الرئيسية / المقالات / اللِّقاء الرَّابع سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب

اللِّقاء الرَّابع سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب

اللِّقاء الرَّابع

سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب

المقدِّمة

نلتقي في الأسرار الكنسيَّة اللهَ الآب بيسوع المسيح الابن بنعمةِ الرُّوح القدس، فكلُّ سرٍّ من أسرار الكنيسة هو فرصة للاحتفال بصداقة الله: “لا أَدعوكم خَدَماً بعدَ اليَوم لِأَنَّ الخادِمَ لا يَعلَمُ ما يَعمَلُ سَيِّدُه. فَقَد دَعَوتُكم أَحِبَّائي لأَنِّي أَطلَعتُكم على كُلِّ ما سَمِعتُه مِن أَبي” (يو 15: 15)، في هذه الصَّداقة يتقاسم الله الآب حياتهُ معنا، هو لا يُعطي أشياء، بل يُعطي ذاتهُ (العهد) فيقدِّسنا ويرافقنا لنعيش حياة القداسة. وفي هذه الصَّداقة، مثلها مثل أيِّ صداقة إنسانيَّة متميِّزة بمستوى عالٍ من الثقة المُتبادَلة، يكون كلُّ طرفٍ فيها إلى جانب الطرف الآخر في الأفراح كما في الأحزان، ويغفر كلٌّ منهما للآخري لآخر  فلأحزان، ويغفرو.

صداقة ربِّنا يسوع المسيح تجعلنا أبناء الله الآب، وإخوة وأخواتٍ له من أجل بناء الكنيسة معاً، فيُعين واحدنا الآخر، ونختبِر الخلاص الَّذي صارَ لنا به نعمةً من الله الآب، ونتغلَّب على تبعات الخطيئة: العنف والكراهية والخوف والظلم والأنانية والموت، ونحظى بالتبنِّي ونختبر السَّلام والعدالة والمحبَّة وحُريَّة أبناء الله فنبني جماعة الملكوت الَّتي تعيش ثمار الرُّوح: “المَحبَّة والفَرَح والسَّلام والصَّبر واللُّطْف وكَرَم الأَخْلاق والإِيمان والوَداعة والعَفاف” (غلا 5: 22-23).

على مثال ربِّنا يسوع

تُعدُّ قصَّة مرافقة ربِّنا يسوع تلميذي عمَّاوس أنموذجاً لاحتفال الكنيسة بالأسرار. فتبدأ القصَّة بمُبادرة ربِّنا يسوع تجاه التلميذين الحزينين، وبعد إصغائه لهما عرف هول البؤس والخطيئة في حياتهما، لأنَّهما تركا خلفهما أورشليم والرُّسل رافضين الإيمان بالقيامة الَّتي تنبَّأ بها قبل موته، والَّتي بشَّرت بها النِّسوة، لكنَّنا نؤمِن أنَّ بؤسَ الإنسان يجتذبُ رحمة الله.

بدأ يشرح لهما من التوارة والأنبياء (رُتبة الكلمة)، ففتح آذانهم وقلبهما ليُصغيا إليه، ثمَّ جلس معهما: “أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كسَرَهُ وناوَلَهما. فانفَتَحَت أَعيُنُهما وعرَفاه فغابَ عنهُما” (لو 24: 13- 35) (رُتبة التقديس). وأوكلَ إلى جماعة التلاميذ أن يواصلوا عملهُ كونهم وكلاءه (رُتبة الإرسال)، مثلما يقول بولس: “فلْيَعُدَّنا النَّاسُ خَدَماً لِلمسيح ووُكَلاءَ أَسرارِ الله” (1 قور 4: 1)، فأعطاهم السُّلطان ليُكملوا رسالته على الأرض: “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضاً الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا بل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب فكُلُّ شيءٍ سأَلتُم بِاسْمي أَعمَلُه لِكَي يُمَجَّدَ الآبُ في الابن. إِذا سَأَلتُموني شَيئاً بِاسمي، فإِنِّي أَعمَلُه” (يو 14: 12- 14)، وحتَّى غفران الخطايا: “فقالَ لَهم ثانِيَةً: “كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضاً”. قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: “خُذوا الرُّوح القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم”. (يو 20: 21- 22).

وعندما نقرأ سفر أعمال الرُّسل نجد أنَّ مشهد تلميذي عمَّاوس يتكرَّر مع الشمَّاس فيلبُّس، ولكن هذه المرَّة مع سرِّ المعموديَّة. إذ أمرَ ملاكُ الرَّبِّ الشمَّاس فيلبُّس أن يرافقَ موظَّفاً كبيراً عند ملكةِ الحبشة، كان عائداً من أورشليم بعدما زارها حاجًّا. وكان يقرأ من كتاب إشعيا النبي، فسألهُ فيلبُّس: هل تفهَم ما تقرأ؟ فأجابه: “كَيفَ لي ذلك، إِن لم يُرشِدْني أَحَد؟”. فأخذ فيلبُّس يشرح له عن المسيح يسوع، وبَينَما هُما سائِرانِ على الطَّريق، وَصَلا إِلى ماء، فقالَ الخَازن: “هذا ماء، فما يَمنَعُ أَن أَعتَمِد؟” ثُمَّ أَمَر بِأَن تَقِفَ المَركَبَة، ونَزَلا كِلاهُما في الماء، أَي فيلبُّس والخَصِيُّ، فعَمَّدَه. ولَمَّا خَرَجا مِنَ الماء خَطفَ روحُ الرَّبِّ فيلبُّس، فغابَ عن نَظرِ الخَصِيِّ، فسارَ في طريقِه فَرِحًا. (أع 8: 16- 40). مثلما حرَّك ربُّنا يسوع قلب تلميذي عمَّاوس، هكذا اتَّقد قلبُ خازن ملكة الحبشة فطلبَ العماد فنالهُ فالتقى يسوع في سرِّ العماد، وأكمل رحلتهُ فرحاً.

تبنَّت الكنيسة هذا التنظيم في الاحتفال بالأسرار: الكلمة تقود المحتفلين إلى الأسرار، وسنتعرَّف ذلك من خلال التوقُّف عند كلِّ سرٍّ من أسرار الكنيسة، وأوَّلها سرُّ المعموديَّة، الَّذي يُؤشِّر إلى بدءِ حياة التلمذة لربِّنا يسوع المسيح عضواً في كنيستهِ، فربُّنا هو الَّذي يحتفل من خلال كنيستهِ باستقبالِ المعمَّد في الكنيسة، فهي ليست مبادرة من قبل الكنيسة، وليس للكنيسة أن تمنع العماد عمَّن يطلبهُ، ما لم يكن هناك أسبابٌ موجبة.

العماد: المُشاركة في حياة المسيح

العماد هو أوَّل أسرار التنشئة المسيحيَّة الَّتي تضمُّ التثبيت والإفخارستيا. فيه نحتفِل ببدء الحياة المسيحيَّة للمؤمن الَّذي يُنعِم عليه الله بعطية “المُشاركة في الحياة الإلهية”، فيُولَد من جديد بالمسيح يسوع ويتقوَّى بمسحة الرُّوح القُدس ويتغذَّى بالإفخارستيا ليشهَد في حياته لعطية التبنِّي: “هذا هو ابني الحبيب الَّذي به سُررتُ”، وهو مدعوٌّ على أن يُظهِر للعالم معنى ومضمون هذه البنوَّة في شهادة حياته اليوميَّة بمعونة بقيَّة الأسرار.

العماد يهبُ لنا إذاً عطيَّة المُشاركة في حياة المسيح يسوع من خلال عضويَّتنا في الكنيسة. إلهنا يُريد أن يُشرِكنا في حياته الإلهيَّة بالمسيح يسوع، لذا، فأوَّلُ ما نتعلَّمهُ عن سرِّ المعموديَّة هو أنَّه: دعوة لقبول الحياة الإلهيَّة الَّتي وهبها الله الآب لنا بالمسيح يسوع من خلال الكنيسة: “فإِنَّكم جَميعًا، وقَدِ اعتَمَدتُم في المسيح، قد لَبِستُمُ المسيح” (غلا 3: 26-27)، “والدَّليلُ على كَونِكُم أَبناء أَنَّ اللهَ أَرسَلَ رُوحَ ابنِه إِلى قُلوبِنا، الرُّوح الَّذي يُنادي: “أَبَّا”، “يا أَبتِ” (غلا 4: 6). فكلُّ عماد هو مُشاركة في الحياة الإلهيَّة، هو تجسُّد جديد للمسيح يسوع الَّذي يحيا في المعمَّد ويعمل من خلالهِ. هو ليس اقتداء بل مُشاركة في حياتهِ مثلما أعلن بولس: “فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ” (غلا 2: 20).

العماد ولادة روحيَّة وخلقٌ جديد: “فإِذا كانَ أَحَدٌ في المسيح، فإِنَّه خَلْقٌ جَديد. قد زالتِ الأَشياءُ القَديمة وها قد جاءَت أشياء جَديدة” (2 كور 5: 17)، ويُؤكِّد بولس على ذلك في رسالتهِ إلى كنيسة أفسس: “أَمَّا أَنتُم فما هكذا تَعلَّمتُمُ المسيح، إِذا كُنتُم أُخبرتُم بِه وفيه تَلقَّيتُم تَعْليمًا مُوافِقًا لِلحَقيقَةِ الَّتي في يسوع، أَي أَن تُقلِعوا عن سيرَتِكمُ الأُولى فتَخلَعوا الإِنسانَ القَديمَ الَّذي تُفسِدُه الشَّهَواتُ الخادِعة، وأَن تَتَجدَّدوا بِتَجَدُّدِ أَذهانِكمُ الرُّوحيِّ فَتَلبَسوا الإِنسانَ الجَديدَ الَّذي خُلِقَ على صُورةِ اللهِ في البِرِّ وقَداسةِ الحَقِّ” (أفسس 4: 20- 24). نحن مدعوُّون إلى أن نصيرَ واحداً مع المسيح ابن الله ووحيده، فنصيرَ معه في كيانهِ وحياتهِ وموته وقيامتهِ، فلا أحد يأتي إلى الآب إلَّا من خلال ربِّنا يسوع المسيح (يو 14: 6)، من خلال الكنيسة جسدهِ، ومن خلال الأسرار، وأوَّلها هو العماد، الولادة الجديدة: “الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: ما مِن أَحَدٍ يُمكِنَه أَن يَدخُلَ مَلَكوتَ الله إِلاَّ إِذا وُلِدَ مِنَ الماءِ والرُّوح” (يو 3: 5).

علينا أن نؤكِّد هنا على أنَّ العماد لا يضمن للمؤمن الخلاص، بل يجعله ممكنًا من خلال عيش هذه النعمة. القولُ إنَّ الإيمان بربِّنا يسوع يضمن لنا الخلاص ليس له أُسس كتابيَّة، فبولس يدعو مؤمني فيلبي إلى الاجتهاد في الإيمان: “واعمَلوا لِخَلاصِكم بِخَوفٍ ورِعدَة” (فل 2: 12)، وأنَّ الله سيُجازي كلَّ واحدٍ بحسبِ أعمالهِ (روم 2: 6)، وأكَّدَ يعقوب الرَّسول على ذلك: “تَرَونَ أَنَّ الإِنسانَ يُبَرَّرُ بِالأَعمالِ لا بِالإِيمانِ وَحده” (يع 2: 24). “ففي المسيحِ يسوعَ لا قِيمةَ لِلخِتانِ ولا لِلقَلَف، وإِنَّما القِيمةُ لِلإِيمانِ العامِلِ بِالمَحبَّة” (غلا 5: 6). فعلى المُعمَّد أن يجتهِد في تحقيق مفاعيل العماد الَّذي قبلهُ نعمةً في حياتهِ.

 

كلُّ طفلٍ هو ابنٌ (ابنةٌ) لله الآب

العماد، وكما يصفهُ القديس غريغوريوس النزنيزي: “عطيَّة لأنَّها تُمنَح للَّذين لا يأتون بشيء، وهي نعمةٌ لأنَّها تُعطى حتَّى للمذنبين، وتغطيس لأنّ الخطيئة تُدفَن في الماء، ومسحةٌ لأنَّها مُقدِّسَة وملكيَّةٌ، واستنارةٌ لأنَّها ضياءٌ سنيٌّ، وثوبٌ لأنَّه يستر خزينا، وغسلٌ لأنَّه يُطهِّر، وختمٌ يحمينا لأنَّه علامة سيادة الله”. هذه العطيَّة لا يُمكن أن تُحجَب عن أحدٍ لا سيَّما الَّذين نُحبُّهُم، أو أن نُبقيها لأنفسنا، بل علينا أن نقبلها فرحين ونتقاسمها مع الآخرين، فالوعد هو للجميع (أع 2: 39)، وربُّنا يسوع طلبَ قائلاً: “دَعوا الأَطفال، لا تَمنَعوهم أَن يَأتوا إِليَّ، فإِنَّ لأَمثالِ هؤُلاءِ مَلكوتَ السَّمَوات” (متَّى 19: 14).

عماد الأطفال ليس توجيهاً كنسيًّا، بل مواصلةٌ لما بدأه الله في العهد القديم، فحافظ اليهود على ممارسة كون الختان علامة انتماء الإنسان إلى شعبِ العهد، والَّذي حقَّقهُ ربُّنا يسوع، فقام الرُّسل بتعميد الأطفال أيضاً، فعمَّد بولس كلَّ بيت إسطيفانوس (1 كو 1: 16)، وعمَّد السجَّان وجميع أهل بيتهِ (أع 16: 30- 33). نحن نؤمن أنَّ العماد هو عطيَّة ولا يشترِط جهداً بشريًّا للحصول عليه، فهو نعمة، ولكنَّه يتطلَّب انفتاحاً على عمل الرُّوح القُدس ليتحقَّق واقعاً في شهادة الحياة.

عندما نُعمِّد الأطفال فنحن نعُلِن أنَّ هذا الطفل (الطفلة) هو ابنٌ (ابنةٌ) لله الآب، عطيَّةٌ منه وله كرامتهُ غير المشروطة بإنجازٍ أو مكانةٍ أو اسمٍ، بل هو ابن الله الحبيب ومبعث سرورهِ. ليس مُلك والديهِ، بل أمانةٌ عليهم أن يحرصوا على العناية بها، على مثال مريم ويوسف ليكبُر الطفل في القامة والحكمة أمام الله والناس (لو 2: 52). فالعماد يُذكِّر الأهل بهذه الحقيقة الإيمانيَّة ويُساعدِهم في تحمُّل مسؤوليَّتهم هذه بأمانةٍ وحرصٍ كبيرين، فعيون الله عليه وتحرسهُ، وتُحرِّره من قرارات الأهل وتبعاتها المأساوية، واختيارات البشرية كلِّها، فهو ليس محكوماً عليه بما اختاره الآباء والأجداد (الخطيئة الأصلية)، ليبدأ الله معه خلقاً جديداً، بدءًا حُرًّا من كلِّ شيءٍ.

أشكالُ المعموديَّة

ولكن ماذا عن الَّذين لم يعتمَّدوا؟ هل سينالون الخلاص؟ ألم يقل بولس: إنَّ الله يُريد أن يخلُص جميع الناس ويبلغوا معرفة الحقِّ؟ (1 تيمو 2: 3-6)

تحت إرشاد الرُّوح القدس تُجيب أمُّنا الكنيسة على هذه التساؤلات بتعريفها ثلاث خبراتٍ عن المعموديَّة، أوَّلها معموديَّة الدم الَّتي فيها يغتسِل المُعمَّد بدمه شهادة للخلاص الَّذي صارَ لنا بيسوع المسيح. وهناك معموديَّة الماء الَّتي نحتفل بها من خلال طقس العماد، وأخيراً معموديَّة الشوق، وهو عماد الرُّوح القُدس الَّذي يهبُّ حيث يشاء، فينعِم على الإنسان بالإرادة الطيِّبة، مع أنَّه لا يعرِف المسيح أو الكنيسة. فالأسرار، ومع أنَّها روائع الله، إلَّا أنَّها لا تُقيِّد عمل الرُّوح القُدس الَّذي يهبهُ الله لجميع الناس فيصنعوا الخير ويتجنَّبوا الشَّرَّ، وهذه بداية السير نحو الحقِّ: “مَن يعمل الحقَّ يأتي إلى النور” (يو 3: 12)، ومَن يُقبِل إلى النور سيكتشِف عظمة النعمة الَّتي وُهِبَت له بالمسيح يسوع، وحياة الصَّداقة الَّتي يعرضها الله لنا بالمسيح.

من هنا تأتي أهمِّيَّة الكنيسة في حياة العالم، لأنَّها، وكما أشرنا سابقاً، لها رسالة في العالم: “أن تجعل حضور المسيح يسوع ملموسًا ومنظوراً ومسموعاً في العالم، من خلال أسرارها. هي عائلة الله على الأرض، والعماد هو: الدخول إلى أحضانِ هذه العائلة، وهو مطلبُ ربِّنا يسوع الصَّريح: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمِّدوهم باسم الآب والابن والرُّوح القُدس، وعلِّموهم أن يحفظوا كلَّ ما أوصيتُكم به” (متَّى 28: 19-20). وعادَ بطرس وأكَّد للجموع الَّتي سألتهُ ماذا نعمل؟، فأجاب: “توبوا، وليعتمد كلُّ واحدٍ منكم باسم يسوع المسيح” (أع 2: 38).

العماد: عمل الثالوث

“يُعمَّد … باسم الآب والابن والرُّوح القُدس”، تُشيرُ هذه الكلمة الاحتفاليَّة إلى ولادة جماعةٍ، لذا، وكما أشرنا أعلاه، العماد هو الدخول إلى عائلة الله فيُصبح المعمَّد وبنعمةِ الرُّوح القُدس، ابناً لله وأخاً للمسيح يسوع: “فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعة لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي” (غلا 4: 4). فالإنسان، خليقةُ الله الحسنة جدًّا (تك 1: 31)، صارَ بقوَّة كلمة الله: “في البَدءِ كانَ الكَلِمَة والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله والكَلِمَةُ هوَ الله. كانَ في البَدءِ لَدى الله. بِه كانَ كُلُّ شَيء وبِدونِه ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان” (يو 1: 1-3)، الكلمة الَّذي تجسَّد وأخذ بشريَّتنا (يو 1: 14)، فأشركنا في حياتهِ الإلهيَّة، فغطسَ في عمقِ بشريَّتنا ليرفعنا إلى الله: “وأنا إذا ما ارتفعتُ جذبتُ إليَّ كلَّ أحدٍ” (يو 12: 32)، وهو يدعو الإنسان في العماد، إلى أن يغطُسَ معه في سرِّ الخلاص: “إنَّنا، وقَدِ اعتَمَدْنا جَميعًا في يسوعَ المسيح، إِنَّما اعتَمَدْنا في مَوتِه، فدُفِنَّا مَعَه في مَوتِه بِالمَعمُودِيَّةِ لِنَحْيا نَحنُ أَيضًا حَياةً جَديدة كما أُقيمَ المَسيحُ مِن بَينِ الأَمواتِ بِمَجْدِ الآب” (روم 6: 3-4).

الانتماء إلى عائلة الله هي خلقٌ جديد، ولادة جديدة، ودعوةٌ ومسؤوليَّة. هكذا اختبرَ المسيحيُّون الأوائل نعمة العماد، بدءٌ جديدٌ وقطيعة مع الإنسان القديم وحياة الكذب والخداع والتراكض وراء الملذَّات، وصاروا أحراراً من سلطات هذا العالم. كانوا يدخلون جرن العماد ليتخلَّوا عن حياة الشَّرِّ ويجتازوا الموت عن هذا العالم برفقةِ المسيح لحياة جديدة، لأنَّ الكنيسة قرأت بعيون الإيمان تدبير الله الاستباقيَّ في العهد القديم، فتأمَّل بطرس الرَّسول في قصَّة الطوفان واكتشف بنور الإيمان أنَّه معموديَّة اكتملَت بيسوع المسيح:

“فالمسيحُ نَفْسُه ماتَ مَرَّةً مِن أَجْلِ الخَطايا. ماتَ، وهو بارٌّ، مِن أَجْلِ فُجَّارٍ لِيُقَرِّبَكم إِلى الله. أُميتَ في جَسَدِه ولكِنَّه أُحْيِيَ بِالرُّوح، فذَهَبَ بِهذا الرُّوح! يُبَشِّرُ الأَرواحَ الَّتي في السِّجْنِ أَيضًا، وكانَت بِالأَمْسِ قد عَصَت، حينَ قَضى لُطْفُ اللهِ بِالإِمْهال. وذلِكَ أَيَّامَ كانَ نوحٌ يَبْني السَّفينَةَ فَنجا فيها بِالماءِ عَدَدٌ قَليل، أَي ثَمانِيَةُ أَشخاص. وهي رَمزٌ لِلمَعْمودِيَّةِ الَّتي تُنَجِّيكُم الآنَ أَنتم أَيضًا، إِذ لَيسَ المُرادُ بِها إِزالَةَ أَقْذارِ الجَسَد، بل مُعاهَدةُ اللهِ بضميرٍ صالِح، بِفَضْلِ قِيَامَةِ يسوعَ المسيح، وهو عن يَمينِ الله، بَعدَما ذَهَبَ إِلى السَّماء” (1 3: 18-22)

فالأسرار كانت ضمن تدبير الله الَّذي تجلَّى كلُّه بربِّنا يسوع المسيح، مثلما كتبَ بولس إلى كنيسة كورنتس فرأى في عبور البحر الأحمر صورة لعماد المؤمنين:

“فلا أُريدُ أَن تَجهَلوا، أَيُّها الإِخوَة، أَنَّ آباءَنا كانوا كُلُّهُم تَحتَ الغَمام، وكُلُّهُم جازوا في البَحْر، وكُلُّهمُ اعتَمَدوا في موسى في الغَمامِ وفي البَحْر، كُلُّهُم أَكَلوا طَعامًا رُوحِيًّا واحِدًا، كُلُّهُم شَرِبوا شَرابًا رُوحِيًّا واحِدًا، فقَد كانوا يَشرَبونَ مِن صَخرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَتبَعُهم، وهذه الصَّخرَةُ هي المسيح” (1 كو 10: 1-4)

عاشت الكنيسة الأولى إذاً خبرة الخلاص الإلهي وأظهرتها واقعاً من خلال عطيَّة الأسرار، فكان المعمَّدون يلتزمون مسيرة التنشئة والإصغاء إلى تعليم الرُّسل (فترة الموعوظيَّة)، من أجل تغيير جذري في أسلوب حياتهم اليوميَّة حتَّى بأدقِّ تفاصيلها. كانوا يخلعون ثيابهم القديمة ويدخلون عُراة إلى مياه المعموديَّة، ويخرجون منها ليلبسوا ثياباً بيضاء مُتحرِّرين من الماضي وخطاياه وجروحاتهِ، وممسوحين بالزَّيت يشعرون بنعمة الحياة الجديدة الَّتي صارت لهم، ويجدون جماعة (كنيسة) تستقبلهم بفرح إخوة وأخواتٍ من دون أن تدينهم بل يُشجِّعون بعضهم بعضًا لعيش فضيلة الإيمان.

آمنوا أنَّ حياتهم صارت تحت حُكمِ الله، فهو الَّذي يملُك عليهم كلِّيًّا (ملكوت الله)، فلا يُصغون إلى انتظارات هذا العالم، ولا يتأمَّلون شيئاً منه، فهم للمسيح يسوع. اقتبلوا الرُّوح القُدس الَّذي يُشرِك المؤمن في كهنوت المسيح الملكي والنبوي وأشركهم في الطبيعة الإلهيَّة: “فمُنِحْنا بِهِما أَثمَنَ المَواعِيدِ وأَعظَمَها، لِتَصيروا بِها شُرَكاءَ الطَّبيعَةِ الإِلهِيَّة في ابتِعادِكم عَمَّا في الدُّنْيا مِن فَسادِ الشَّهوة” (2 بط 1: 4). فما أرادهُ آدم الأوَّل اغتصاباً صارَ للإنسان نعمةً من الله بيسوع المسيح.

أضحوا حجارة كريمة في بنيان الكنيسة، وصاروا يجتهدون كلٌّ حسب الموهبة الَّتي أعطيت له بالرُّوح القُدس ليعيشوا وحدة الرُّوح الواحد (1 كو 12: 13)، ويُثمِر الرُّوح: “المَحبَّة والفَرَح والسَّلام والصَّبر واللُّطْف وكَرَم الأَخْلاق والإِيمان والوَداعة والعَفاف” (غلا 5: 22-23)، ويحققوا واقعاً حياة الملكوت:

“وكانَ جَميعُ الَّذينَ آمنوا جماعةً واحِدة، يَجعَلونَ كُلَّ شَيءٍ مُشتَرَكًا بَينَهم، يَبيعونَ أَملاكَهم وأَمْوالَهم، ويَتَقاسَمونَ الثَّمَنَ على قَدْرِ احتِياجِ كُلٍّ مِنْهُم، يُلازِمونَ الهَيكَلَ كُلَّ يَومٍ بِقَلبٍ واحِد، ويَكسِرونَ الخُبزَ في البُيوت، ويَتناوَلونَ الطَّعام بِابتِهاجٍ وسَلامةِ قَلْب، يُسَبِّحونَ اللهَ ويَنالون حُظوَةً عِندَ الشَّعْبِ كُلِّه. وكانَ الرَّبُّ كُلَّ يَومٍ يَضُمُّ إِلى الجَماعَةِ أُولئِكَ الَّذينَ يَنالونَ الخَلاص” (أع 2: 42- 47).

الخلاص من الخطيئة

تُعلِّم أمُّنا الكنيسة (ت م 1265- 1266)، بأنَّ المعموديَّة تُصيِّر المعتمد إنساناً جديداً (2 كو 5: 17)، وابنًا لله بالتبنِّي (غل 4: 5-7)، وشريكاً في الطبيعة الإلهية (2 بط 1: 4)، وعضواً في جسد المسيح (1 كو 6: 15)، ووارثاً معهُ (رو 8: 17)، وهيكلاً للرُّوح القُدس (1 كو 6: 19). هكذا ينال المعتمد النعمة المُقدِّسة لكي يتوجَّه إلى الله بالإيمان والرَّجاء والمحبَّة، ويتقوَّى ليُحقِّق مواهب الرُّوح القُدس، وينمو في الخير في الفضائل، في وسط عالم تأصَّلت الخطيئة فيه قبل أن يولد هو، وهذه الخطيئة تجذبهُ ففيه “شهوةٌ” إليها، وتجعل الإنسان يخسر صداقة الله، مثلما حصل مع أبينا آدم الَّذي خُلِقَ على صورة الله ومثالهِ وجعلهُ لله صديقاً له يتمشَّى معه في الجنَّة (تك 3: 8)، ولكنَّه خسِر هذا الإنعام في الخطيئة، ونحمل نحن أيضاً هذه الشهوة، وخطيئة العالم الَّذي نُولدُ فيه شهادة على ذلك.

هناك خطيئةٌ في العالم، حتَّى قبل أن نُولَد، خطيئة في الأصل تجعلنا نتجاهَل محبَّة الله لنا فيتبَع ذلك كلُّ أشكال العنف والألم في حياتنا وحياة العالم. ولأنَّ الله الآب أمينٌ في محبَّتهِ لنا، واحتراماً لحريِّتنا ينتظر عودتنا إليه ويهبُ لنا في الأسرار الواسطة والوسيلة لتحقيق هذه العودة بدءًا من العماد الَّذي فيه يغفِر للإنسان “الخطيئة من الأصل”، ويؤكِّد له منذ البداية أنَّه ليس أسير “خطيئة العالم” الَّذي وُلِدَ فيه، وليس عليه أن يؤدِّي حساباً لأحدٍ عن ماضيهِ الَّذي حدَّدَهُ وعن جروحاتهِ، ولن يكون أسير نظرة الآخرين عنه، ولن يكون مهووساً بتحقيق انتظارات العالم، فهو حُرٌّ منها جميعاً، وله دعوةٌ أخرى، أن يُشاركهُ الحياة الإلهيَّة.

عندما نقول: إنَّ العماد يمحو الخطيئة الأصليَّة، فهذا يعني أنَّ الكنيسة تُريد أن تُذكِّرنا بأنَّ مُستقبلنا هو مع الله، وعلينا أن نعيش كلَّ يومٍ متوجِّهينَ إليه، فيعيش المعمَّد حياتهُ مُشاركاً جماعة الإيمان مواهب الرُّوح القدس منفتحاً على الرُّوح القدس، وينمو في حياة الفضيلة، فتتحقَّق في حياتهِ غلبةُ المحبَّة على الخطيئة، وهذا ممكن لأنَّ ربَّنا يسوع عندما نزلَ إلى نهرِ الأردن للعماد على يد يوحنا انفتحت السموات ولم تُغلَق (مر 1: 9-11)، ومثلما فاضَ الرُّوح عليه هكذا يفيض على كلِّ معمَّد ليكشِف له جمال الحياة الإلهيَّة الَّتي دُعيَ إليها.

العماد يجعلنا أبناءَ الله، وإخوة يسوع المسيح مُشاركين إيَّاهُ في حياتهِ، وإخوة وأخوات في كنيستهِ، ورُسلاً له في عالمٍ مُبتلى بالخطيئة: “أنتم فإِنَّكم ذُرِّيَّةٌ مُختارة وجَماعةُ المَلِكِ الكَهَنوتِيَّة وأُمَّةٌ مُقَدَّسَة وشَعْبٌ اقتَناه اللهُ للإِشادةِ بِآياتِ الَّذي دَعاكم مِنَ الظُّلُماتِ إِلى نُورِه العَجيب” (1 بط 2: 9). لقد عبرَ بنا المسيح من هذا العالم الأرضيِّ ليُشاركنا في العالم الإلهيِّ لنعمل على تغيير عالمنا ليكون العالم الَّذي أرادهُ الله: حسناً جدًّا (تك 1: 31).

العماد نعمةٌ ودعوة.

 

 

عن Maher

شاهد أيضاً

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد الثالث من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *