه، بلّ تجاه شعبه برمته. كما يدرك بأنه لا هو ولا شعبه يستحقان هذه المحبة الإلهية التي يستحيل وصفها وإدراكها. إنه يذكر الله باسم الشعب كله حيث يبدأ بالمفرد المتكلم “أَذْكُرُ” ليتحول مباشرة لصيغة جمع المتكلم “لِأَجلِ كُلِّ ما صَنَعَهُ الرَّبُّ لنَا. خبرة شعبه في الماضي يجعلها خبرته، وذلك بفضل الذاكرة الجمعية لشعبه كله، والتي تتناقل عبر الأجيال بفضل كلمة الله والإيمان بها وحفظها.

إذن المؤمن المتكلم هنا يعبر عن رغبته بخلاص شعبه بأسره، ويعمل على تحقيق ذلك بكل ثقةٍ بمحبة الله ومراحمه. يقدم لنا الكتاب المقدس الكثير من الأشخاص الذين حقق الله من خلالهم الخلاص للشعب، وذلك بفضل طاعتهم لله وتلبيتهم لدعوته لهم، وايمانهم به. نذكر على سبيل المثال النبي موسى الذي قاد شعبه من عبودية مصر نحو الحريّة، وداود الذي انقذ شعبه من جيوش الفلسطينيين وقتل جُلْيات الجبار (ا صم ١٧؛ ٢١، ٩ ـ ١٠)، الرّبّ يسوع الذي أنقذ العالم بمحبته وخدمته، وتعاليمه وأعاجيبه، وغفرانه وتضحيته بذاته، وموته على الصليب، وقيامته من بين الاموات.

إن الإنسان عادة ما يذكر الله عند الحاجة وعندما يمرّ بالتجارب والمحن، والصعوبات والمشاكل، بينما ينساه عندما تكون الأمور حسب رغباته.

ينبغي على الإنسان أن يتذكر من جهة بأنه زائل (مز ٨٩، ٤٧)، وحياته كالريح (أي ٧، ٧)، وقد جُبل من الطين (تك ٢، ٧؛ قارن: أي ١٠، ٩؛ اش ٤٤، ٢١)، وانه خاطئ ومتمرد (تث ٩، ٧؛ مز ١٠٦، ٧). ومن جهة أخرى، عليه ألا ينسى مراحم الله ومحبته اللامتناهية تجاههُ، وتجاه الخليقة بأسرها. هذا الذكر ينبغي ان يتجسد في الصلاة لله، وتمجيد اسمه، والتأمل بكلمته “بل في شَريعةِ الرَّبَ هَواه، وبِشَريعَتِه يُتَمتِمُ نَهارَه ولَيلَه” (مز ١، ٢)، والسيّر بحسب وصاياه، والقيام بأعمال البّر والخير، والمحبة والرحمة؛ “لِكَي تتَقيَ الرَّبَّ إِلهَكَ، حافِظًا جَميعَ فَرائِضِه …” (تث ٦، ٢).  

تقول القديسة تريزا أم الفقراء: “ينبغي أن تكون المحبة طبيعية في حياتنا كالتنفس”. نقرأ في سفر التكوين بأنه عندما خلق اللهُ الإنسانَ نفخ فيه روحه ليعطيه نسمة الحياة: “وجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ الإِنسانَ تُرابًا مِنَ الأَرض، ونَفخَ في أَنفِه نَسَمَةَ حَياة، فصارَ الإِنسانُ نَفْسًا حَّيَة” (تك ٢، ٧). بتلك النفخة ونسمة الحياة التي أعطاها الله لنا من ذاته وكيانه، زرع في قلوبنا أيضاً محبته اللامتناهية كي نكون ابناءً حقيقين له، نحبه ونطيعه ونسير حسب وصاياه، فنعطي معنى لحياتنا ونجد السعادة وننال الخلاص والحياة الأبدية. ولهذا مثلما نحتاج للتنفس كي نعيش، نحتاج للمحبة الإلهية كي نعطي معنى للحياة التي نعيشها.

إن الله يحبنا كما يرأف ويحنّ الأب لأبنه: “كما يَرأَفُ الأَبُ ببَنيه، يَرأَفُ الرَّبُّ بِمَن يَتَّقونَه” (مز ١٠٣، ١٣)، ومثلما ترحم الأم ابنَ بطنِها: “أَتَنْسى المَرأَةُ رَضيعَها فلا تَرحَمُ آبنَ بَطنِها؟ حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ، فأَنا لا أَنْساكِ” (اش ٤٩، ١٥). فكم ينبغي علينا أن نشكره بأقوالنا وأفعالنا على محبته، وألا ننساه. لكن بما إننا خطأة وننساه مراراً، فلتكن صلاتنا في تلك الحالة: “يا ربّ إذا نسيتك، لا تنساني”.

شاهد أيضاً

اقوال مأثورة من رتبة الباعوثا التي نحتفل بها هذه الأيام

اقوال مأثورة من رتبة الباعوثا التي نحتفل بها هذه الأيام معظمها لمار افرام أيقِظْ فينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *