أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / عمل الأسقف الراعوي ونجاحه يتوقفان على روحانيّته وصلاته

عمل الأسقف الراعوي ونجاحه يتوقفان على روحانيّته وصلاته

 
 

تقديم

إن المتغيّرات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي حدثت في السنوات الأخيرة في بلدنا، قد طالت مرافق الحياة برمّتها ووَسَمَت أيضًا حياة رجل الدين وجعلت هويته في أزمة.  الناس تطرح أسئلة عديدة عن حياته: هل يكفي أن يكون “موزع الأسرار”، “خادم المذبح” ام مطلوب منه أكثر!  كيف يمكن  للرجل  الدين أن يعيش رسالته ودعوته في ظل هذه المتغيرات؟ ما هي طبيعة علاقة الكاهن بالإنسان الآخر والمال والمؤسسة الدينية والمدنية؟ هل من سبيل جديد وطرق جديدة لعيش دعوته وتجسيد رسالته؟ كيف يمكن للكاهن أن يعيش  الانجيل بأمانة ويحافظ على أصالة دعوته الكهنوتية؟ كيف يمكن للكاهن اليوم أن يعيش علاقة صحيحة ومثمرة  مع الأسقف؟ كيف للاسقف ان يخلق شركة مع كهنته، وكذلك  مع اباء السينودس؟ كيف يمكن أن يعيش  الكاهن علاقة منفتحة على الجنس الآخر ويبقى أمينًا للمسيح، مصدر دعوته الأول؟ كيف يمكن للكاهن أن يعيش علاقة متوازنة مع المادة والمال: “لا يستطيع أحد أن يخدم سيدين الله والمال؟”.  هذه بعض الاسئلة ينيغي التأمل فيها.

 

المؤمن يصلّي، لأنّ الصلاة هي في جوهر إيمانه، ولأنها الفعل الأكثر تلقائيّةً للتعبير عنه، وعن حبّه واعجابه، وشكره وسجوده، وخصوصًا عندما يدرك أنّه مثل طفل لا يقدر أن يعيش وحده. لا حياة مسيحية حقيقية من دون هذه العلاقة الوجدانية، وكم بالأحرى بالنسبة إلى الأسقف (والكاهن) الذي هو رجل الصلاة. كيف يقدر أن يستمر  في عمله من دون أن يعود إلى الينبوع؟  لامحالة  سوف ينضب ويتحول إلى موظف عاديbusinessman  activism  أو يتعرض لخطر ملء فراغ قلبه بشيء آخر أو شخص آخر. لربما لهذا السبب أوصى يسوع تلاميذه: “اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في التجربة” (مرقس 14/38).

يلمسُ الإنسان في عمقه، أقلّه في مرحلةٍ من العمر، أنه عاجز عن الإمساك بذاته وتأمين استمرارها وبقائها. لقد جعل يسوع من تجليه جوابًا لهذه الهشاشة جاعلاً من مسيرته سببًا للإيمان،  والرجاء: “مَن انضمَّ الى من لا يموت، صار هو أَيضًا غير مائتٍ، ومَنْ يُسَرُّ بالحياة يُصْبِحُ حيًّا” (موشحات سليمان، نصوص سريانية: ص159).

الصلاة ديناميكية الدعوة

لا يمكن أن يغلق الأسقف نفسه في الإداريّات ويقول إنه رسولٌ للمسيح وشاهدٌ له. ولكي تعكس رسالته وجه الله للناس وتكون فعّالة، ينبغي أن يكون وجهُهُ مصليًّا، أي حاملاً الله، كما يؤكد اغناطيوس الانطاكي. كيف يقود الأسقف الكنيسة ويرعاها من دون صلاة يومية شخصية وأيضًا ليترجيّة وكتابيّة؟

الصلاة تدفعنا إلى أبعد. الصلاة تدعونا  إلى تجاوز ما يفصل المرئي عن اللامرئي وإلى تحقيق الوحدة بين الباطني والخارجي (التوحيد). الصلاة تساعدنا على الانفتاح والتواضع وقبول الآخر. من يصلّي يحاور نفسه وينتقدها  قبل أن يُحاور غيره.

1- الصلاة الشخصيّة

هناك حاجة مطلقة إلى الصلاة الشخصيَّة اليوميّة فضلاً عن الصلاة الليترجيّة. فالصلاة الشخصيّة مهمّة جدًا. إنها تنبع من حضور الله فينا. بالصلاة نوحّد فكرَنا وقلبَنا بصمتٍ واندهاش، وشكر وتسبيح وسجود.  لذلك  نحتاج للخروج من المعتاد، للإصغاء إلى الله في قلب حياتِنا اليوميّة لكي تتلاحم صلاتنا مع حياتنا ولا يحصل فصلٌ أو انقسامٌ أو انفصامٌ.

الصلاة في الخلوة صرخة رجاء تجاه الله القادر على خلاصنا. الصلاة تمنحنا قوّة كافية للالتزام بإيماننا والأمانة له. نتعلم الصلاة مِمَّن سبقونا. يسوع يُعلّمنا كيف نصلّي: “متى ما صلّيتَ، ادخل حجرتك واغلق عليك بابها وصلّ الى ابيك في الخفية” (متى 6/6). والحجرة هنا ترمز إلى كياننا الداخلي العميق. أن نتعلم كيف نصلّي،  يعني أن نتعلّم أن نضع أنفسنا في حضور الله، وأن نُسْكِتَ كلَّ العواصف فينا وحولنا، وأن نترك الروح القدس يصلّي فينا، ويُدخل شيئًا من عالم الله إلى حياتنا (لنقارن بين صلاة الفريسي والعشار عند لوقا)، “صلّوا من دون انقطاع” (1 تس 5/17) ولوقا يوصي: “صلّوا على الدوام” (لوقا 18/1). 

هذه الصلاة الشخصيّة العميقة تصقلنا، وتحمل لنا رؤية جديدة، وعلاقة جديدة مع الذات ومع الله ومع الآخر ومع الكون. إننا لا نخاف من شخص يصلّي! “ليس على الأرضِ ما هو أعزّ على الله من راهبٍ جاثٍ على الارضِ يُصلي دائمًا، فالصلاةُ مرساةُ التوبة، حيثُ تَهدأ كلُ أنواعِ الأفكارِ مهما كانت كثيرة. الصلاةُ الدائمة تَجعلُ من العقلِ صورةَ الله، وتؤمِّنُ له موهبةَ إدراكِ الأمورِ الصغيرة. وبوقتٍ قصير تكّفِرُ عن ديون الأهمال الثقيلة. هذه الصلاة تحوي كلَّ أنواع الزُهْدِ وأنماطِهِ”. (ابراهيم النثفري، القرن السادس، اباؤنا السريان ص 192).

الصلاة تعبير قوي عن فقر الانسان ومعطوبيته أمام الله وارتباطه به. بها يتوجه المصلي  إلى الله بتواضع واستسلام بنوي، واضعًا نفسه بين يديه، ومقرًّا بسموه وقدرته، وطالبًا غفرانه، ومعربًا عن رجائه برحمته ومحبته. الصلاة اندماج بمن نتوجه اليه.

الصلاة ليست فعلاً معزولاً عن الحياة، بل حياة  برمتها تغدو ينبوع صلاة، لذا يدعونا الرسول بولس إلى أن نصلّي من دون انقطاع (1 تسالونيقي5/17). الصلاة لا تغيِّر الأحداث مباشرة، بل تُغيِّر بعمق قلبَ مَن يعيش الأحداث وتُغيِّر نظرتَه. من يصلّي يتمتع بكثير من الفرح والتواضع والسهولة والسلاسة في التعامل والاستقبال والاصغاء والمساعدة.

في الإنجيل الثالث يحبّ لوقا أن يبرز أهمية الصلاة في الأوقات الحاسمة من حياة يسوع. إن خبرة يسوع هذه هي نورٌ للأسقف في الكنيسة. الأسقف هو أبٌ، يصلّي من أجل أولاده: كهنته، شعبه، يصلّي قبل اتخاذ قرارات مهمة… لنتعلم من صلاة يسوع الكهنوتية في انجيل يوحنا\0 فصل 17).

2- الصلاة مع الكتاب المقدس

هناك أكثر من سبب يدفع الأسقف إلى قراءة الكتاب المقدس قراءة يوميّة في صلاته، لأن فيه نضارة وعمق.  ومنه يستمد خطوط القوّة التي تغذي حياته وعمله. لا ننسى أن الكتاب المقدس هو أيضًا كتاب صلاة.

هذه القراءة تتطلب الخلوة، الصمت، وإخلاء الذات للإمتلاء والتواصل. قراءة إيمانية وأسرارية تبحث عن المعنى الروحيّ الذي سمّوه ببساطة “الحقيقة” بعيدًا عن معنى الحدث التاريخي المفصل. في اعتقادي، ان هذه الطريقة تبقى صالحة ومفيدة للمؤمنين خصوصًا الشرقيين، فالمعنى الباطني الحقيقي الرمزي يمكن اكتشافه عن طريق عين الايمان وليس عن طريق “فضولية” معرفة الحدث الظاهر.

حتى نفهم الرمز نحتاج إلى الايمان، هو العين المستنيرة التي نبصر بها الأمور الخفية. يقول أفرام: “هو العين التي تستطيع أن ترى الأشياء المحجوبة” (الكنيسة24/3). ويشير مار أفرام إلى الحقيقة ذاتها بقوله: “الكتاب المقدس معروضٌ كالمرآة، فمَن كانت عينهُ نيِّرة رأى فيه صورة الحقّ” (الإيمان 67/8). وكلّما كانت العين الداخلية قوية، كلّما اقتربنا من الحقيقة وفهمنا الرموز والصور، وقمنا باختيارات صحيحة ومنسجمة، وابتعدنا عن الانحراف.

إن هذه القراءة الإيمانية المنفتحة على إلهام الروح القدس تقودنا إلى حوار حقيقي وصادق من خلال ما كتبوه في زمانهم وثقافتهم. إن الكون مخلوق على صورة المسيح  Christ form” كل شيء به كان، ومن دونه لم يكن شيء مما كان” (كولسي 1/16). وينصب سعي المؤمن على تطبيق هذا التشابه. بهذا المعنى نفهم أن الخبز والخمر في الليترجيا يكشفان المسيح، فيغدو خلقًا جديدًا. ليس هناك تعارض، إنما تكشف المعنى الأول وتكمله. فالأرض ليست مثل الفردوس وعين المياه مثل المعمودية، والحب مثل الدم والمرأة مثل مريم والزيت مثل القوة. كل حقيقة من هذه الحقائق تحمل في ذاتها قوة ديناميكية على الظهور والنمو والاكتمال. هذه هي حقيقة الأشياء التي خرجت من يد الله في اليوم الأول بعيدًا عن التفاهة – الخطيئة التي، من المؤسف، هي وجه آخر لبشريتنا. يقول أوريجانس: “لا أحد يقدر أن يسمع كلمة الله إلا إذا كان قد تقدّس أولاً” (موعظة في الخروج 11/7).

بالتجسد يجتاز المرء من الحوار مع الكلمة إلى الشركة الحيّة مع الكلمة المتجسد: اللوغوس-logos  وقد تكون الكلمة اليونانية آتية من العربية “اللُغّة”!. يقول أوريجانس عن اللوغوس: “صار الكلمة – اللوغوس- جسدًا بلا انقطاع في الكتاب المقدس حتى ينصب خيمته بيننا. هذا يعني وجود صلة قويّة بين الاحتفال بالليترجيا والكتاب المقدس الذي يُقرأ خلالها، والاثنان يركزان على شخص المسيح وليس على الأشكال أو النصّ. الكلمة المتجسد هو المركز وهو أساس كلّ شيء، وهو يوحّد الجماعة. لربما من هذا المنطلق نحن لسنا أهل الكتاب بقدر ما ننتمي إلى شخص المسيح الذي يعكس الكتاب شخصه وبشارته. هو مكمل الناموس والانبياء ومتممهم. وحضوره الممجد [بكونه قائمًا من بين الاموات] وسط خاصّته يجعلهم حقيقة أسرارية، وكلماته يرنّ صداها في جسده. الكلمة والسرّ يحققان الشركة. والفصح والخروج، الذبيحة والغذاء كلّها تبلغ ذروتها فيه. فالاسكاتولوجيا – الاواخرية – الماضي المستمر في الحاضر يكتمل في الاسكتالوجيا ويعطيه كثافةً ومعنى. الكل في حركة باتجاه المسيح وعبر المسيح باتجاه الله الآب. الله في حركة تنازلية تصاعدية ينزل إلى الإنسان ليرفعه إليه ويشركه في حياته، كما يقول القديس ايريناوس (ضد البدع 4/6، 5/1). ومن هنا تحتفظ الكلمة بديناميكيتها عندما تجعلها الجماعة المسيحية حقيقة حيّة وليس مجرد ممارسة عادية.

3- الصلاة الليترجية

للصلاة الليترجية، أي صلاة الكنيسة الرسمية، الكنيسة الملتئمة حول يسوع للاحتفال بحضوره وديمومته فينا أهمية كبرى، ومكانة خاصة في حياة الاسقف والكهنة والمسيحيين. هذا ما يؤكده الإنجيل: “حيثما اجمع اثنان أو ثلاثة باسمي، أَكون أَنا في وسطهم” (متى 18/20). فمن خلال مشاركتنا الفعّالة في الصلاة الطقسية  نندمج في الكنيسة على رجاء بلوغ ملء قامة المسيح. الصلاة الليترجية تمنحنا قوّةً كافيةً للالتزام بإيماننا والأمانة له. من لا يعيش مع الجماعة يفقر ولا يختبر الحضور الثري للمسيح والجماعة( انظروا توما لم يختبر قيامة المسيح الا بالانضمام الى جماعة التلاميذ المجتمعين) . الحضور هو في قلب الحياة الالهية: الثالوث. الانفراد انطواء وتكبر ورفض المشاركة. الحضور ينمّي العلاقة والشركة والمسؤولية والالتزام.

عمومًا فقدت معظم رعايانا اليوم ممارسة الصلاة الطقسية الاحتفاليّة بسبب اللغة والطول والتكرار وغياب التأوين. علينا أن نعمل من أجل إحياء الطقوس بحيث يخرج الناس وقد فهموا واشتركوا وتأثروا.

الرعية صورة الراعي (اغناطيوس الانطاكي، رسالة برنابا، افرام). فنجاحه وعزّه يتوقفان على صلاته وعمله الراعوي.

صلاتنا إلى الله تعني أن يكون قلبُنا بسيطًا، منفتحا، مستيقظًا،  قادرا أن يكشف عن ذاته بأنه صغير وضعيف (خاطئ)، وأن يدرك بأنه غير قادر على النهوض إلا إذا ألقى ذاته بثقة بين يدي الله اللتين وحدهما قادرتان على إنهاضه. من هذه الثقة بالرّب تولد المعجزة، رجاءً لنا وللآخرين.

علينا أن نصلّي مع الكلمة: الكلمة الموحاة، الكلمة المكتشفة، الكلمة المقتسمة، الكلمة التي نحتفل بها في القداس، الكلمة المجسّد. ولا يوجد شيء شرٌّ من التعوِّد على الصلاة، من تأديتها بشكل آليّ ومن دون وعي. إن الصمت – السكوت هو مصدر الوعي. إذا انعدم غاب الوعي. الخلوة، السكون، تواضع القلب (طاغور) هي عناصر تؤلّف الصلاة.

شخصٌ يمارس الصلاة العميقة، لا يتلو الكلمات ولا يرتّل مثل الآخر المتعوّد، لأن الله بالنسبة إليه هو موضوع إعجاب، انبهار، حبّ، سجود، فرح، تسبيح.

هناك إمكانية ممارسة أنماط متعددة من الصلاة: صلاة القلب، صلاة تلقائية، الصلاة الجماعية، الصلاة الطقسية.

بعض اسئلة:

         ما نوع الصلاة الذي يجعلك أكثر إنشدادًا إلى الله؟ هل هو نصٌّ من الإنجيل، المزامير، الصلاة الطقسية؟

         ما الموقف الذي يسود صلاتك: تواضع، تسليم الذات، عبادة، طلبات لا تنتهي…؟

         هل تترك الصلاة الرسمية (الطقسية) أثرًا في حياتك: اندفاعًا، مصالحة، ممارسة المحبة أم هي روتينية؟

         هل تصلّي خارج الأوقات المحددة؟

 

 

عن Yousif

شاهد أيضاً

“الشخص المناسب للمكان المناسب!” نعم، لكن كيف؟

“الشخص المناسب للمكان المناسب!” نعم، لكن كيف؟ المطران د. يوسف توما في عام 1973 صدر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *