الرئيسية / المقالات / الثالث من الصوم: بالإيمان نهزمُ الشيطان

الثالث من الصوم: بالإيمان نهزمُ الشيطان

الثالث من الصوم:

بالإيمان نهزمُ الشيطان

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد الثالث من موسم الصوم:

الأولى: من سفر يشوع بن نون (٥، ١٣ ـ ١٥؛ ٦، ١ ـ ٦) تروي خبر سقوط اريحا في يد العبرانيين.

الثانية: من الرسالة إلى اهل رومية (٧، ١٤ ـ ٢٥) تدعو إلى عدم الاستسلام لليأس والتمسك بالرجاء فان الله لن يخّيبَ أملنا.

والثالثة: من إنجيل متى (٢٠، ٢٠ ـ ٢٨) تؤكد على أن الامتياز الوحيد لتلاميذ المسيح هو الخدمة المتواضعة.

تفسير نص القراءة الأولى من سفر يشوع (٥، ١٣ ـ ١٥؛ ٦، ١ ـ ٦) وتأوينه:

كما ظهر الله لموسى قبل البدء برسالة إخراج الشعب العبراني من عبودية مصر ومواجهة فرعون بقوة الإيمان (خر ٣)، يظهر في (يش ٥، ١٣ ـ ١٥) لتلميذه المُخلص يشوع بن نون، وذلك قبل البدء بمواجهة الكثير من الأعداء، والخوض العديد من المعارك.

الترائي يحدث في لحظة كان يشوع بن نون لوحده. إن الله يتجلى لمختاره بشكل شخصي ليهيئه للعمل بحسب إرادته وتحقيق تدبيره الخلاصي. فعلى سبيل المثال، يظهر الله لموسى بعد أن عبر إلى ما وراء الصحراء ووصل إلى جبل الله حُوريب (خر ٣، ١)، وهنا ظهوره ليشوع يحصل “لَمَّا كانَ يَشوعُ عِندَ أَريحا” (يش ٥، ١٣)، أي لوحده وخارج أسوار المدينة، ورسالة يوحنا المعمذان تبدأ في برّيّة اليهوديّة (مت ٣، ١)، والرّب يسوع يتوجه للصحراء ليصوم ويصلي ويُجَرّب من الشيطان ويتغلب عليه، وذلك قبل أن يبدأ تبشيره بمجيء ملكوت الله (مت ٤، ١) ومواجهة اعدائه الذين يصلبونه في النهاية، لكنه يتغلب عليهم بمحبته وقيامته مثلما تغلب على الشيطان في بداية الإنجيل بالصوم والصلاة والصبر والتواضع والإيمان.

نستشف من هذا بأن حربنا ليست ضد البشر وإنما ضدّ الشيطان وشرّه، كما يقول مار بولس الرسول: “… ١٢ فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ في السَّمَوات. ١٣ فخُذوا سِلاحَ الله لِتَستَطيعوا أَن تُقاوِموا في يَومِ الشَّرّ وتَظَلُّوا قائِمين وقَدِ تَغلَّبتُم على كُلِّ شيَء … “ (اف ٦، ١٠ ـ ٢٠). وهذا ما ينسجم مع ما جاء في نصنا عن “… رَجُلٌ واقِفٌ أَمامَه، وسَيفُه في يَدِه مَسْلولاً …” (يش ٥، ١٣). إنه سلاح الله وسيفه الذي يرافق المؤمن به ويدافع عنه ويسنده في كل مواجهة ومخاطرة في جهاده الروحي ضد الأرواح الشريرة. وإذا ما تمكّن المؤمن من الانتصار على الشيطان بقوة الإيمان، فلن تستطيع أية قوة أخرى مهما كانت عظيمة وقوية كالفرعون وجيوشه، وكالكنعانيين ورجاله المحاربين البواسل، وشعوب الأرض كلها، والرؤساء الدينيين مثل رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين أو المدنيين مثل هيرودس وبيلاطس البنطي وأعوانهم واشباههم من الوقوف أمام تدبير الله الخلاصي.

ونحن اليوم في عالمٍ كثرت فيها الشرور والصراعات والحروب والمظاهر الخدّاعة، وتغزونا فيه المعلومات والمكالمات والاتصالات والرسائل في كل ثانية وفي كل مكان وبشتى الطرق، أصبحنا في خطر كبير وفريسة سهلة للشيطان، كوننا فقدنا هدوءنا وسلامنا الداخلي والحياة الروحيّة العميقة التي يصل إليها المرء بالدرجة الأولى من خلال العلاقة الشخصية مع الله. تلك العلاقة الناضجة والمبنية على أسس المحبة بلا شروط، وبذل الذات في سبيل الأحبة. ولكي نتحرر من كل المظاهر الخدّاعة ونكتسب قناعاتنا الإيمانية الراسخة وننال مواهب الروح القدس لكي ننتصر بقوة الإيمان على كل التجارب، لابد وأن نخصص ولو بعضاً من وقتنا لتوجّه نحو أعماق قلبنا وكياننا للالتقاء بالله خالقنا ومخلصنا. فقط هناك في حضور الله سننال الهدوء والسكينة والسلام. عن هذه العلاقة الشخصية مع الله والروحانية الحقيقة يحدثنا الإنجيل حينما يقول: “أَمَّا أَنْتَ، فإِذا صَلَّيْتَ فادخُلْ حُجْرَتَكَ وأَغْلِقْ علَيكَ بابَها وصَلِّ إِلى أَبيكَ الَّذي في الخُفْيَة، وأَبوكَ الَّذي يَرى في الخُفْيَةِ يُجازيك” (مت ٦، ٦). من دون هذه الحياة الروحيّة والعلاقة الشخصية مع الرّب وقبول حضوره في حياتنا لن يكون بمقدور المؤمن مواجهة تجارب الشيطان واغراءاته، والانتصار على الشرّ بكافة أنواعه.

يمكننا أن نلاحظ في نصنا بعض صفات يشوع كقائد ناجح، اختاره الله وتتلمذ على يدّ موسى، أولها الشجاعة حيث يتجرأ على مواجهة الرجل الذي كان بيده سيفاً (يش ٥، ١٣) ويسأله: ” … أَمِنَّا أَنتَ أَم مِن أَعْدائِنا؟” (يش ٥، ١٣)؛ ثانيها التواضع وسجود لله وخشيته وحده، بعد أن أدرك بأن الرجل يمثل حضور الله ويوصف بأنه رئيس جُند الرب (يش ٥، ١٤)؛ وثالثها الطاعة لله والعمل بكل ما يأُمره به، وذلك بخلع نعليه واكرامه للمكان المقدس (يش ٥، ١٥).

طاعة يشوع تتجسد بشكل خاص بتطبيقه لكلام الله الذي يأتي خلال هذا الترائي بخصوص سقوط سور أريحا (يش ٦، ٢ ـ ٥). إنه يطيع الله، ويأمر الشعب بكلام الله وليس بكلامه الشخصي، والشعب يطيعه أيضاً لأنه يُبين تدبير الله الخلاصي لهم (يش ٦، ٦ ـ ١٦). طاعة يشوع لله وتطبقيه لتوجيهاته تبرز إيمانه الكبير بالله وثقة عالية جداً به. من منّا يطيع الله إن قال له بالتطواف والنفخ بالأبواق والهتافات وبحمل التابوت يسقط سور مدينةٍ محصنةٍ ومملؤةٍ بمُحاربين بواسل؟! يشوع بن نون يؤمن بذلك ويعمل به من دون نقاش. وبقوة هذا الإيمان تتحقق أعجوبة سقوط سور أريحا، وذلك بعد أعجوبة كبيرة سبقتها، وهي شقّ نهر الأردن وعبور الشعب على أرض يابسة نحو أرض الميعاد (يش ٤).

إن طريقة سقوط سور أريحا أشبه بطقس من أن تكون معركة حقيقية. فهم يطوفون حول المدينة لمدة سبعة أيام، وفي النهاية عندما ينفخ الكهنة بالأبواق للمرة الأخيرة وذلك في اليوم السابع يسقط سور مدينة أريحا. كل هذه التعابير الطقسية كالتطواف بالتابوت ودور الكهنة بنفخ الأبواق ومشاركة الشعب بهتافهم تشير إلى أن الانتصار على العدو يتحقق من خلال الإيمان والصلاة والاتكال على الله. إنه هو من يقاتل من أجل محبيه، وليس العكس. رئيس جُند الرب الذي تراءى ليشوع وهو حامل سيفه، قاتل من أجلهم. وهذا ما يؤكد عليه الكاتب في ختام الفصل السادس من سفر يشوع حيث يقول: “وكانَ الرَّبُّ مع يَشوع … “ (يش ٦، ٢٧).

إذن بالروحيّة العميقة والإيمان بالله ننتصر على الشيطان وكل الأعداء والصعوبات والعقبات.

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: كلماتنا تكون عِبر الحقيقة 

موضوع السبت: كلماتنا تكون عِبر الحقيقة  الكاردينال لويس روفائيل ساكو هناك كتَّابٌ أصبحوا معروفين بانتقاداهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *