الرئيسية / المقالات / السابع من الدنح: ما الفائدة من أعيُنِنا؟!

السابع من الدنح: ما الفائدة من أعيُنِنا؟!

السابع من الدنح:

ما الفائدة من أعيُنِنا؟!

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد السابع من موسم الدنح:

الأولى: من سفر اشعيا (٤٢، ٥ ـ ٩. ١٤ ـ ١٧) تعلن تدخل الله الحاسم في تاريخ الخلاص لتحرير الإنسان من كافة انواع الاستعباد.

الثانية: من الرسالة الأولى إلى طيمثاوس (٦، ٩ ـ ١٦) تحث على العيش في البر والحق.

الثالثة: من إنجيل متى (٧، ٢٨ ـ ٢٩؛ ٨، ١ ـ ٤) تروي خبر شفاء الأبرص. وكم من برص فينا بحاجة إلى شفاء.

 

(اش ٤٢، ٥ ـ ٩) في العهد الجديد، وفي حياتنا:

الجزء الأول من القراءة الأولى سبق وأن قرأناه في الأحد الأول من موسم البشارة، وقد شرحناه في أوانه. ولهذا سنركز في هذا الأحد الأخير من موسم الدنح على بعض نصوص العهد الجديد التي تقتبس بعض تعابير من هذا النص بشكل مباشر أو غير مباشر.

      

“صُورةَ العَبْد”: يبين العهد الجديد كيف تجسدت كلمات اشعيا النبي عن عبد يهوه في يسوع المسيح، حيث نقرأ بهذا الخصوص في (لو ٤، ١٧ ـ ١٩) ما يلي: ١٧ فدُفِعَ إِلَيه سِفْرُ النَّبِيِّ أَشَعْيا، فَفَتَحَ السِّفْرَ فوَجدَ المَكانَ المكتوبَ فيه: ١٨ «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لِأَنَّهُ مَسَحَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء، وأَرسَلَني لأُعلِنَ لِلمَأسورينَ تَخلِيَةَ سَبيلِهم، ولِلعُميانِ عَودَةَ البصَرِ إِلَيهِم، وأُفَرِّجَ عنِ المَظلومين ١٩ وأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرَّبّ». ٢٠ ثُمَ طَوَى السِّفرَ فَأَعادَه إِلى الخادِمِ وجَلَسَ. وكانَت عُيونُ أَهلِ الـمَجمَعِ كُلِّهِم شاخِصَةً إِلَيه.٢١ فَأَخَذَ يَقولُ لَهم: «اليوم تَمَّت هذه الآيةُ بِمَسمَعٍ مِنكُم»”. كذلك يؤكد سفر أعمال الرسل (أع ٨، ٢٦ ـ ٤٠) على تطابق كلمات اشعيا النبي مع حياة الرب يسوع وآلامه وموته. أما في النشيد الكريستولوجي الوارد في رسالة مار بولس إلى فيلبي، فنجد كيف أن يسوع اتخذ صورة العبد لتحقيق الخلاص: “٥ فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع، ٦ هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة، ٧ بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر، وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان. ٨ فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب. ٩ لِذلِك رَفَعَه اللهُ إِلى العُلى، ووَهَبَ لَه الاَسمَ الَّذي يَفوقُ جَميعَ الأَسماء،١٠ كَيما تَجثُوَ لاسمِ يسوع كُلُّ رُكبَةٍ في السَّمَواتِ وفي الأَرْضِ وتَحتَ الأَرض، ١١ ويَشهَدَ كُلُّ لِسانٍ أَنَّ يسوعَ المسيحَ هو الرَّبّ تَمْجيدًا للهِ الآب” (في ٢، ٥ ـ ١١).

عظمة الرّب يسوع هي في تجسده ونزوله وعيشه حياة التواضع والخدمة والتضحية بدمه على الصليب، ليتكلل كل ذلك بالقيامة والصعود إلى السماء. رأينا كيف يدعونا مار بولس في (في ٢، ٥) بأن يكون بيننا الشعور الذي هو في يسوع. ويسوع نفسه يحُثّنا بأن نقتدي به، ونعيش محبته وخدمته وتواضعه، قائلاً بعد أن غسل أرجل تلاميذه: ١٣ أَنتُم تَدعونَني «المُعَلِّمَ والرَّب» وأَصَبتُم في ما تَقولون، فهكذا أَنا. ١٤ فإِذا كُنتُ أَنا الرَّبَّ والمُعَلِّمَ قد غَسَلتُ أَقدامَكم، فيَجِبُ علَيكُم أَنتُم أَيضاً أَن يَغسِلَ بَعضُكم أَقدامَ بَعْض. ١٥ فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم” (يو ١٣، ١٣ ـ ١٥؛ قارن: مت ١١، ٢٩). إذن مشاعرنا وأعمالنا ينبغي أن تكون على مثال معلمنا وربّنا.

“نوراً لِلأُمَم” (اش ٤٢، ٦): صدى هذه العبارة من سفر اشعيا يرد في العهد الجديد، وذلك حينما يقول الرّب يسوع: “أَنَا هُوَ نُورُ العَالَم” (يو ٨، ١٢؛ ٩، ٥). كما يدعونا بأن نكون مثله، قائلاً: “أَنْتُمْ نُورُ العِالَمِ” (مت ٥، ١٤).

الله ذاته يوصف بأنه نورٌ (١ يو ١، ٥)، ويسوع على مثال الله الآب هو نورٌ، وبتجسده نوّرَ العالم (يو ١، ٤ ـ ٩). كما أن تعاليمه نورت البشرية. بالحقيقة، لا يوجد تعليمٌ أجمل مما علّمه الرّب يسوع في موعظته على الجبل (متى ٥ ـ ٧). كما يتحدث مار بولس عن نور معرفة مجد الله بالمسيح، بقوله: “فإِنَّ اللّهَ الَّذي قال: «لِيُشرِقْ مِنَ الظُّلمَةِ نُور» هو الَّذي أَشرَقَ في قُلوبِنا، لِيَشُعَّ نورُ مَعرِفَةِ مَجْدِ اللّه، ذلِكَ المَجْدِ الَّذي على وَجْهِ المسيح” (١ كور ٢، ٦).

نور المسيح يتجسد بشكل خاص بتطبيقه لكل ما علّمه للآخرين، وبعيشه حياة بلا خطيئة، وفي عمله المستمر لتحقيق الخلاص للخطأة. المسيح بتسامحه وغفرانه نوّرَ القلوب المظلمة الساعية لإدانة الآخر والانتقام منه. أجمل قصة بهذا الخصوص هي قصة المرأة الزانية (يو ٨، ١ ـ ١١) التي سامحها الرّب، وخلصها من الخطيئة والموت المحتم رجماً، محرجاً من كان يريد رجمها، بقوله: “مَن كانَ مِنكُم بلا خَطيئة، فلْيَكُنْ أَوَّلَ مَن يَرميها بِحَجَر!” (يو ٨، ٧). فقط يسوع كان بإمكانه رجمها، كونه بلا خطيئة (قارن: عبر ٤، ١٥)، إلا أنه بدلاً من رجمها، خلصها. هذه هي عظمة يسوع، وهذا هو نوره. ولهذا ليس من باب الصدفة أن يأتي قول يسوع عن أنه نور العالم مباشرة بعد هذه القصة الرائعة: “وكَلَّمَهم أَيضاً يسوعُ قال: «أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام، بل يكونُ له نورُ الحَياة»” (يو ٨، ١٢). كما يجدر الملاحظة بأن هذا الفصل من انجيل يوحنا الذي يبدأ بمحاولة رجم المرأة الزانية، ينتهي بمحاولة رجم الذي خلصها: “فأَخَذوا حِجارَةً لِيَرموه بِها، فتَوارى يسوع وخرَجَ مِنَ الهَيكَل” (يو ٨، ٥٩).

“تَفتَحَ العُيونَ العَمْياء” (اش ٤٢، ٧): هذه العبارة تأتي مكملة لسابقتها. فلا رؤية بلا نور، وأن العين سراج الجسد (مت ٦، ٢٢ ـ ٢٣؛ لو ١١، ٣٣ ـ ٣٦). جاء يسوع نوراً للعالم، وفتح عيوننا لكي نرى محبة الله لنا بشخص أبنه وبتعاليمه ومثاله.

وفي هذا السياق تروي لنا الأناجيل الأربعة معجزات فتح يسوعُ لعيون العميان. متى الإنجيلي يروي ثلاث معجزات من هذا النوع، الأولى هي قصة شفاء أعميين (مت ٩، ٢٧ ـ ٣١)، والثانية شفاء أعمى واخرس يسكنه شيطان (مت ١٢، ٢٢)، والثالثة هي شفاء اعميين آخرين جالسين على قارعة الطريق (مت ٢٠، ٢٩ ـ ٣٤). الإنجيلي مرقس من جانبه يسرد معجزتين عن شفاء يسوع لأعمى، الأول حصلت في بيت صيدا (مر ٨، ٢٢ ـ ٢٦)، والثانية ترد في (مر ١٠، ٤٦ ـ ٥٢) ويذكر فيها اسم الأعمى، وهو بَرطيماوُس. أما الإنجيلي لوقا، فيروي قصة واحدة عن شفاء يسوع لأعمى، وذلك في (لو ١٨، ٣٥ ـ ٤٣). وكذلك الإنجيلي يوحنا يسرد قصة واحدة لشفاء يسوع لأعمى منذ ولادته، مكرساً فصلاً كاملاً لها (يو ٩). يتبين من هذه المعجزات بأن العميان الذين فتح لهم يسوع اعينهم، تحققت لهم المعجزة بفضل الإيمان، أما الذين يدّعون بأنهم يبصرون ويرفضون الإيمان بالمسيح، فبالحقيقة هم عميان: “فقالَ يسوع: «إِنِّي جِئتُ هذا العاَلمَ لإِصدارِ حُكْمٍ: أَن يُبصِر الَّذينَ لا يُبصِرون، ويَعْمى الَّذينَ يُبصِرون»” (يو ٩، ٣٩).

تؤكد قصة تلميذي عماوس على هذا الأمر. فهذان التلميذان لم يستطيعا رؤية يسوع القائم من بين الأموات ومعرفته بسبب فقدانهما للإيمان والرجاء، إلى إن انفتحت اعينهما مع انهما لم يكونا اعميان: ٣٠ ولمَّا جَلَسَ معَهُما لِلطَّعام أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كسَرَهُ وناوَلَهما. ٣١ فانفَتَحَت أَعيُنُهما وعرَفاه فغابَ عنهُما” (لو ٢٤، ٣٠ ـ ٣١). إن كُنّا نحن المؤمنون بالمسيح، لا نرى المسيح ولا نعرفه، ولا نرى نوره، ما الفائدة من أعيُننا؟! إن حياتنا الروحيّة، ولا سيما مشاركتنا في الافخارستيا ينبغي أن تفتح أعينُنا، كما فتحت أعيُن تلميذي عماوس.

أمور كثيرة تظلم عيوننا، وتشوه نظرنا، لا بل تجعلنا عمياناً، ولعل أبرزها التعصب الديني والقومي، والكره والانتقام، والأنانية ومحبة المال، وما إلى ذلك. وعليه، لتكن صلاتنا كصلاة الأعميين في (مت ٢٠، ٢٩ ـ ٣٤) “يا رَبّ، أَن تُفتَحَ أَعيُنُنا” ـ آمين.

عن Maher

شاهد أيضاً

المستقبل بين المتفائل والمتشائم

تعقيبًا على دعوة غبطة البطريرك/الكردينال لويس ساكو: من أجل لاهوت و”فقه” المصالحة السياسية والمجتمعية (https://saint-adday.com/?p=33458)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *