الرئيسية / المقالات / الرابع من الصوم: السرقة تجلب اللعنة

الرابع من الصوم: السرقة تجلب اللعنة

الرابع من الصوم:

السرقة تجلب اللعنة

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس الأحد الرابع من موسم الصوم:

الأولى من سفر يشوع بن نون (٧، ١٠ ـ ١٣) تروي خبر معاقبة غير الملتزمين بوصية الرب.

الثانية من الرسالة إلى اهل رومية (٨، ١٢ ـ ١٧) تدعو المؤمن إلى العيش كابن وليس كعبد.

الثالثة من إنجيل متّى (٢١، ٢٣ ـ ٤٦) تعرض مثل الكرامين القتلة. إنه تجسيد لرفض البشر تصميم الله وانغلاقهم على مصالحهم الذاتية.

تفسير نص القراءة الأولى من سفر يشوع (٧، ١٠ ـ ١٣) وتأوينه:

 

بعد أعجوبة عبور نهر الأردن وبدء الدخول إلى أرض الميعاد والانتصار الذي تحقق بسقوط اسوار أريحا والاستيلاء عليها، يستهل الفصل السابع من سفر يشوع بن نون بانتكاسة وذلك بسبب المخالفة التي يرتكبها بنو إسرائيل حيث يأخذ عاكان بن كرمي بن زبدي زارح من سبط يهوذا من المُحَرَّم، فيغضب الرب على بني إسرائيل (يش ٧، ١).

ادت تلك الانتكاسة إلى هزيمة إسرائيل أمام رجال العيِّ (يش ٧، ٢ ـ ٥). فيتلجأ يشوع للرب مصلياً وطالباً منه أن يخلص شعبه من أيدي أعدائه (يش ٧، ٦ ـ ٩). يأتي جواب الرب (يش ٧، ١٠ ـ ١٥) فاضحاً الخطيئة التي ارتكبها إسرائيل، وهي السرقة واخفاء المسروق ضمن الامتعة (يش ٧، ١١. ٢٠ ـ ٢١). تُعدّ هذه المخالفة اولى خطيئة يرتكبها الشعب بعد دخوله لأرض الميعاد. إنها خطيئة ضد إحدى الوصايا العشر وهي “لا تسرق” (خر ٢٠، ١٥؛ تث ٥، ١٩)، وبالتالي هي تخطي صارخ للعهد الذي أُبْرِمَ بين الله وشعبه.

نعم سبب هزيمة إسرائيل امام أعدائه هو خطيئة السرقة واللعنة التي جلبته عليه. والحلُّ يكمن باستئصال الشرّ من وسط الشعب كي يتنقى ويتطهر ويتقوى بالإيمان. وهذا ما يحصل بالضبط في نهاية الفصل حيث يُقلع الشرّ، ويُرجم المذنب بالحجارة، ومن ثم يُحرق بالنار، ويُغطى بكومة من الحجارة (يش ٧، ٢٥ ـ ٢٦).

لا شكّ أن هذا الأسلوب قاسيٌ جداً، والمحاكمة تخلو من الرحمة والمغفرة، والعقوبة لا يمكن القبول به إطلاقاً في عصرنا هذا. لكن المهم هو المغزى من ذلك. المغزى هو ضرورة تحقيق العدالة، ومعاقبة المذنب، وإصلاح المجتمع. والكلّ بالطبع في كل زمان ومكان يتفق على هذا المبدأ، لا بل يتوق لتحقيق العدالة. إذن لا بدّ من قلع الشرّ من جذوره (قارن: تث ٢٤، ٧) قبل أن ينمو ويستفحل فيفسد ويهلك كل شيء. لغة مشابهة لنص القراءة الأولى نجدها في الإنجيل حينما يقول: ٢٧ سَمِعْتُم أَنَّه قيل: «لا تَزْنِ». ٢٨ أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن نظَرَ إِلى امرأَةٍ بِشَهْوَة، زَنى بِها في قَلبِه. ٢٩ فإِذا كانت عينُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقلَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضْوٌ مِن أَعضائِكَ خَيْرٌ لَكَ مِن أَن يُلقى جَسَدُكَ كُلُّه في جَهنَّم. ٣٠ وإِذا كانت يَدُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقطَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضوٌ مِن أَعضائِكَ خَيرٌ لكَ مِن أَن يَذهَبَ جسدُكَ كُلُّه إِلى جَهنَّم” (مت ٦، ٢٧ ـ ٣٠). لو طبقنا هذا النص من الإنجيل حرفياً لغدونا كلنا من ذوي الاحتياجات الخاصة بسبب قلعنا لعيوننا، وقطعنا لأيدينا! العبرة مهمة من هذا التعليم وتكمن بعدم السماح بالانجراف مع الشرّ أو التساهل معه بأي شكلٍ من الاشكال. فالشرّ أسوءٌ وأخطرٌ وأخبثٌ من مرض السرطان، وينشر وينمو أسرع منه، وإن لم يُسْتَأصَلَ من جذوره وبشكلٍ كاملٍ ومن دون الرحمة، لقضى خلال مدة قصيرة جداً ومن دون الرحمة والشفقة على جسم الذي اُبتلي به. يقضي السرطان على الجسد، أما الشر فيقضي على الجسد ويهلك الروح في نار الجحيم الذي لا ينطفئ إلى الأبد. وعليه ما ينبغي التركيز عليه بقراءتنا لهذا النص هو ضرورة كره الشرّ وقلعه من جذوره، وذلك محبةً بالخاطئ ومساعدته على التحرر من عبودية الخطيئة ولعنتها، ونيل بركة الله ورحمته.

إذن النص بالرغم من قساوته، فكرته الأساسية مهمة جداً لنا ولكل البشرية في كل زمان ومكان. إنه يدعونا لاتخاذ خطوات جريئة لإنهاء الشرّ وسيطرة الشيطان على نفس الإنسان. إنها دعوة لإصلاح أنفسنا، والاعتراف بحقيقة أن مأساتنا ومصائبنا ليست دائماً بسبب الآخرين، وإنما بالدرجة الأولى هي نتيجة ابتعادنا عن ايماننا، ومخالفتنا لوصايا الله، وإلقاءنا باللوم على الأخرين بدلاً من الإقرار بذنوبنا، واتخاذ خطوات جريئة وعملية لقلع الشرّ من وسطنا.

تمثل فترة الصوم فرصة ثمينة للتوبة واستئصال الشرّ من وسطنا ومن قلوبنا، وطلب المغفرة من الله والقريب على كل ما صدر منا من السوء عن قصد أو غير قصد.

كلمات جميلة جداً وعميقة للغاية ومستسقاة من الكتاب المقدس ترد في الطلبات الطقسية التي نرددها في فترة الصوم الكبير، وفيها يتّم التأكيد على أن الله لا يشاء بأن تهلك جبلته وتباد، وإنما أن تتوب وتحيا وتتقدس، لنختم تأملنا بها، وهي: “كي تصيروا له مملكة، يا أيها الكهنة والشعب المقدس، اطلبوا إلى الرب الإله القوي، من كل قلوبكم، ومن كل نفوسكم. لأن الله أب حنون ورحوم ورؤوف، ولا يشاء أن تهلك جبلته وتباد، لكن أن ترجع إليه وتحيا أمامه. ولا سيما يجب أن نصلي ونشكر، ونسجد ونكرم الله الواحد، الآب المسجود له سيد الكل، الذي بمسيحه جعل لنا رجاءً صالحاً لأنفسنا، هو يكمل معنا نعمته ومراحمه إلى الأبد” ـ آمين.

عن Maher

شاهد أيضاً

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد الثالث من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *