الرئيسية / المقالات / اللقاء الثاني المسيح سّر الله الكنسي

اللقاء الثاني المسيح سّر الله الكنسي

اللقاء الثاني

المسيح سّر الله الكنسي

المُقدمة

        تعرفنا في اللقاء الأول عن أن إلهنا هو إلهُ علاقةٍ يبحث عن الإنسان ويُريده معهُ  شريكاً في عمل الفداء. وللتعبير عن هذه الحقيقة الإلهية كشفَ الله الآب للإنسان عن إرادتهِ وتدبيره بعدّة طُرقٍ وأساليب عن فحوى ومضمون هذه الحقيقة وتبعاتها على حياتهِ وحياة الإنسان، حتّى أنه وظفَّ الطبيعة بكلِّ مكوناتها لتكون علامةَ محبتهِ للإنسان:

“هذه عَلامةُ العَهْدِ الَّذي أنا جاعِلُه بَيْني وبَينَكم وبَينَ كُلِّ ذي نَفْسٍ حَيَّةٍ معَكم مَدى الأَجْيالِ لِلأَبَدَ: تِلْكَ قَوْسي جَعَلْتُها في الغَمام فتَكونُ عَلامةَ عَهْدي بَيْني وبَيْنَ الأَرض. وَيكونُ أَنَّه إِذا غَيَّمتُ على الأَرضِ وَظَهَرَتِ القَوسُ في الغَمام، ذَكَرتُ عَهْدِيَ الَّذي بَيْني وبَينَكم وبَينَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ في كُلِّ جَسَد” (تك 9: 12- 14).

ورأى الإنسان في الطبيعة فرصّة لتمجيد الله مثلما نقرأ في صلاة الفتيان الثلاثة (دا 3: 51- 90). يقينا أن الله الآب يفرِح بما يُقدمه الإنسان له، مع إعتراف الإنسان أن الله هو واهبُها، ولكنّ فرحة الله الآب بذلك هي فرحة الوالدين بهدية طفلهما لهم، مع أن الطفل إشتراها بالمال الذي أعطاوه لهه، تقديراً منه لمحبتهِ.

كما وطلبَ الله من الأنبياء أن يكونوا هم أيضاً علاماتٍ تُشير إلى ما يجولُ في فكره عن الإنسان، فينطقوا بإسمه، وتكون حياتهم الشخصية علامةٌ مُعبّرة عن رسالته لشعبهِ فأمرّ، على سبيل المثال، نبيّهُ هوشعَ بالزواج من زانية وتسميةِ الأبناء وفقاً لواقع العلاقة التي تربطهُ مع شعبهِ الخاطئ والمتمرّد وموقف الله منه:

بدءُ كَلامَ الرَّبِّ بِلِسانِ هوشعَ. قالَ الرَّبُّ لِهوشعَ: “إِنطَلِقْ فآتَخِذْ لَكَ امرَأةَ زِنًى وأَولادَ زِنىً، فإِنَّ الأَرضَ تَزني زِنًى بِآريدادِها عنِ الرَّبّ”. فآنطَلَقَ وآتَّخَذَ جومَر، بِنتَ دِبْلائيم. فحَبِلَت ووَلَدَت لَه آبناً. فقالَ لَه الرَّبّ: “سَمِّه يِزْرَعيل، فإِنِّي بَعدَ قَليلٍ أُعاقِبُ بَيتَ ياهو على دِماءَ يِزرَعيل، وأُزيلُ مُلكَ بَيتِ إِسْرائيل. وفي ذلك اليَومِ أَكسِرُ قَوسَ إسْرائيلَ في وادي يِزرَعيل”. ثُمَّ حَبِلَت ثانِيَةً ووَلَدَت بِنتاً، فقالَ لَه الرَّبّ: “سَمِّها غَيرَ مَرْحومة، فإِنِّي لا أَعودُ أَرحَمُ بَيتَ إِسْرائيل، صافِحاً عنهم صَفحاً. أَمَّا بَيتُ يَهوذا، فأَرحَمُهم وأُخَلِّصُهم بِالرَّبِّ إِلههم، ولا أُخَلِّصُهم بِالقَوسِ ولا السَّيفِ ولا القتالِ ولا الخَيلِ ولا الفُرْسان”. ثُمَّ فَطَمَت غَيرَ مَرْحومَة، وحَبِلَت ووَلَدَتِ آبناً. فقالَ الرَّبّ: “سَمَه لَيسَ بشَعْبي، فإِنَّكم لَستُم بِشَعْبي وأنا لا أًكُونُ لَكم إلهاً” (هو 1: 2-9).

        الكنيسة إذاً، وعندما تقرأ الكتاب المُقدس بعهديه القديم والجديد تؤمن أن فيه حقيقةُ الوحي الإلهي، وموضوعها هو ربّنا يسوع المسيح، إبنُ الله المتجسد الذي جعل حضور الله فاعلاً بيننا، وكشفَ عن محبتهِ لنا. هذه المحبّة التي بيّنها في العهد القديم بعدّة صور ورموز ورواياتٍ كانت إستباقةَ لما حققهُ الله بيسوع المسيح، مثلما قال القديس أوغسطينوس: “الجديد مُختبئ في القديم، وفي الجديد يتكشّف القديم”. هذه القراءة ليست من إختراع الكنيسة، ربّنا يسوع هو الذي علّم الكنيسة ذلك، فعندما طلبَ منه الفريسيون آية، أجابهم: “جِيلٌ فاسِدٌ فاسِقٌ يُطالِبُ بِآية، ولَن يُعْطى سِوى آيةِ النَّبِيِّ يونان. فكما بَقِيَ يُونانُ في بَطنِ الحُوتِ ثَلاثةَ أَيَّامٍ وثلاثَ لَيال، فكذلكَ يَبقى ابنُ الإِنسانِ في جَوفِ الأَرضِ ثَلاثةَ أَيَّامٍ وثلاثَ لَيال” (متّى 12: 39- 40)، ثم رافق تلميذي عمّاوس إلى قريتهما وهو يشرح لهم “مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه” (لو 24: 12)، وغيرها كثير من النصوص.

وواصل الرُسل هم الذين تأملّوا نصوص العهد القديم في ضوءِ بشارة ربّنا يسوع، مثلما علّم القديس بطرس إذ رأى في نجاة نوحٍ من الطوفان رمزاً للمعموذية التي تُنجينا بفضلِ قيامة المسيح يسوع (1 بط 3: 18- 22)، وكذلك الرسول بولس رأى في الصخرة التي ضربها موسى وهبتَ الماء لشعبه في البرية (خر 17: 6/ عدد 20: 11) رمزاً للمسيح، ينبوع الماء الحي (1 كو 10: 4). وهناك العديد من النصوص الأخرى التي سنتعرّف عليها خلال لقاءاتنا هذه.

المسيح: سرُّ الله الكنسي

كشفَ لنا الكتاب المُقدس أن إلهنا هو الذي يبحث عن الإنسان، فهو السامري الرحيم الذي يتوقّف عند المجروح الذي أُهينَ في إنسانيتهِ بإختياراتهِ الحُرّة أم باختيارات الآخرين. هو الراعي الصالح الذي يبحث عن الخروف الضآل الذي تاهُ عنه ووجده فرحاً من دون أن يدينهُ، مثلما عبّر عنها هوشع النبي عندما بيّن أن الله سيأخذ شعبهُ الزاني مرّة أخرى إلى البرية وهناك أعيد له الحياة الحقيقة: “وأَخطُبكِ لي لِلأَبَد أَخطُبُكِ بِالبِرِّ والحَقِّ والرَّأفَةِ والمَراحِم وأَخطُبُكِ لي بِالأَمانَةِ، فتعرِفينً الرَّبّ. … وأَرحَمُ غَيرَ مَرْحومَة وأَقولُ لِلَيسَ بِشَعْبي: “أَنتَ شَعْبي” وهو يقول: “أَنتَ إِلهي” (هو 2: 21- 25). لذا، فالسر الأول الذي نحتفل به هو سرُّ التجسّد الإلهي: “فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي” (غلا 4: 4). تجسدّه كان من أجل أن “يَجمَعَ أيضاً شَمْلَ أَبناءِ اللهِ المُشَتَّتين” (يو 11: 52). عبورهُ نحونا، فصحهُ كان من أجل أن يجمع لله الآب عائلةً، الآب الذي أحبَ الإنسان فبذلَ إبنهُ لكي لا يهلَكَ الإنسان: “فنَحنُ هَيكَلُ اللَّهِ الحَيّ، كما قالَ اللّه: “سأَسكُنُ بَينَهُم وأَسيرُ بَينَهُم وأَكونُ إِلهَهُم وَيَكونونَ شَعْبي. فاخْرُجوا إِذًا مِن بَينِهم وتَنَحَّوا”، يَقولُ الرَّبّ. “ولا تَمَسُّوا نَجِسًا، وأنا أَتَقبَّلُكم وأَكونُ لَكم أَبًا وتَكونونَ لي بَنينَ وبَنات” (2 قو 6: 16-18).

آتى وأقتبلَ معموذية التوبة مثل الخطأة لأجل الخطأة، وبشّر بمحبة الله الغافرة للجميع من دون إستثناء لاسيما للذين إستبعدتهم الشريعة. بصقَ وجبل طيناً، أمرَ بالإغتسالَ، بارَك الماء ليكون خمر الفرح. أخذ خبزاً وسمكاً وباركَ وكسر وناولَ، علّم وشرحَ، إحتفل بسرّ محبّة الله للإنسان من خلال علاماتٍ منظورة ومحسوسةٍ، وأمرَ التلاميذ بأن يواصلوا عملهُ الخلاصي هذا: “اِصنَعوا هذا لِذِكْري” (1 قور 11: 24). فبالمسيح يسوع وهبَ الله نفسهُ إلى العالم.

ربّنا يسوع هو سرُّ لقاء الله بالإنسان ورّبنا يسوع نفسه يوجّهنا نحو الآب: “طعامي أن أعمل بمشيئة مَن أرسلني (يو 14: 28)، فـ”لسنا نعرف الله إلاَّ بيسوع المسيح، بل لا نعرِف أنفسنا إلاذَ بيسوع المسيح” على حّد تعبير بليز باسكال. وهو يوجّه الكنيسة أن تُصلي إلى الله الآب، ولذلك نجد أن صلاة الكنيسة الطقسية توجّه دوماً إلى الآب بالإبن وفي الروح القُدس، فإتخذ صورة العبد (فل 2: 6-7)، ليخدُم الله الآب ويخدم أخوتهُ البشر لتكون لهم ملءُ الحياة، وهو يواصِل عملهُ الخلاصي من خلال الكنيسة، جسده، التي آمنت أن سرّ الله، أي حقيقتهُ المخفية قد أعتلنَ لنا بالتمام فيه.

ربّنا يسوع المسيح هو سرّ الله وصورتهِ وفيه قال الله كلمتهُ للإنسان: “فأَطلَعَنا على سِرِّ مَشيئَتِه أَي ذلِك التَّدبيرِ الَّذي أرتَضى أَن يُعِدَّه في نَفْسِه مُنذُ القِدَم لِيَسيرَ بِالأَزمِنَةِ إِلى تَمامِها فيَجمعَ تَحتَ رأسٍ واحِدٍ هو المسيح كُلَّ شَيء ما في السَّمواتِ وما في الأَرْض” (أفسس 1: 9-10). “إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين. هو شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه، يَحفَظُ كُلَّ شيَءٍ بِقُوَّةِ كَلِمَتِه”. (عبر 1: 1-3). ففي ربّنا يسوع إذاً لم تعد قدرة إلهية مُخيفةً أو سراً مخفياً على الإنسان، فربّنا يسوع كشفَ عن كيان الله وجوهرهِ من خلال كلامهِ وأعمالهِ: “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: لا يَستَطيعُ الابنُ أَن يَفعَلَ شيئاً مِن عندِه بل لا يَفعَلُ إِلاَّ ما يَرى الآبَ يَفعَلُه. فما فَعَلَه الآب يَفعَلُه الابْنُ على مِثالِه” (يو 5: 19). في ربّنا يسوع المسيح صارت محبّة الله منظورةً وملموسةً ومسموعةً، فيها منحَ الله الإنسان النعمةَ ليشترِك في حياة الله، وغاية الأسرار هي الدخول إلى عمق كيان الله، وهذا الكيان هو “محبّة”، محبةٌ تُريد أن تُشرِك الإنسان فيها فيتحوّل إلى الصورة التي خلقَ عليها والتي تشوهّت بالخطيئة. وعمل الفداء كان: إعادة البهاء إلى الصورة الأولى التي خُلِقَ عليها آدم والتي تشوهّت بالخطيئة.

الكنيسة: سرُّ الخلاص

دامت حياة رّبنا يسوع على الأرض ثلاثة وثلاثين سنةً، ولكنّه أوكَل إلى رسُلهِ مواصلة رسالة الخلاص: “إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض. فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم” (مـتّى 28: 18-20)، فكما أن رّبنا يسوع هو حضورٌ فعليُّ لله في حياة العالم، وهو يُشيرُ دوما إللى أبيهِ مصدرُ عملهِ، وتجسّد ليكون ليكون للإنسان فيض الحياة (يو 10: 10)، كذلِك على الكنيسة أن تكون حضورَ يسوع الفعلي في العالم، لتُصبحَ هي “سرُّ كنسياً”.

الكنيسة، جماعة المؤمنين، أشخاصٌ يعيشون في العالم ويؤمنون أن الله تدخّل في تاريخ العالم على نحو حاسمٍ بيسوع المسيح الذي ولد بيننا إنساناً قبل ألفي سنة، وهو حاضرٌ دوماً معنا: “عمانوئيل”، وقد شاركنا حياتنا مُشاركة تامّة (عبر 2: 14). كما وأنهم يسعون إلى تجسيد هذا الإيمان في شهادة حياة اليومية، معترفين أنهم يعانون الإخفاق في ذلك كونهم يعيشون في عالمٍ خاطئ ويكونون مراراً سبب حُزنِ الله وألم العالم، ولكنهم مؤمنون بمحبتهِ ورحمتهِ التي تُجدد فيهم حماسة الإيمان دوماً متحدّة به، فهو رأسها، لتكون الكنيسة، وعلى حدّ تعبير المجمع الفاتيكاني الثاني: “السّر الكنسي الشامل للخلاص” (نور الأمم 48).

تاريخنا الإنساني يكشِف عن أن التوثن بكل أشكاله هو سببُ كوارث عالمنا: عبادة الأنا ورغباته، عبادة المال ورغبة التسلّط كلّ هذه تجعل الإنسان يميل إلى إهانةِ الآخر وإنتهاك كرامته إستغلاله وحتّى قتلهِ، فالفرعونية ظاهرةٌ وتجربة تتحدّى إنسانيّتنا، وعبّر عنها الكتاب المقدس من خلال الكثير من القصص بدءً من قصّة خطيئة آدم وحواء وقاين وهابيل … إلخ. يأتي الله الآب إلى عون الإنسان إبنهِ ليُخلّصه من تجربة التوثّن ويُخرجهُ إلى بريّة التحرر من خلال العلاقة معه إلهاً أوحد: “أَنا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذي أَخَرجَكَ مِن أَرضِ مِصرَ، مِن دارِ العُبودِيَّة. لا يَكُنْ لَكَ آِلهَةٌ أُخْرى تُجاهي” (خر 20: 2-3). وواصل الله مرافقتهِ للإنسان بعدّة اشكالٍ وصور حُباً به، حتّى كلّمه بإبنهِ رّبنا يسوع المسيح: “إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين” (عبر 1: 1-2). لأن الله يُريد خلاص جميع الناس (1 تيمو 2: 4)، وخلّصه بإبنهِ الذي عبَر نحونا وجذبنا إليه. والأبن أعطى للكنيسة، جسّده مهمّة مواصلة بُشرى الخلاص كونها أول مَن أختبرَ هذا الخلاص لتُصبحَ بالروح القُدس واسطة وليس هدفاً أو غايةً. فالكنيسة موجودة لتشهدَ لمحبّة الله لنا بيسوع المسيح، هي تقود الناس إلى ربّنا يسوع المُخلِص الذي يقودنا إلى الآب. اختبرت الخلاص وهي مُقدسة لأن الله قدّسها بربنا يسوع وهي خاطئة لأنها مكونةٌ من بشرٍ خاطئين.

الكنيسة هي خادمةُ سرّ خلاص الله

إلهنا إذاً إختار الكنيسة بيسوع المسيح لتكون خادمةَ سر الخلاص وعلامةً فعّالة له، فعليها أن تُبشّر بالخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح وتدّل عليه فهو الرأس، وحينما تُجرّب بخطيئة الإنغلاق على نفسها، ولا تقبل مهمّتها كونها خادمة سرّ الخلاص فتخطئ وتشوّه بُشرى الخلاص، عليها أن تترجى الخلاص من الرأس، ربّنا يسوع المسيح، مؤمنةُ به رباً ومُخلصاً، وهو قادرٌ على أن يهبَ لها الحياة من جديد، مثلما فعل مع تلميذي عمّاوس (لو 24).

لذا، فكل مسيحي هو مُلتزِم برسالة الكنيسة هذه، ولا يُمكن القبول بمسيحي قداس الأحد حيث يشتركون فيه ويتغافلون عن رسالتهم بقيّة أيام الأسبوع متكلين على الأساقفة والكهنة والمكرسين في مسؤولية إعلان البُشرى. أنت مسيحي في كل لحظة من لحظات حياتِك، وهذا هو تعليمُ الأسرار الكنسية السبعة التي ترافق حياة الإنسان من ولادته على الأرض حتّى مغادرتهِ لها. المسيحي يؤمن بيسوع المسيح رباً ويقبل مسؤوليته خادماً لبُشرى الخلاص ويقف في حضرة الله شاكراً متواضعاً، ويجتهِد في أن يعيش حياتهُ شاهداً على هذه البُشرى التي اختبرها هو واقعاً في حياتهِ. في تاريخ الكنيسة لدينا قديسون عظّموا في شهادة حياتهم أعمال الله وسمحوا لنعمة الله أن تصنعَ بهم العظائم، ولم يكونوا كهنة أو أساقفة أو مكرسين، بل علمانيون إكتشفوا في عماذهم أن لهم رسالةُ للتبشير بالخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح، مثلما نقرأ في حياة مار افرام الشماس الذي أنشّد العديد من القصائد ممجداً الله الآب لمحبتهِ ورحمتهِ ومُعلماً الكنيسة، فنال بحق لقب: ” كنارة الرةح القُدس”.

ولد أفرام الشماس في مدينة نصيبين في بداية القرن الرابع الميلادي (حوالي سنة 306)، وقبل العماذ في سن الرُشد. كرس حياته لخدمة الكنيسة مع أبناء القيامة، وهي تجمّع علماني التزام البتولية وخدمة الكنيسة. ظلَّ شماساً وعلّم في مدرسة نصيبين مفسراً الكتاب المقدس، إضافة في مواجهة الهراطقة، قبل أن ينتقل إلى مدينة الرها وواصل تعليمه في مدرستها حيث ألف العديد من التفاسير في الكتاب المقدس وتعاليم ضد الأريوسية. وفي كلَّ مؤلفاته حاول الإقتراب من الحقائق الإلهية برهبةٍ وإحترام مُستخدماً الرموز رافضاً البحث الفلسفي العقلاني المُتكبّر الذي يسعى للسيطرة على الإلوهةِ، مدركاً أن المعرفة المُباشرة غير ممكنة حتّى للإنسان المؤمن، مثلما حصل مع موسى الذي طلبَ من الله: “أرني وجهَك”:

“قالَ موسى: “أَرِني مَجدَكَ”. قال: “أَمُرُّ بِكُلِّ حُسْني أَمامَكَ وأُنادي بِآسمِ: الرَّبِّ قُدَّامَكَ، وأَصفَحُ عَمَّن أَصفَح وأَرحَمُ مَن أَرحَم”. وقال: “أَمَّا وَجْهي فلا تَستَطيعُ أَن تَراه لأَنَّه لا يَراني الإِنْسانُ وَيحْيا”. وقالَ الرَّبَّ: “هُوَذا مَكانٌ بِجانِبي، قِفْ على الصَّخرَة، فيَكونُ إذا مَرَّ مَجْدي، أَنِّي أَجعَلُكَ في حُفرَةِ الصَّخرَة وأُظَلِّلُكَ بِيَدي حَتَّى أَمُرَّ، ثُمَّ أَرفَعُ يدى فتَرى ظَهْري، وأَما وَجْهي فلا يُرى”. (خر 33: 18- 23)

توفي مار أفرام سنة 373 بعد أن خدم الكنيسة مؤمنا مُصلياً، وشماسا ملتزما وواعظاً غيوراً ومعلماً مجتهداً في تفسير الكتاب المُقدس، غير متناسين أنشطتهُ الخيرية في مساعدة ضحايا مجاعة سنة 372-373. 

آمن مار أفرام، مثل جميع الآباء المعلمين، أن الكنيسة هي علامة فعّالة لحضور الله الآب مع الإنسان، الذي جعلها بيسوع المسيح سرّاً للنعمة، هي كنيستهُ، واسطة خلاصٍ للجميع من دون إستثناء فلا وجود لكنيسة إكليروسيّة محضّة أو كنيسة قوميّة، الكنيسة هي للجميع لأن رسالتها هي شاملة للعالم أجمع، عليها أن تأخذ العالم إلى ربّنا يسوع، عريسها، هذا لا يعني أنني مُلزمٌ بحُبِ المسيح وحدهُ؛ نعم للمسيح ولا للكنيسة، مثلما يقول البعض، فمثل هذا الموقف يتناسّى أن المسيح: “أَحَبَّ الكَنيسة وجادَ بِنَفسِه مِن أَجْلِها لِيُقدَسَها مُطهِّرًا إِيَّاها بِغُسلِ الماءِ وكَلِمَةٍ تَصحَبُه، فيَزُفَّها إِلى نَفْسِه كَنيسةً سَنِيَّة لا دَنَسَ فيها ولا تَغَضُّنَ ولا ما أَشْبهَ ذلِك، بل مُقدَّسةٌ بِلا عَيب” (أفسس 5: 25-28). ونحن نعي أن الكنيسة فيها الكثير من العيوب، ولكنها تبقى متحدّة بربّها يسوع ليُقدسها مُطهراً إياه من عيوبها، و”أصبح خبز الحياة لها، لتأكلهُ” (مار افرام).

الكنيسة خادمة سّر خلاص الله، فتعمل على نشر ملكوتهِ وتساعد الناس في عيش واقع الملكوت وتجتهدِ لتكون هي “الملكوت”، من خلال الاحتفال بالإسرار، فهي، الكنيسة، تتغذى بالأسرار لتنتعشِ وتغذي العالم منه. فليس هذا الاختيار مبعث أفتخارٍ لها، بل أن الكنيسة تقبل اختيارها مسؤولية، ويجتهِد أباؤها جميعاً من مسؤولين ومكرسين للشهادة له في حياتهم اليومية بكل ما تحملهُ احياناً من إخفاقاتٍ أو أزمات. علينا جيمعاً، ككنيسة المسيح أن نكون وجه يسوع المسيح على الأرض، ونكون علامةً له، لأن الله الآب يُريد أن يجمع له شعباً، عائلة، فهذه هي غاية الأسرار لأننا مدعوون لأن نكون أبناء وبنات الله: “فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي. والدَّليلُ على كَونِكُم أَبناء أَنَّ اللهَ أَرسَلَ رُوحَ ابنِه إِلى قُلوبِنا، الرُّوحَ الَّذي يُنادي: “أَبَّا”، “يا أَبتِ”، فلَستَ بَعدُ عَبْدًا بلِ ابنٌ، وإِذا كُنتَ ابنًا فأَنتَ وارِثٌ بِفَضْلِ اللّه” (غلا 4: 4-7). وهذا ممكن بالإيمان بيسوع المسيح رباً: “أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله: فهُمُ الَّذينَ لا مِن دَمٍ ولا مِن رَغبَةِ لَحْمٍ ولا مِن رَغبَةِ رَجُل بل مِنَ اللهِ وُلِدوا” (يو 1: 12-13).

الأسرار روائع الله

العهد الجديد الذي صارَ لنا بيسوع المسيح، وأضحت الكنيسة خادمةً له، يعني أننا مدعوون لنُشارِك الله في حياتهِ الإلهية: “فإِنَّ قُدرَتَه الإِلهِيَّة مَنَحَتْنا كُلَّ ما يَؤُولُ إِلى الحَياةِ والتَّقْوى. ذلِك بِأَنَّها جَعلَتْنا نَعرِفُ الَّذي دَعانا بِمَجْدِه وقُوَّتِه فمُنِحْنا بِهِما أَثمَنَ المَواعِدِ وأَعظَمَها، لِتَصيروا بِها شُرَكاءَ الطَّبيعَةِ الإِلهِيَّة في ابتِعادِكم عَمَّا في الدُّنْيا مِن فَسادِ الشَّهوة” (2 بط 1: 3-4). وهذه هي روعة الأسرار التي دعاها التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: “روائع الله” (ت 1116): إلهنا يُصبحُ لنا أباً وربّنا يسوع أخاً والروح القُدس مُرشداً، ونكون عائلة الله وأبناء حقيقين له من خلال عيش الأسرار. فالأسرار، وكما أكدّنا سابقاً تجعل الخلاص ممكناً، ولكنّ الله يتطلّع إلى إستجابةِ الإنسان، الذي مراراً ما يدفنُ الوزنةَ في الأرض من دون أن يستثمرها، فتؤخّذ وتُعطى لما يقدِر على إستثمارها جيداً مثلما علّمنا ربّنا يسوع في مثل الوزنات (متّى 25: 14- 30).

أين نختبِر روعة هذه الأسرار؟

في الليتورجيا، فهي، وبحسب تعليم الكنيسة: “القمّة التي يرتقي إليها عمل الكنيسة، وهي، إلى ذلك، المنبع الذي تنبع منه كلّ قوتها. هي المكان المُميزّ لإلقاء الكرازة على شعبِ الله … وهدف الكرازة الليتورجية هو أن تولج المؤمنين في سرّ المسيح، منطلقةً من المرئي إلى اللامرئي، ومن الدال إلى المدلول، ومن الأسرار إلى الغيوب” (ت 1074- 1075). هذه الليتورجيا ليست من إختراع الكنيسة، بل أنها تواصلٌ لما قبلتهُ من ربّنا يسوع نفسه، الذي قام هو أولاً بذلك مع جماعة التلاميذ في العشاء الأخير.

“ثُمَّ أَخَذَ خُبْزاً وشَكَرَ وكَسَرَه وناوَلَهُم إِيَّاهُ وقال: “هذا هو جَسدي يُبذَلُ مِن أَجلِكُم. إِصنَعوا هذا لِذِكْري”. وصنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكأسِ بَعدَ العَشاءِ فقال: “هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم”. (لو 22: 17- 20)

وعادَ ورافق تلاميذته الحيارى فظهرَ لهم على شاطئ بُحيرة طبرية فوجههم إلى مكان الصيّد، فكانت لهم الوفرة وأعدّ لهم مائدة منتظراً تجاوبهم معه: “فلَمَّا نَزَلوا إِلى البَرّ أَبَصروا جَمْراً مُتَّقِداً علَيه سَمَكٌ، وخُبزاً. فقالَ لَهم يسوع: “هاتوا مِن ذلِك السَّمَكِ الَّذي أَصَبتُموه الآن”. … فقالَ لهم يسوع: “تَعالَوا افْطُروا!” ولَم يَجرُؤْ أَحَدٌ مِنَ التَّلاميذِ أَن يَسأَلَه: مَن أَنتَ؟ لِعِلمِهم أَنَّه الرَّبّ. فدَنا يسوع فأَخَذَ الخُبزَ وناوَلَهم، وفعَلَ مِثلَ ذلك في السَّمَك (يو 21: 9- 13).

الكنيسة إذاً، وبواسطة الليتورجيا تحتفل بالسّر الفصحي الذي أتمَّ به المسيح عمل خلاصنا (ت 1067)، وهي تساعد المؤمنين إلى أبعدِ حدَ في أن يُبيّنوا ويعلنوا للآخرين، بسيرتهم، سرَ المسيح وهويّة الكنيسة الحقيقية ومفهومها الصحيح” (ت 1068). هي لا تتضمّن الإحتفال بشعائر العبادة وحسب، بل على البشارة بالإنجيل مثلما أعلن بولس في رسالته إلى كنيسة روما: “فأقومَ بِخِدمَةِ المسيحِ يسوعَ لَدى الوَثنِيِّين وأَخدُمَ بِشارَةَ اللهِ خِدمَةً كَهَنوتِيَّة، فيَصيرَ الوَثنِيُّونَ قُرْبانًا مَقبولا عِندَ اللهِ قَدَّسَه الرُّوحُ القُدُس” (رو 15: 16)، والمحبّة الفاعلِة: “قَد حَسُنَ لَدى أَهْلِ مَقْدونِيةَ وآخائِية أَن يُسعِفوا الفُقَراءَ مِنَ القِدِّيسينَ الَّذينَ في أُورَشَليم. أَجل، قد حَسُنَ لَدَيْهِم ذلِك وهو حَقٌّ علَيهِم، فإِن كانَ الوَثنِيُّونَ قد شارَكوهم في خَيراتِهِمِ الرُّوحِية، فمِنَ الحَقِّ علَيهِم أَيضًا أَن يَخدُموهم في حاجاتِهمِ المادِّيَّة” (رو 15: 25- 27). ففي الإحتفال الليتورجي، تقف الكنيسة خادمة، على صورة ربّها “الكاهن الأوحد”، تُشاركهُ الكهنوت (شعائر العبادة) النبوي (البشارة) والملوكي (خدمة المحبّة) (ت 1070).

الكنيسة إذاً هي خادمةُ السّر الإلهي، ربّنا يسوع المسيح، وهي نفسها تترجّى خلاصهُ وتتغذّى به، لتُصبِح هي نفسها علامةَ لخلاصهِ بمقدارِ إتحادها به، شاكرة له نعمهُ مثلما عبّر عنها مار أفرام في نشيد الشُكر مرنماً:

على نقص أفعال شكرنا، نعبدُكَ في كلّ شيءٍ منْ أجلِ حبِّكَ الشامل.
إنّكَ تُمَيّزنا الواحدَ من الآخرِ بأشكالٍ غيرِ منظورة،
مُرتَبِطةٍ جوهريًّا بالشكلِ الآدميِّ الواحد،
لئلاّ يَقْلَقَ عقلُنا مِن كثرَةِ الرُّبُط.
إنّنا نعبُدُكَ، يا مَنْ جعَلْتَنا في العالمِ وأعطيتنا أن نسيطرَ على كلِّ ما فيه،
وتُخرجنا منهُ ساعةَ لا نعلَم.
إنّنا نعبُدُكَ يا مَن جعلْتَ الكلمةَ في أفواهِنا، لكي نستطيعَ أن نسأل.
إنّ آدَمَ يدعوكَ وهوَ يرقُدُ وذريّتَهُ بسلام.
فإنّهم جميعًا مُفيدونَ منْ نعمَتِكَ.
تُمَجّدُكَ الرّياحُ عندما تسقطُ المياهُ رذاذًا.
تمجّدُكَ الأرضُ، تفتَحُ أحشاءَها وتُعطي ثمارَها في مواسِمِها.
تُمَجّدُكَ البحار بأفواهِ أمواجها، إذ تُعلِنُ أصواتُها أنَّكَ مُلجِمُها.
تُمَجّدُكَ الأشجار، يرغُمُها نسيمُ الرّيحِ على الإزهار والإثمار.
تُمَجّدُكَ النباتاتُ بأنواعها والزهورُ بألوانها،
وهيَ تمتَصُّ المَطَرَ وبُخارُ الندّى فيُرويها.
تجمّعَتْ وتوَحّدَت أصواتُها على تمجيدِكَ،
تشُدُّ الواحدةُ الأخرى، مغمورةً بجُملَةِ الخيرات، ومتّحدَةً بسلام، تُبارِكُكَ،
تعاوَنتْ جميعُها تُكَوّنُ فعلَ تمجيدٍ لكَ.
فعلينا أن نسيرَ نحوَكَ بملءِ إرادتِنا،
وعليكَ أن تَمْطُرَنا قليلاً مِنِ امتلائِكَ، فتَهدينا حقيقَتُكَ، ويزولَ ضعفنا.
فمِنْ دونِ عطيَّتِكَ لا نستطيعُ أن نصلَ إليك،
يا ربَّ العطايا.

شاهد أيضاً

Card Sako: cristiani discriminati ed emarginati, promuovere diritto e cittadinanza

Card Sako: cristiani discriminati ed emarginati, promuovere diritto e cittadinanza La denuncia del primate caldeo. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *