الرئيسية / المقالات / الثاني من الصوم: تلميذٌ جعل اليوم يومين!

الثاني من الصوم: تلميذٌ جعل اليوم يومين!

الثاني من الصوم:

تلميذٌ جعل اليوم يومين!

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد الثاني من موسم الصوم:

الأولى: من سفر يشوع بن نون (٤، ١٥ـ ٢٤) تؤكد أن الله لا يخذل المتكلين عليه.

الثانية: من الرسالة الى اهل رومية (٦، ١ ـ ٨) تشير إلى اندماج المؤمن بالمسيح من خلال المعمودية، اندماجٌ ينمو بقدر الإيمان العامل في المحبة.

الثالثة: من إنجيل متى (١٥، ٧ ـ ٢١) تظهر من هو التلميذ الحقيقي: تلميذ المسيح هو من يقبل كلمة الله ويعمل بها من دون التباس.

تفسير نص القراءة الأولى من سفر يشوع (يش ٤، ١٥ ـ ٢٤) وتأوينه:

يبدأ نصنا هذا بكلام الرب الموجه ليشوع بن نون، قائلاً له: “… مُرِ الكًهَنَة، حامِلي تابوتِ الشَّهادة، بِأَن يَصعَدوا مِنَ الأُردُنّ ” (يش ٤، ١٥ ـ ١٦)، وهو بدوره يوصل كلام الله للكهنة، قائلاً: “… اِصعَدوا مِنَ الأردُنّ ” (يش ٤، ١٧). إذن يشوع بصفته نبي الله، ينقل كلام الله لشعبه، وكقائد اختاره الرب يقود أبناء امته نحو الحرية، وباسم الرب يصنع المعجزات، ويتجاوز كل الصعوبات والعقبات، ويشقّ نهر الأردن مثلما شقّ موسى معلمه البحر الأحمر.

فلنركز على موضوع تلمذة يشوع على يدّ موسى وكيف كانت أساسية لتكميل المسيرة نحو الحرية، ولتحقيق حلم موسى بعد موته. يصف سفرُ العدد يشوعَ بن نون كمساعد لموسى حيث نقرأ بهذا الخصوص ما يلي: “وُيكَلِّمُ الرَّبُّ موسى وَجهاً إِلى وَجْه، كَما يُكَلِّمُ المَرءُ صَديقَه. وإِذا رَجَعَ إِلى المُخَيَّم، كانَ مساعِدُه يَشوعُ بنُ نونٍ الفَتى لا يَبرَحُ مِن داخِلِ الخَيمَة” (خر ٣٣، ١١). إذن كان يشوع منذ نعومة اظفاره يرافق موسى ويساعده ويعيش معه الخبرات الإيمانية العميقة، وهكذا تمت تهيئته بإرادة الله ليصبح خير خلف لأعظم سلف، خاصة كونه تعلم منذ صغره التعاليم الإلهية التي اُوحِيت لموسى، وحفظها على قلبه كما يُنقش على الحجر. وقد قام موسى في نهاية حياته بمباركة تلميذه المُخلص يشوع وتسليمه مهمة قيادة الشعب نحو أرض الميعاد: “أمَّا يَشوعُ بنُ نون، فمُلِئَ روحَ حِكمَة، لأَنَّ موسى وَضَعَ علَيه يَدَيه، فأَطاعَه بَنو إِسْرائيل، وعَمِلوا كما أَمَرَ الرَّبُّ موسى” (تث ٣٤، ٩).

يرد اسم يشوع لاحقاً متلازماً لاسم معلمه موسى. فعلى سبيل المثال، يخصص كاتب يشوع بن سيراخ في مديحه للأجداد (سي ٤٤ ـ ٥٠) خمس آيات لموسى (سي ٤٥، ١ ـ ٥) وست آيات لتلميذه يشوع (سي ٤٦، ١ ـ ٦) ملقباً إياه بـ “خليفة موسى”، وواصفاً اسمه بالعظيم، وقلبه بثابت العزم، ومستذكراً قيامه بإدخال إسرائيل إلى أرض الميعاد. كما يذكر الأعاجيب التي صنعها حيث استجاب الرّبُّ له ممطراً برداً عظيم الثقل كحجارة ضخمة على اعدائه ليخلصه منهم (سي ٤٦، ٥؛ راجع: يش ١٠، ١٠ ـ ١١)، وكيف توقفت الشمس وثبت القمر بإشارة من يده ليجعل اليوم يومين (سي ٤٥، ٤؛ راجع: يش ١٠، ١٢ ـ ١٣).

كان يشوع مطيعاً لموسى بكل تواضع: “ففَعَلَ يَشوعُ كَما قالَ لَه موسى …” (خر ١٧، ١٠)، وموسى كان يعلمه ويشجعه ويشدد من عزمه: ٧ ثُمَّ دعا موسىِ يَشوعَ وقالَ لَه أَمامَ عُيونِ إسْرائيلَ كُلِّه: «تشَدَّدْ وتَشَجع، فإنَّك أَنتَ تدخِلُ هذا الشَّعبَ الأَرضَ الَّتي أَقَسَمَ الرَّب لآبائِهم أَن يُعطِيَهمِ إيَّاها، وأنت تورثُهم إيَّاها. ٨ والرَّب هو السائِرُ أماَمَكَ، وهوِ يَكوَن معَكً ولا يُهمِلكَ ولا يَترُكُكَ، فلا تَخفْ ولا تَفزَعْ»” (تث ٣١، ٧؛ قارن: تث ٣١، ٢٣).

عاش يشوع في ظلّ موسى، ورافقه في لحظات مهمة مثل الصعود لجبل الله (خر ١٧، ٨ ـ ١٦) والسهر على خيمة الموعد (خر ٣٣، ١١). إن موسى انتصر على فرعون وعبر بالشعب البحر الأحمر، ويشوع على خطى معلمه غلب أعدائه في أرض الميعاد بعدما كمل المسيرة بالعبور العجائبي لنهر الأردن: ٢٢ تُخبِرونَ بَنيكُم قائِلين: على اليَبَسِ عَبَرَ إِسْرائيلُ الأردُنَّ هذا، ٢٣ والرَّبُّ إِلهُكم جَفَّفَ مِياهَ الأُردُنّ قُدَّامَكم حَتَّى عَبَرتُم، كما صَنعً الرَّبُّ إِلهُكم بِبَحرِ القَصَبِ الَّذي جَفَّفَه قُدَّامَنا حتَّى عَبَرْنا “ (يش ٤، ٢٢ ـ ٢٣). إذن بداية مسيرة الخروج من العبودية نحو الحرّية كانت بعبور مياه البحر الأحمر بطريقة عجائبية وبقيادة موسى، لتُختتم بدخول أرض الميعاد بطريقة عجائبية مماثلة، وهي عبور نهر الأردن على أرض يابسة بقيادة يشوع تلميذ موسى. وهكذا ما بدأه المعلم، ختمه التلميذ. وقوة كليهما كانت من الله. فكما كان الله مع موسى:  ١١ فقالَ موسى لله: «مَن أَنا حَتَّى أَذهَبَ إِلى فِرعَون وأُخرِجَ بني إِسرائيلَ من مِصر؟» ١٢ قال: «أَنا أَكونُ معَكَ …»” (خر ٣، ١٢)، كان مع يشوع ليسنده في رسالته: “فلا يَقِفُ أَحَدٌ أَمامَكَ طولَ أَيَّام حَياتِكَ. كما كُنتُ مع موسى أَكونُ مَعَكَ، لا أُهمِلُكَ ولا أَترُكُكَ” (يش ١، ٥). وبما يخص موضوع الإيمان، فإننا نقرأ على سبيل المثال كيف يثمن كاتب الرسالة إلى العبرانيين إيمان موسى (عب ١١، ٢٣ ـ ٢٩)، ليشير بعد ذلك مباشرة لبعض الأحداث الواردة في سفر يشوع ولإيمان بطله وذلك بشكل غير مباشر، قائلاً: ٣٠ بِالإِيمانِ سَقَطَ سورُ أَريحا بَعدَ الطَّوافِ بِه سَبعَةَ أَيَّام. ٣١ بِالإِيمانِ لم تَهلِكْ راحابُ البَغِيُّ مع الكُفَّار، لأَنَّها تَقَبَّلَتِ الجاسوسَينِ بِالسَّلام” (عب ١١، ٣٠ ـ ٣١؛ قارن: يش ٢؛ ٦).

من الأشياء الرائعة في قصة موسى وتلميذه يشوع بن نون، هو إن ما لم يستطع موسى تحقيقه، عهده إلى يشوع (عد ٢٧، ١٨ ـ ٣٢؛ تث ٣١، ٧ ـ ٨). وقد قام الاخير بهذه المهمة خير قيام، وأوصل شعبه إلى برّ الأمان بفضل قوة الأيمان ومرافقة الله له. لم تكن رسالة يشوع أهون من رسالة معلمه موسى، حيث كان عليه أيضاً المحافظة على وحدة الشعب، وقيادته في أصعب الظروف نحو أرض الحرية، وأن يصنع العجائب ليَعبُرَ أبناء امته نهر الأردن، كما سبق وأن عبروا بحر القصب، وكان عليه أن يتقدمهم بعدئذٍ في مواجهة الأعداء، وأن يقلع الشرّ من بين المؤمنين بالله داعياً إياهم بأن يكونوا أمناء لإيمانهم، وأن لا يعبدوا الأصنام (يش ٢٤، ١٤ ـ ٢٤)، وان لا يتشبهوا بالوثنيين وأن لا يتقلدوا بتقاليدهم. ويختتم سفر يشوع كما اختتم سفر الخروج بوصف الرجل الذي اختاره الله وكيف أدى رسالته بأمانة.

تطرقنا لأوجه الشبه الكبيرة بين يشوع ومعلمه موسى، لكن الشيء الأهم والذي ينبغي ألا يفوتنا هو أن اللقب الذي يُطلقه الكتاب المقدس على موسى أي “عبد الرّب” (راجع مثلاً: تث ٣٤، ٥ ـ ٧؛ يش ١، ١. ١٣. ١٥)، يطلقه أيضاً على يشوع، وذلك بعد أن بقيّ طوال حياته اميناً لرسالته حتى وفاته، حيث نقرأ في نهاية سفره ما يلي: “وكانَ بَعدَ هذه الأَحداثِ أن ماتَ يَشوعُ بنُ نون، عَبدُ الرَّبّ، وهو ابنُ مِئَةٍ وعَشرِ سِنين” (يش ٢٤، ٢٩؛ قارن: قض ٢، ٨). وهذا يدل على مخافة يشوع لله (قارن: ٤، ٢٤) وعمله بحسب وصاياه، ووفائه لمعلمه موسى وسيره على خطاه.

أما أرض الميعاد التي قاد يشوع الشعب العبراني إليها، فإنها تُعد موضوعاً رئيسياً في سفره كونها تؤكد على تحقيق وعد الله. فالأرض هي أمانة الله لشعبه، وأمانة الشعب لإلهه، وعلامة العهد. ولها معنى روحي لنا ايضاً حيث نعيش عالمٍ غدا قرية صغيرة بفضل العولمة والتطور. إن الأرض كلها علامة العهد بين الله والإنسان، وبالتالي ينبغي المحافظة عليها وتقديسها، لأن خلاص الأنسان مرتبط بها.

يروى سفر العدد أيضاً بأن موسى بدّل اسم تلميذه من “هوشع” لـ “يشوع”: “تِلكَ أَسْماءُ الرِّجالِ الَّذينَ أَرسَلَهم موسى لِيَستَطلِعوا الأَرض، وأَطلَقَ موسى على هوشعً بنِ نونٍ اِسمَ يَشوع” (عد ١٣، ١٦). وكما نعلم أن “يشوع” يعني “الرب يخلّص”. وهكذا يذكرنا هذا الاسم بوجود مخلص واحد وهو الله. يسوع أيضاً يطلق عليه هذا الاسم، لأنه سيخلص شعبه من خطاياهم (مت ١، ٢٠ ـ ٢١؛ قارن: عب ٣ ـ ٤). ويتم احياناً مقارنة عمل يسوع الخلاصي بما قام به يشوع في قيادته لشعب الله نحو أرض الميعاد، التي تصبح في العهد الجديد ملكوت الله. يسوع “الرب يخلص”، خلص الإنسانية بانتصاره على الموت بالقيامة، وبقيادته لشعب الله كالراعي الصالح الذي بذل ذاته من اجل خرافه ليقودهم من الظلام نحو النور، ومن العبودية نحو أرض الميعاد أي الملكوت السماوي.

يُعدّ زمن الصوم مثالياً للتوبة والتلمذة على يدّ الرّب يسوع المسيح على خطى تلاميذه الاثني عشر، وعلى مثال يشوع الذي تتلمذ على يدّ موسى. وهكذا نتهيأ للاحتفال بالفصح من خلال استذكار مراحم الله وتدبيره الخلاصي، ومن خلال تجاوز الصعوبات والانتصار على العقبات، وهزيمة الأعداء بقوة الله، والتغلب على الشر والشيطان وتجاربه بالخير والمحبة والإيمان والصدقة والصلاة والصوم.

شاهد أيضاً

Card Sako: cristiani discriminati ed emarginati, promuovere diritto e cittadinanza

Card Sako: cristiani discriminati ed emarginati, promuovere diritto e cittadinanza La denuncia del primate caldeo. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *