الرئيسية / المقالات / اللقاء الثالث الليتورجيا عمل الثالوث الأقدس

اللقاء الثالث الليتورجيا عمل الثالوث الأقدس

 

اللقاء الثالث

الليتورجيا عمل الثالوث الأقدس

المُقدمة

        تُعلمّنا أمنا الكنيسة أن ربّنا يسوع “المسيح، “الجالس إلى يمين الآب”، والمُفيض الروح القُدس على جسدهِ أي الكنيسة، يعمَل بواسطةِ الأسرار التي أقامها لتوزيع نعمتهِ. الأسرار هي علاماتٌ حسيّة (كلماتٌ وأعمال: طقوس) قريبةُ المنال لبشريّتنا في وضعها الراهن، تُحقق فاعليّة النعمةِ التي ترمُز إليها، بقوّة الروح القدس” (ت م 1084). “المسيح نفسهُ وهبَ للكنيسة، بواسطةِ الرُسل سلطان التقديس، فأصبحوا علاماتِ المسيح السرية، وبقدرة هذ الروح القُدس عينهُ، فوّضوا هذا السُلطان إلى خلفائهم. هذه “الخلافة الرسولية” هي قوامُ كلِّ الحياة الليتورجية في الكنيسة، وهي نفسها تحمل الطابع الأسراري، لأنّها تنتقل بواسطة سرّ الكهنوت” (ت م 1087).

        ففي الأسرار نلتقي الله الآب بيسوع المسيح الأبن بنعمةِ الروح القدس، فكلُّ سرٍ من أسرار النيسة هو فرصة للإحتفال بصداقة الله: “لا أَدعوكم خَدَماً بعدَ اليَوم لِأَنَّ الخادِمَ لا يَعلَمُ ما يَعمَلُ سَيِّدُه. فَقَد دَعَوتُكم أَحِبَّائي لأَنِّي أَطلَعتُكم على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي” (يو 15: 15)، في هذه الصداقة يتقسام الله الآب حياتهُ معنا، هو لا يُعطي أشياء، بل يُعطي ذاتهُ (العهد) فيقدسِنا ويرافقنا لنعيش حياة القداسة. هذه الصداقة، مثلما مثل أي صداقة إنسانية فيها مستوى عالٍ من الثقة المُتبادَلة، فيُكونوا إلى جانب بعضهم البعض في الأفراح والأحزان، ويغفروا لبعضهم البعض. صداقة ربّنا يسوع المسيح تجعلنا إخوة وأخواتٍ، لنبني الكنيسة معاً، ونُعين واحدنا الآخر فنختبِر الخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح، ونتغلّب على تبعات الخطيئة: العنف والكراهية والخوف والظلم والأنانية والموت، ونحظى بالتبني ونختبر السلام والعدالة والمحبّة وحُرية أبناء الله: “أَمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف” (غلا 5: 22-23)

الطقوس الدينية

يتفاعل الإنسان مع الطبيعة للتعبير عن ما يجول في خاطره من أفكارٍ وتطلّعاتٍ إزاء خبرات حياتية يعيشها سواء مع الآخرين أو مع الله. فيقطُف زهرة ويُهديها إلى شخصٍ يعزه، أو يضع إكليلاً من الزهور على نُصبٍ تذكاري. وعندما يتعلّق الأمرُ بخبرتهِ الإيمانية، يستخدم ذات المنهج للتعبير عمّا يجول في فكره من أفكارٍ ومشاعر، فالإنسان يتجاوب مع الحدث الإلهي من خلال طقوس يُعبّر فيها عن موقفه أمام الله، مثلما نقرأ في سفرِ التكوين:

“وخَرَجَ يَعْقوبُ مِن بِئرَ سَبْعَ ومضى إِلى حاران. واتَّفَقَ أَنَّه وَجَدَ مَكانًا باتَ فيه، لأَنَّ الشَّمسَ قد غابَت. فأَخَذَ بَعضَ حِجارةِ المَكان. فوَضَعَه تَحتَ رَأسِه ونامَ في ذلك المَكان. وحَلَمَ حُلْمًا، فإِذا سُلَّمٌ مُنتَصِبٌ على الأَرض ورأسُه يُلامِسُ السَّماء، وإِذا مَلائِكَةُ اللهِ صاعِدونَ نازِلونَ علَيه، وإِذا الرَّبُّ واقِفٌ بِالقُربِ مِن يَعْقوب، فقال: “أَنا الرَّبُّ إِلهُ إِبْراهيمَ أَبيكَ وإِلهُ إِسحق. إِنَّ الأَرضَ الَّتي أَنتَ نائِمٌ عليها، لَكَ أُعْطيها ولنَسلِكَ، وَيكونُ نَسلُكَ كَتُرابِ الأَرض، فتَنتَشِرُ غَرْبًا وشَرْقًا وشَمالاً وجَنوبًا، وَيتَبارَكُ بِكَ وبِنَسلِكَ جَميعُ عَشائرِ الأَرض. وها أَنا مَعكَ، أَحفَظُكَ حَيثُما اتَّجَهتَ، وسأَرُدُّكَ إِلى هذه الأَرض، فإِنِّي لا أَترُكُكَ حتَّى أَعمَلَ بِما كَلَّمتُكَ به”. فاَستَيقَظَ يَعْقوبُ مِن نَومِه وقال: “حَقَّاً، إِنَّ الرَّبَّ في هذا المَكان، وأَنا لم أَعلَمْ”. فخافَ وقال: “ما أَرهَبَ هذا المكان! ما هذا إِلاَّ بَيتُ الله! هذا بابُ السَّماء! ثُمَّ بَكَّرَ يَعْقوبُ في الصَّباح وأَخَذَ الحَجَرَ الَّذي وَضعَه تَحتَ رأسِه وأَقامَه نُصُبًا وصبَّ على رأسِ الحَجَرِ زَيتًا. وسمىَّ ذلك المكانَ بَيتَ إِيل، وكانَ أسمُ المَدينةِ أَوَّلاً لُوز. (تك 28: 10- 20)

ونجد في قصص أخرى أن الله نفسهُ يأمُر بأن يلتزم الإنسان بطقسٍ مثلما قال لإبراهيم:

“خُذْ لي عِجلَةً في سَنَتِها الثَّالِثة وعَنزَةً في سَنَتِها الثَّالِثة وكبْشًا في سَنَتِه الثَّالِثة ويَمامةً وجَوزَلاً”. فأَخَذَ لَه جَميعَ هذه وشطَرَها أَنْصافًا، ثُمَّ جَعَلَ كُلَّ شَطْر قُبالَةَ الآخَر، والطَّائِرانِ لم يَشطُرْهُما. فانقَضَّتِ الجَوارِحُ على الجُثَث، فطَرَدَها أَبْرام. ولَمَّا صارَتِ الشَّمسُ إِلى المَغيب، وَقَعَ سُباتٌ عَميقٌ على أَبْرام، فإِذا بِرُعبِ ظُلمَةٍ شَديدةٍ قد وَقَعَ علَيه (تك 15: 9-12).

إلهنا يعرِف أننا نتفاعل مع الحياة من خلال حواسنا، لذا، صارَ إنساناً مثلنا وإرتبطَ معنا بعهدٍ أبدي ليُنقذ من خلاله الكون كلّه. تقرّب منّا من خلال حواسنا وجعل الكون كلّه في خدمةِ هذه العلاقة: “وتَكونُ القَوسُ في الغَمام، حتَّى إِذا رَأَيتُها ذَكَرتُ العَهْدَ الأَبَدِيَّ بَينَ اللهِ وكُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ من كُلِّ ذي جَسَدٍ على الأَرض. وقالَ اللهُ لِنُوح: “هذِه عَلامةُ العَهْدِ الَّذي أَقَمتُه بَيني وبَينَ كُلِّ ذي جَسَدٍ على الأَرض (تك 9: 16-17).

الطقوس الدينية إذاً هي أعمال تُساعِد الإنسان للتواصل مع الله الآب وللإستجابة لمُبادرِته الخلاصية التي تدعوه إلى الإتحاد بهِ، بخلاف الوثنين الذين يقومون بالطقوس من أجل إسترضاء الآلهةِ ونيل البركات من خلال التأثير عليها للتدخل لصالح الإنسان وإنقاذه من الضيق. في المسيحية، الأمرُ يحتلِلإ، فنحن نؤمِن أن الله الآب يُريدنا أن نعيش حياتنا على نحوٍ مسؤول، فيدعونا إلى أن نرى العالم من حولنا مثلما يراه هو بعيونهِ لا من خلال نظرتنا الضيّقة والأنانية، وإذا اختبرنا ضيقاً او صعوباتٍ، فنحن نؤمن أنه معنا ليرفقنا في مسيرتنا هذه. هو لا يُريد لنا الألم ولن يتخلّى عنّا بل سيكون معنا لتجاوزه: “وكَم مِنِ اضطِهادٍ عانَيتُ وأَنقَذَني الرَّبُّ مِنها جَميعًا” (2 طيمو 3: 11). هذا من جانب.

من جانب آخر كشفَ لنا الكتاب المُقدس أن الله هو الذي يختارُ ويُثبّت الكثير من هذه الطقوس على نحو يُخالِف عادات وتقاليد الشعوب المعاصرة لهم، خدمة للهدف والغاية: خلاص الإنسان: “السبتُ للإنسان وليس الإنسان للسبت”. فلا مجال للتضحية بالإنسان من أجل عادتٍ وطقوس، فرفضت طقوس تقديم الضحايا البشرية أو ممارسة الجنس في الهياكل. وحين كان الإنسان في العهد القديم يُقدِمُ الذبائح والقرابين ليُرضي الله، قدّم الله إبنهُ، ربّنا يسوع المسيح، في العهد الجديد، ذبيحة على الصليب ليُهدأ من غضبِ الإنسان وعبثيتهِ ويُعيدهُ إلى بيتهِ. فالله ليس بحاجةٍ إلى ما نُقدمهُ له من قرابين، بل حتّى الخبزَ والخمر الذي نُقدمه على المذبح، يُعيده إلينا مُقدساً. فالله الآب عبرَ إلينا بيسوع المسيح، الكلمة صارَ جسداً وسكن بيننا (يو 1: 12)، فإتحدَّ بالإنسانية وصارَ وإياها جسداً واحداً، ليأخذها ربّنا يسوع بموته وقيامتهِ إلى الله، فعبَر بالإنسانية إلى الله، وهذا هو العهد الجديد: “أنا هو إلهكم وأنتم شعبي”.

الليتورجيا هي لفظة يونانية تعني عملاً عمومياً، خدمةٌ من الشعبِ وإلى الشعبِ، وفي المفهوم الكنيسة تعني: إشتراك شعبِ الله في عملهِ الخلاصي. فالليتورجيتا هي نَفسُ الكنيسة بها تحيا لأنها لقاء الحُب الذي يجمعَ الله بعروسهِ. هي إحتفالٌ يشعُّ جمالاً وفرحاً: ” أَسرِعوا فأتوا بِأَفخَرِ حُلَّةٍ وأَلبِسوه، واجعَلوا في إِصبَعِه خاتَماً وفي قَدَمَيه حِذاءً، وأتوا بالعِجْلِ المُسَمَّن واذبَحوه فنأكُلَ ونَتَنَعَّم” (لو 15: 22-23).

العلامات والرموز والطقوس

كأي علاقة إنسانية نجد أن طرفي العلاقة يُعبرنان عن مشاعرهما ومواقفهما تجاه بعضهما البعض وإزاء أحداث هذه العلاقة من خلال طقوس ورموز وممارساتٍ وتقاليد خاصّة تُحيط بها للتعبير عن حوادث مهمّة في مسيرتهما معاً وفيها الكثير من الكلمات والتعابير والحركات والأشياء، والتي تُعد كلّها علامات تُشير إلى علاقّة لها طبيعة متميزة. عالمنا الصناعي – التقني ينظر سلباً إلى هذه الطقوس ويرى فيها بقايا الزمن العتيق، ولكنه يلجأ دوماً للتعبير عن نفسه من خلال طقوس وعلامات من خلال “عالم الدعاية والإعلانات”.

الطقوس سواء أكانت مدنية أم دينية تستخدم رموزاً من عناصر من الطبيعة للتعبير عمّا تُريد إيصالهُ من رسالة وحقائق وقيمٍ ومشاعر، وفيها قصّة وتاريخ علينا ان نتعلّمهُ. حامل المشِعل الأولمبي يأخذنا إلى تاريخ هذه اللعبة والأنجازات البطولية التي رافقت هذه اللعبة. وكذا الحال مع بقية العناصر المادية التي لنا في إحتفالاتنا الدينية أو المدنية، والتي هي نتاج تفكير وحكمة الجماعة كلّها التي تتفاعل مع البشرية كلّها فتقبل رموزاً وترفض أخرى وتسبدِل غيرها تبعاً للمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، ووسائل التواصل الإجتماعي تنقل لنا يومياً عشرات الطقوس القديمة والحديثة من مختلف الثقافات، وهناك حالة من التمازج بين هذه الطقوس، ومحاولة تقليدها أو إدغامها في حياة الفرد مع أنها ليست من حضارتهِ أو مجتمعه، ولنا في حفلات الأعراس أمثلة عديدة.

  1. العلامات والرموز

الرموز هي إشاراتٌ توجهنا إلى غاياتٍ أخرى، مثل علامات الإستدلال على الطُرق، فلا معنى لها في حدّ ذاتها، ولا يمكن التوقف عندها، بل تشير إلينا إلى مواصلة الطريق في الإتجاه الصحيح. ولا يُمكن أيضاً التوقّف عند الوردة التي يُهديها الحبيب إلى حبيبته، بل نحن مدعوون للتفكير على نحوٍ أعمق في معنى هذه الهدية ومغزاها. فهذه العلامات متفقٌ على معانياها، فطرفي العلاقة يعرِف قصّتها: النور إشارة إلى الحياة فيوحي لنا بالآيمان، والظلمة إلى الموت فنختبرُ شعوراً بعدمٍ الإرتياح معه.

عندما نتحدذث عن الرموز في الكتاب المُقدس نكتشِف أن لها خصوصية أيضاً في الكشفِ عن حقيقة إلهية: فالصخرة رمزٌ لله، والحمَل رمزٌ لربّنا يسوع، والحمامة للروح القُدس. وكذا الحال عندما نتحدّث عن رمزو مثل: الختان (علامة الإنتماء إلى الجماعة)، المسوح (التوبة والندامة)، المسحة بالزيت (تكريس الأشخاص)، الماء (المعموذية). هذه الرموز تطوّرت خلال الزمن لتأخذ مكانة خاصّة في حياة جماعة الإيمان. الصليب، آلةُ الإعدام صارَ رمزاً لإنتصار حُب الله بيسوع المسيح على خطيئة الإنسان ومحبتهِ للخطأة، وكذلك الخبز والخمر، فلكلِ رمز قصةٌ وتاريخ متميّز وخاص، وعلينا أن نتعرف على هذه القصّة لنتمكّن من أن نعيش معانيها.

  1. الكلام

مع الرموز هناك كلامٌ، وللكلامِ قوّة وأثرٌ وتأثيرٌ، مثلما نقرأ في الكتاب المُقدس عن فاعلية بركة الأب في حياة الأبن المُبارَك. فعندما حاولَ يعقوب أن يحصل على بركةِ أبيه مُستخدما وسائل شريرة، كان يعرِف مدى قوـها في حياتها: “ها هيَ ذِه رائِحَةُ آبْني كرائِحَةِ حَقْلٍ قد بارَكَه الرَبّ. يعطيكَ الله مِن نَدى السَّماءِ ومِن دَسَمِ الأَرض وُيكَثِّرُ لَكَ الحِنطَةَ والنَّبيذ وتَخدُمُكَ الشُّعوبُ وتَسجُدُ لَكَ الأُمَم. سَيِّدًا تَكونُ لإِخوَتِكَ ولَكَ بَنو أُمِّكَ يَسجُدون. لاعِنُكَ مَلْعون ومُبارِكُكَ مُبارَك” (تك 27: 27- 29). وغضبِ عيسو بمرارةٍ عندما لم يحصل على البركة (تك 27: 34).

فللكلام قوّة ومعنى خاص في سياق العلاقة التي يُحتّفل بها. الكلمات المُتداولة ما بين حبيبين لا يُمكن إستخدامها مع الأصدقاء أو الزملاء أو المعارف، فلكل علاقة مكانتها الخاصّة. وكذا الحال فيما يتعلّق بالرموز المرافقة، فباقة الورد الحمراء لها رسالة تختلف عن باقة الورد البيضاء، كما أن هذه الرموز والكلماتِ متأثرة بالمحيط الإجتماعي الذي نعيش فيه. فالكلام مع الرموز المرافقة له رسالة متميّزة في حياة أي علاقة.

الكلامُ الذي نُصغي إليه في الأسرار هو كلمةُ الله في الكتاب المُقدس، وهي قصّة الله مع الإنسان، وهي جزءٌ لا يتجزّا من الإحتفالات الطقسية، ولابد من تلاوتها على نحوٍ مسموع ومفهوم، ويُعين الروح القدس في تذكير جماعة الإيمان بكلِّ ما يُريده ربّنا يسوع المسيح منّا: “لا يَزالُ عِنْدي أَشْياءُ كثيرةٌ أَقولُها لَكم ولكِنَّكُم لا تُطيقونَ الآنَ حَملَها. فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه” (يو 16: 12- 14).

  1. حركات

مع الرموز والكلمات هناك حركات وطقوس مُستمدّة من السياق الإجتماعي الذي يعيش فيه الشخص فيهما وليس بحاجةٍ إلى أن تُشرَح، فالطقس الذي يُرافقهُ كلامٌ يُعبّر عن نفسهِ في المحيط الإجتماعي الذي يُحتَفَل به، فالطقس هو عمل جماعي رمزي. عناق ومسك الأيدي، تطوافٌ إنحاء وسجود وإعلانٌ، حركات وطقوس نُحمّلها معاني عديدة بعيدة عن الظاهر المادي. فسجود يعقوب أمام أخيه عيسو سبعّ مرات جاء تعبيراً عن طاعتهِ له وغاستعدادهِ لتحمّل كلُّ ما يتأخذه من موقف (تك 33: 3).

كذلك في سياق العلاقات الإجتماعية التي نرتبط بها، فلجميعها طقوس خاصّة متفقَ عليها إجتماعيا. الخاتم يأخذ قيمتهُ من العلاقة التي تربط الخطيبين أو الزوجين ولكنه بحاجة أيضاً إلى أجواء ملائمة وكلام وتعابير صادقة ليُحقق المعنى المراد منها، فلا يُمكن إرسالهُ عبر البريد على سبيل المثال. باقّة الورد نُحملّها الكثير من المشاعر التي لا يُمكن للكلمات أن تستوعبها ويجب أيضاً أن تُقدّم بإحترام ومهابة، وهكذا الرقص والمُصافحة والعلم الذي نُحييهِ وطقوس الأعياد والملابس والألوان المرافقة لها. ففي هذه المناسبات يُبيّن الإنسان أنه يتسامى على رتابة الحياة، فيُوقِفُ الزمن ويخلّدهُ من خلال الاحتفال بحدثٍ متميّز في حياتهِ.

  1. الزمن

لكلَّ خبرة حياتية وقتُ، هذا ما يُعلّمه سفُر الجامعة، وأن لله الآب تدبيراً فيه، فـــــ: “صَنعً كُلَّ شَيءً حَسَنًا في وَقتِه وجَعَلَ الأَبَدَ في قُلوبِهم مِن غَيرِ أَن يُدرِكَ الإِنسانُ أَعْمالَ اللّه مِنَ البِدايَةِ إِلى النِّهاية (جا 3)، ويتطلّب هذا الوقت من الإنسان نضوجاً يتعمّق في حياتهِ مع تقدّم السنين. وإلهنا يحترِم الزمن، فهو خالقهُ (تك 1).

هناك فترة تعارف فيها يتبيّن طرفي العلاقة من مضمون وتبعات العهد الذي سيرتبطونَ فيه. فأقتضى ثلاثة أشهر لتحضير الشعب لقبول الوصايا العشر (خر 19)، ثم الصيام أربعين يوماً في البرية إستعداداً لبدءِ التبشير. ولنا في حياتنا المسيحية فترات تحضير أخرى مثل مثل فترة الخطوبة، أو فترة إعداد المعمذين أو المخطوبين، والرتبة التحضرية لقبول سّر التوبة وما تتضمنه من فحصٍ للضمير ومقاصد لعيش نعمِةِ السر، وسنوات التحضير لقبول السيامة الكهنوتية، هذه كلّها بداية لمسيرة حياة تمتد لسنوات طويلة فيها يُجدد المدعو إلتزاماتهِ المسيحية، فالأسرار الكنسية هي دعوة لنختبِر الحُب الإلهي كما ظهرَ لنا مع أباءنا في الإيمان (الماضي)، ولتُصورنا على صورةِ الأبن في واقع حياتنا اليومي (هنا والآن)، وتنادينا لأننكون الإنسان الذي يُريده الله أن يكون (المُستقبل).

الزمن عاملٌ مهمٌ وأساسي في الاحتفال في الأسرار، مع أنه لا يتحدد بها. فزمن الأفخارستيا محدد بإحتفالية القداس (ساعة أو أكثر)، ولكنها دعوة لنكون نحن الأفخارستيا التي نحتفل بها. الزواج لا يتحدد بساعات الاحتفال، بل بخبرة حياة الزوجين معاً، هكذا يحوّل الروح القُدس قلب المُحتفلين ليُصغوا إلى التعليم المُقدّم ويُهيئهم لقبول نعمةِ السّر فيتكنوّأ من عيش مضمونها إلى الملء: “أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِداً في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق ويَشرَحُ لنا الكُتُب؟ وقاما في تِلكَ السَّاعَةِ نَفْسِها ورَجَعا إِلى أُورَشَليم، فوَجَدا الأَحَدَ عشَرَ والَّذينَ مَعَهم مُجتَمِعين، وكانوا يَقولون إِنَّ الرَّبَّ قامَ حَقاً وتَراءَى لِسِمْعان. فرَوَيا ما حَدَثَ في الطَّريق، وكَيفَ عَرَفاه عِندَ كَسْرِ الخُبْز (لو 24: 32- 35). وعاشت الكنيسة مع تلميذي عمّاس خبرة ساعات الطريق القصيرة منذ ألفي سنة.

  1. المُحتفِل

المسيح يسوع هو الذي يحتفِل بالسر، وهو حاضرٌ في شخصِ المُحتفِل، هو نفسهُ المُقدِم والمُقدَم والقابِل والموزع مثلما يقول يوحنا الذهبي الفم. هو حاضرٌ في كلمتهِ وعندما تُصلّي الكنيسة، الجماعة الأولى المُحتفِلة بالأسرار، وهي تحتفِل دوماً بإسم يسوع المسيح، وليس بإسمِ خادِم السر بقوتّه: “من خلال الخدمة الكنسية التي يقوم بها الخادِم المرسوم، يحضرُ المسيح نفسهُ في كنيستهِ، بصفتهِ رأس جسدهِ السري، وراعي قطيعهُ، والكاهن الأعظم لذبيحة الفداس، ومعلّم الحق. وهذا ما تُعبّر عنه الكنيسة بقولها: “إنَّ الكاهن، بقوّة سرّ الكهنوت يعمل في شخص يسوع الرأس، … فإذا صحَ أنّ هذا الكاهن بتكريسهِ الكهنوتي، قد أصبحَ شبيهاً بالكاهن الأعظم، فهو يتمتّع بالقدرة على العمل بقوّة المسيح نفسه الذي يُمثلهُ” (ت م 1548). فالإحتفال بالأسرار لا يعتمد إذاً على قداسةِ المُحتفِل بها، مع أنها ضرورة، لأن المسيح هو الفاعِل فيها من خلال وكيلهِ، وقد عبّر عنها القديس أوغطسينوس على نحو واضح قائلاً: “إذا عمّذ بطرس فالمسيح هو الذي يُعمّذ، وإذا عمّذ يهوذا فالمسيح هو الذي يُعمّذ. فنفهَم لماذا أن كنيستنا المشرقية فهِمَت أن سر الكهنوت هو أساس كل الأسرار مثلما ذكرنا سابقاً.

المُحتفِل، هو “أيقونة المسيح الكاهن” ( ت م 1142)، وهو يجد معنى خدمتهِ من كهنوت ربّنا يسوع المسيح الذي حقق الخلاص لنا مرّة واحدة وإلى الأبد (عبر 7)، وهو الذي أوصى بأن يُصنع هذا كلهُ لذكرهِ. كهنوت الخدمة الذي يهبهُ المسيح يسوع لكهنتهِ هو مُشاركةٌ في كهنوتهِ الأوحد، فالمسيح هو “الكاهن الحق”، ونحن جميعاً خدامهُ، ونجتهدِ في جعل كهنوت المسيح منظوراً، مثلما سنتأمل لاحقاً في سرّ الكهنوت. لكّن، وجوب حضور المُحتفِل هو خادمٌ للسرِ وهذا الخادِم يُشير إلى المسيح يسوع، الرأس، فليس السر من اختراعِ الكنيسة، بل وهِبَ لها من المسيح يسوع، ولا يستطيع أحدٌ أن يُعمِذ نفسه، أو يُعطي لنفسه صفةَ الخادِم. المحتفل يعمل “بإسم المسيح”، هو علامةٌ لذلك، وليُذكّر الجماعة بأنهم جزءٌ من الجماعة الكُبرى، كنيسةُ يسوع. “هكذا، في الإحتفال بالأسرار، الجماعة كلّها “تُقيمُ الليتروجيا”، كلٌّ بحسبِ وظيفتهِ، ولكن في “وحدةِ الروح”، الذي يعمل في الجميع. (ت م 1144).

الرُتبة

هذه كلّها مجموعةُ: “الكلام والعلامات والزمن مع الترانيم والموسيقى”، تُسمّى رُتبة تهدِف إلى إيصال حقيقة أو قيم أعمقٌ مما يظهَر للعيان. يقيناً فيها تكرارٌ وهي مُبرمجة ومنظمة، وتُشير إلى أن الإنسان يختلِف عن بقيّة الكائنات الحيّة بما يقوم به من رُتب، فهو ليس فكرٌ وعقل بل جسدٌ يشعر ويتحسس حولهُ ويتفاعَل معه، فيشم ويرى ويلمُس ويسمع ويستطيبُ ما يأكل وما يشرب.

غاية الرُتبة هي:

  1. تمكين الإنسان من التواصل مع الآخرين، لأن الرُتبة تجمّع وتربط الإنسان بعائلته وبمجتمعه وبالآخر، فلا يختار الشاب الكهنوت من أجل رُتبة السيامة الكهنوتية، بل من أجل التواصل مع الكنيسة والمجتمع إنطلاقاً من دعوتهِ
  2. والإنتقال من الحالة التي هو فيها إلى حالةٍ أخرى، مثلا من أجل أن تساعد الأم طفلها على النوم، ستقوم بُرتبةٍ خاصّة: إحتضان وغناء وملاطفة، مثلما أن غاية رُتبة المعموذية هو إعلان إنضمام هذا الطفل إلى كنيسة المسيح يسوع.

وهي، أي الرُتب، لا تقصد محاولة إمساك أو التمسّك بالحقائق المُشار إليها، ومعرفة “السّر الخفي”، بل الدخول في علاقة معه، والغوص عميقاً فيها، من هنا، جاء إستخدام البخور في الإحتفالات الدينية، ليس بقصدِ نشر عطرهِ فحسب، بل تشكيل كتّلة من البخار لتحجُب فضولية العين البشرية التي تسعى لمعرفة كل شيء والسيطرة عليه. فالظاهَر “البخورُ والزيت وابخار والخبز” يُمكن تحليهُ عقلياً، أما الحقيقةَ المخفية فهي موضوع إيمان. فالأسرار هي حقائق إلهية تجسّدت في حقائق من العالم.

الأسرار: علامات لصداقةِ الله

        الأسرار بما تضمهُ من رُتب وطقوس تُقدِم لنا رسالة وصاحة: الله الآب يُحبُنا ويُريدنا أن نختبِر هذه المحبّة بعدّة أوجه: فهو يُريدنا أبناء له (المعموذية)، ويسمُنا بوسمٍ خاصٍ لنحمل رسالةً إلى العالم (التثبيت)، ويتحّد بنّا ويُغذينا من حياتهِ الإلهية (الأفخارستيا)، ويرافقنا ونحن نؤدي رسالتنا رُسلاً وخدامَ الحياة الجسدية (الزواج) أو الروحية (الكهنوت)، وإذا أصابنا حُزن وألمٌ روحي فهو يغفِر لنا (التوبة) ويقوينا لنتحمّل الألم الجسدي بإيمان (مسحة المرضى). ففي كل سرٍ هناك حقيقة إيمانية رساخة: الله الآب يُحبنا، وأظهر لنا بقيامة ربّنا يسوع المسيح أن الحُب يتغلّب على الموت، والثقة على الخوف، والطاعة على الأنانية، والتواضع على العنف.

لقد اختبر الرسل لمسة ربّنا يسوع الشافية، وأصغوا إلى كلماتهِ وكانوا شهوداً لمعجزاتهِ، وأرادوا أن ينقلوا هذه الخبرة الحياتية إلى الناس أجمع، فهذه هي رغبتهُ: “إصنعوا هذا لذكري”، فأحتفلوا وبإرشاد الروح القدس بالعماذ وبالأفخارستيا وبمسحة المرضى ووضعوا أيدهم ليغفروا خطايا الناس وليسموا خداماً ورُسلا ًللبُشرى السارة، وتمّت هذه من خلال طقوس الخبز والخمر في الأفخارستيا، والماء في العماذ والزيت في المسيح. فالأصل كان مع ربّنا يسوع وبه.

مثلما كانت الجموع تتهاتف للقاء يسوع وتنهلَ منه نعمةَ الشفاء الجسدي والروحي، هكذا، نأتي إلى الإحتفال الليتورجي وفينا شوقٌ للقائهِ. نأتيه لا بعقلنا فحسب، بل بكلِّ حواسنا، فالأسرار، روائع الله هذه، وقنوات النعمةِ تتطلّب تجاوباً من الإنسان. إلهنا مُستعدٌ لأن يُعطي ذاتهُ، ولكنه ينتظِر مّن يستقبلهُ: “هاءَنَذَا واقِفٌ على البابِ أَقرَعُه، فإِن سَمِعَ أَحَدٌ صَوتي وفَتَحَ الباب، دَخَلتُ إِلَيه وتَعَشَّيتُ معه وتَعَشَّى معي” (رؤ 3: 20)، ومثلما تُعلّم الكنيسة: “ثمار الأسرار رهنٌ بإستعداداتِ مَن ينالها” (ت م 1128). هكذا، تُصبح الأسرار ملتقى حوارٍ بين الله الآب والإنسان ضمن جماعة المؤمنين، فقبول ليس شأناً شخصياً: “أنا وإلهي”، بل هي إحتفال جماعة الإيمان (الكنيسة)، التي تحتفلَ معاً بهذه الصداقة التي تبني الكنيسة والمؤمِن معاً، فــ”كما تُضاء الشمعة بواسطة شعلةِ شمعة أخرى، كذلك يُضاءُ الإيمان بواسطة شعلةِ إيمان الآخرين” على حد قول اللاهوتي رومانو كوارديني.

الاحتفال الليتروجي هو عمّل الثالوث، إذ يدعونا فيه الله الآب لنقبّل عطية الحية بربّنا يسوع المسيح بالروح القُدس، فيجعلنا وعلى حدّ تعبير الفيلسوف كيركغارد “معاصري يسوع”، فنسمح له بأن يأخذ مكانا ًفي حياتنا وزماننا بحضوره الشافي، فنحتفل وعلى مدار السنة الطقسية بأهم الأحداث الخلاصية كونها محطات لقاء الله بنا، فيها يُتاح لنا الوقت والفرصة للتعبير عن فرحنا للعظائم التي صنعها فينا ولنا.

شاهد أيضاً

اللِّقاء الرَّابع سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب

اللِّقاء الرَّابع سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب المقدِّمة نلتقي في الأسرار الكنسيَّة اللهَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *