الرئيسية / الكنيسة الكلدانية / ابعاد الصوم اللاهوتية في اللاهوت المشرقي

ابعاد الصوم اللاهوتية في اللاهوت المشرقي

تراثنا المشرقي

دراسات في اللاهوت المشرقي

ابعاد الصوم اللاهوتية في اللاهوت المشرقي

يطرح لاهوتنا وطقسنا المشرقيين الكثير من معاني الصوم. لماذا الصوم؟ وماذا يعني لنا؟ هذه أمور تجد ما يبررها في الكتاب المقدس تارة، وأخرى في المنطق البشري. إن الصوم، كممارسة، ليس مقتصرا على المسيحيين وحدهم. وآباء الكنيسة واللاهوتيين يعرفون هذه الحقيقة، فهناك غير المسيحيين يصومون أيضا، ولكن عرضهم للصوم يأتي ضمن رؤية مسيحية خاصة وأصيلة. فنحاول في هذه الدراسة استعراض ما يحمل الفكر الكتابي وفكر الآباء والنصوص الليتورجية الخاصة بكنيستنا من معان لاهوتية عميقة للصوم.

الصوم زمن وحدث

أولى النقاط التي نطرق إليها هي أن الصوم هو زمن معين ومحدد، أي أن الصوم ليس فقط هذه الممارسة التي تعني الانقطاع عن الطعام، وإنما هو حدث تاريخي مرتبط بزمان ومكان معينيين وبأشخاص معروفين. والزمن الذي يرتبط به الصوم الاربعيني هو زمن الخلاص، فهو، أي الصوم، يدخل ضمن مرحلة من مراحل التاريخ الخلاصي مثل التجسد والميلاد وعماذ ربنا، والتي حدثت ضمن مراحل التدبير الإلهي في حياة المسيح الأرضية. وانطلاقا من هذه الأهمية للصوم في كنيسة المشرق، نتكلم عن الصوم الاربعيني كحدث وكزمن تُعاش فيه أحداث تاريخ الخلاص ضمن نمط وأسلوب يلائم معانيه.

إن الميزة التي تظهر لاول وهلة من كلمة (صوم) هي الانقطاع عن الأكل، وهذه هي المرحلة الأولى المحسوسة. إذن، زمن الصوم هو زمن من أزمنة تاريخ الخلاص وهوحدث، فلذلك يسميه أحد كتّاب القرن السادس، وهو قيورا الرهاوي، بعيد الصوم، أي أنه مناسبة يحتفل بها، والاحتفال هو عيش الحدث من خلال الحياة الليتورجية (الطقسية) والحياة اليومية من منظور مسيحي.

وبما أن الصوم هو زمن ومناسبة احتفال، فهو إذن عيد يحتفل بالحدث المؤسس لهذه المناسبة، ولا يخفى على أحد أسس هذا الزمن الخلاصي؛ إنه صورة لحدث عاشه ربنا يسوع المسيح. فالانجيل يروي لنا عن زمن قضاه يسوع صائما ومجرَّبا من قبل الشيطان (مت4: 1 -11)، قبل أن يشرع يسوع بنشاطه التبشيري بملكوت السموات.

إن التأمل يذهب بنا إلى سبب صوم يسوع، والجواب يأتي من التأمل في هوية يسوع ذاتها. فيسوع، الذي هو كلمة الله المتجسدة، والذي أصبح إنسانا كاملا مثلنا، برهن بحياته على إمكانية حصول الإنسان على هويته الحقيقية الصافية كونه مخلوقا على صورة الله ومثاله، وبالتالي يصبح ابن الله المتجسد. أي أن المسيح هو صورة ومثال يعكس ويعطي معنى الإنسان الحقيقي. وفي هذا الصدد يقول آباء الكنيسة بأننا مخلوقون على صورة الصورة، أي المسيح الذي هو صورة الله (كول1:15-16)، والمسيح هو الصورة الأصيلة التي بموجبها خلقنا الله.

وفي لاهوت القديس بولس، المسيح هو النموذج الذي يعكس ويجسد تصميم الله. فالله خلق الانسان حسب رؤيته وإرادته الخاصة، فكان الإنسان، آدم الأول، الذي حاد عن هويته الحقيقية (تك3). أما المسيح فيُجسِّد تصميم الله الأصلي، فيجسد أيَّ إنسان أراد الله أن يخلق ويُبرز هوية آدم الحقيقية. وعن هذا يتكلم القديس بولس عن آدم الأول وعن آدم الثاني الذي هو المسيح (رو 5: 12-21). فيأخذ الكلمة الإلهي الطبيعة الإنسانية ويصبح إنسانا كاملا عائشا كل وقائع الحياة الإنسانية كي يستطيع من خلال الإنسانية ذاتها أن يُبرز إلى الوجود النموذج والطبعة الأصلية لما يعنيه الإنسان في تصميم الله. وهذا، في طبيعة الأمر، لا يُقصي دور الإنسان وحريته، فالإنسان يبقى حرا في جوابه إلى الدعوة التي توضح له هويته الحقيقية ومعنى كونه إنسانا.

البعد الكنسي لحدث الصوم:

ان الصوم، كما قلنا، ليس ممارسة معزولة عن الواقع أو عن الزمن، أي أنه ليس ممارسة لها أهدافها ويقرر لها الإنسان بفردانية فقط. بالطبع، هذا البعد موجود، لكن، كما أسلفنا بأن الصوم هو احتفال بحدث مؤسس في تاريخ الخلاص عاشه يسوع فأصبح نموذجا ومثالا، ففي نفس الوقت الصوم هو ممارسة جماعية، أي هو صوم الكنيسة كلها، فالكنيسة تحتفل معا بالصوم.

إن معنى احتفال الكنيسة بالصوم ليس تذكراً من النوع السطحي لحدث قد حدث يوما ما لا فاعلية له اليوم، بل أن الذكرى الليتورجية هي عيش حدث مؤسِس (بصيغة الفاعل). فعندما يقع حدث وتنتج بسببه حقيقة ما، فإن هذه الحقيقة تمتد في الزمن، ومع استمرار وتقدم السنين، ترتوي الحقيقة من هذا الحدث. لنأخذ مثلا حدث الخروج من مصر وعبور البحر الأحمر من قبل بني إسرائيل (خر13-14). فالجماعة الخارجة من أرض مصر، بفضل حدث الخروج هذا، تصبح شعبا مستقلا وحرا، أي إنها تتحرر من نير العبودية الذي عاشته في مصر، فلذلك عندما يُذكر هذا الحدث بعد قرون طويلة، وفي ظروف مختلفة، يُذكر وكأنه قد وقع وحدث لهذه الأجيال الأخيرة. ففي كثير من أقسام الكتاب المقدس، يصرح المؤمن، أو الجماعة المؤمنة، بأنهم هم كانوا في قلب الحدث الذي وقع ليس فقط لآبائهم. هذا هو التذكر في الجماعة اليهودية، وأيضا في الكنيسة المسيحية: نحن كنا في قلب الحدث، فنحن كنا عبيد في أرض مصر وخلّصنا إلهنا باجتيازنا البحر الأحمر.

إن الحدث الذي أتى بنا إلى الوجود هو حدث يسوع المسيح وحياته. فنحن أيضا كنا في حدث صوم المسيح وآلامه وموته وقيامته. ويوم عماذنا ليس إلا هذا العبور من خلال الموت والقيامة على مثال المسيح، فنقوم خلائق جديدة تدخل وتنضم إلى جماعة أكبر مؤسسة بفعل الحدث ذاته.

إذن المسيح هو الحدث الذي به نحن أصبحنا مسيحيين أي خُلِّصنا. فنحن باحتفالنا بإحدى المناسبات الطقسية لا نتذكر فقط ما قد حدث في مثل هذا اليوم كما نسمع في نشرة الأخبار اليومية، وإنما نحيي الذكرى، بعيشنا الحدث نفسه وندخل فيه، فالحدث يحدث الآن في لحظة الاحتفال به وإن كان قد حدث في الماضي. الاحتفال بالقداس هو عيش موت وقيامة المسيح الآن وليس فقط تمثيلاً لما قد حصل قبل الفي عام وانتهى. من هذا نفهم بأن الكنيسة تصبح عاملا يُظهر المسيح في العالم فكما أن المسيح هو المثال الذي يجسد ما هو موجود في تصميم الله كذلك الكنيسة تصبح مثالا يجسد ويقدم المسيح في الوقت الحاضر للعالم، فهي جسده كما يقول القديس بولس (1 كور12،12-31). وبالتالي فبعيشها زمن الصوم الذي عاشه المسيح، تقدم وتظهر وتجعل حدث المسيح ممتدا في عالمنا اليوم والآن.

البعد الكتابي لحدث الصوم

إن حدث المسيح إنما هو إعلان وإظهار الحقيقة بمطلقيتها. فالمسيح كشف لنا وجه الله الحقيقي لأنه صورة الله (كول1، 15 و عبر1، 3)، كما أن المسيح يُظهر ويُعلن حقيقة الإنسان فهو آدم الثاني (رو5). وكون المسيح ادم الثاني لا يعني أن المسيح هو نسخة عن الأول، وإنما هو الفعّال الذي يعيد ويجلّي حقيقة آدم الأول. لكن، في العهد القديم نلاحظ بأن هناك أحداثا قد وقعت ولها قيمتها في حياة المؤمن اليوم. ومن منطلق كون المسيح ملء الحقيقة فإن حدثه يبقى التجلي الكامل لما أرادت تلك الأحداث أن تعلنه، فهي تبقى صورة وظلا للحقيقة (عبر8، 5). أي بمعنى أنها تمهّد وتصور حدث المسيح مسبقا، والمسيح بأحداث حياته يكمل ما عنته تلك الأولى.

إن الفصح الذي أقامه بنو إسرائيل (خر13) قد اكتمل بالمسيح بصورة نهائية وقاطعة، لذلك فنحن باحتفالنا بمناسبة ما نقرأ نصوصه من العهد القديم مستعينين بدلائله لكي نفهم حدث المسيح، وبالتالي نستطيع أن نلقى النور الذي يساعدنا على الولوج بالحدث وعيش المناسبة. فمن خلال القراءة الكتابية نستطيع الحصول على نماذج من صوم عاشتها شخصيات مختلفة في العهد القديم والتي من خلالها يلقى الضوء على معاني وأهداف الصوم.

نوح وموسى وإيليا هم أشخاص تميَّزوا بسيرتهم الأمينة مع الله فتأهلوا لأن يكونوا نماذج حيّة لنا. فنوح ببرارته يعطي بعدا للصوم وهو السيرة الحسنة والأمينة مع الله في عالم قد بات بلا قيم، وبالتالي فإن سلوكه يهيئه بأن يطوف فوق أمواج الطوفان مخلَّصا ومخلِّصا (صيغة الفاعل). أما موسى الذي قام في حضرة الله فوق جبل سيناء اربعين يوما بلياليها (خر24: 15-18)، بها نال أن يكون وسيطا بين الله وشعبه فتلقّى الكلمات العشر، وعند نزوله من الجبل يتضرع من أجل شعبه لينقذه من غضب الله بسبب عجل الذهب الذي اتخذوه كإله لهم (خر32: 11-14). أما حدث إيليا، الذي يذهب بنفس الاتجاه، فإنه يتكلم أيضا عن سلوك شخص أمين مع الله في وسط عالم حاد عن قيمه وإيمانه. إيليا بصومه يحارب الوثنية في شعبه، وبهذا الصوم الذي استمر أربعين يوما بلياليها يصل إلى جبل حوريب (1 مل19)، أي إلى المكان الذي به كان موسى، من قبل، قد أبرم العهد بين الله وشعبه.

إن صورة الأنبياء وصومهم هي درس تأمل لنا. أرميا وحزقيال يصومان معطين بذلك النبوة، ودانيال يحصل على مرامه في التعرف على مصير شعبه من خلال صومه (دان10: 2-3). أستير ومردخاي اللذان صاما استطاعا أن يخلصا شعبهما من المؤامرة المحاكة ضده (أس4). وفي عين الوقت، هناك أشخاص يعطون مثالاً بسلوكهم الذي وإن لم يكن أمينا مع الله، لكنهم صاموا صوما، وهو في الحقيقة لا يعتبر صوما حقيقيا. أشعيا يتكلم ضد اولئك الذين يصومون من أجل بلوغ غاياتهم ويقول: “في يوم صومكم تجدون ملذاتكم” (أش58: 3). إيزابيل زوجة آحاب ملك إسرائيل تأمرُ زوجها وأهل يزرعيل بالصوم وتطبّق أحكام الشريعة لغاية ليست غاية الشريعة، وإنما لغرض الشر، أي لإهلاك نابوت الذي رفض بيع كرمِهِ الذي كان ميراث آبائه (1 مل21). هذا يؤكد لنا كيف يجب أن يكون صومنا.

البعد الاواخري للصوم (الاسكاتولوجي)

إن حدث الصوم الذي يرتكزعلى حدث صوم يسوع والذي يصبح مثالا فعالا، لا يلقي بضوئه على الماضي وإنما على الحاضر والمستقبل. فالحاضر هو الآن. أي أن زمن الصوم الذي نعيشه، والذي يؤهلنا ويعطي لنا فرصة دخول وعيش حدث يسوع، يوحد ما بين الماضي والحاضر، فينقلنا إلى الحدث ذاته ملاشيا بذلك الفاصل الزمني. أي أن الزمن يصبح متصلا وليس منقسماً إلى ماضٍ وحاضر. بنفس الوقت، فإن زمن الصوم يقدّم لنا صورة المستقبل الآتي، الزمن الأواخري، أي إن ما نعيشه ليس فقط آنيا ومعزولا وإنما مفتوحا على المستقبل، إذ سوف تكتمل صورته وحقيقته في الأواخرية التي بها سنرى الحقيقة ونعيشها بجلاء.

القديس بولس يقول: “إن ما نراه الآن هو صورة باهتة في مرآةٍ، وأما في ذلك اليوم فسنرى وجها لوجه” (1 كور13: 12). كذلك عيشنا لحدث الصوم اليوم هو نموذج بسيط لما ستكون عليه هويتنا الحقيقية في المستقبل الأواخري. إن الحقيقة الأواخرية هي الاتجاه الذي تتجه نحوه كل الحقائق الآنية مثل الكنيسة، والأسرار والحياة المسيحية. هناك ستكتمل وستظهر هويتها الحقيقية، فهذه في صيرورة نحو اكتمالها الأواخري. لكن الحدث المعاش والمحتفل به الآن يتنبأ بما سيكون عليه المستقبل المحتم، لأن كل حدث في الحياة المسيحية، وكل احتفال أسراري، إنما هو قائم على حدث المسيح. فالمسيح بقيامته قد افتتح الأزمنة النهائية، وصليب المسيح يقوم في الوسط فاصلا الزمن إلى ما قبل وإلى ما بعد. نحو حدث المسيح اتجهت أحداث العهد القديم، ومن حدثه انطلقت أحداث العهد الجديد نحو الاكتمال الحقيقي. لنا قد اعطي التمتع مسبقا بأحداث المستقبل الآتي، وذلك من خلال عيشنا حدث المسيح في مناسباتنا الليتورجية والأسرارية التي تؤهلنا لأن ندخل في الأبدية، لكنها تُبقى لنا مثل عربون، فكما أن العربون يمثل جزءً من الثمن ورمزا له، كذلك نحن نعيش الحقيقة تحت أشكال الرموز والمناسبات، والتي ستصبح كلها يوما ما حقيقة مطلقة نتجه نحوها، وهي بذاتها، أي الرموز والمناسبات، ستدلنا عليها وتوجهنا نحوها.

وبفضل الروح القدس الذي استلمناه، نستطيع الدخول في حدث المسيح. فهو عربون مستقبلنا كما يقول القديس بولس: “نحن باكورة الروح منتظرين من الله الفداء” (رو 8: 23)، “ختمنا بخاتمه ومنحنا روحه عربونا في قلوبنا” (2 كور 1: 22)، و”الله الذي أعدنا إلى هذا المصير (الحياة الأواخرية) ومنحنا عربون الروح” (2 كور5: 5). من هنا نفهم بأن زمن صومنا هو مسيرة لما نكون عليه في المستقبل، والمستقبل قد صُوِّر بقيامة المسيح، لذلك نحن نحتفل بقيامة المسيح في نهاية صومنا.

هكذا بعيشنا زمن الصوم نُهيّء نفوسنا لمستقبلنا، ونعكس ما سنكون عليه يوما ما. إن هذا الزمن، وكل احتفال آخر، إنما هو احتفال مشبع ببعد الرجاء، فحياتنا المسيحية هي برهان على رجائنا الذي نعبّر عنه بما نعيشه، وهذا سيكون حتما شئيا جديدا إذ سيكون اكتمال الخليقة الجديدة التي بدأها الله وأرادها.

البعد المعنوي للصوم

مما سبق، نستطيع أن نتكلم عن الصوم وممارسته. كما قلنا إن الصوم له بعد جماعي، فالكنيسة كلها تحتفل بهذا الزمن وتصوم وتصلي، ولكن أيضا تبقى هناك حرية الشخص مصانة، لأن الصوم ليس أمرا موضوعا كفرضٍ قاسٍ يستوجب الالتزام به من غير نقاش وإلا فالعقاب يطول من يتعداه، بل الصوم يصبح ضرورة يشعر بها من يعي معناها وأبعادها. صحيح أن هناك قوانين تطبق في الصوم فيما يخص مدة ومادة الصيام، ولكن هذه ستبقى أموراً تنظم الإطار العام والجماعي للصوم، وبنفس الوقت لها هدف تربوي عام، فهي مثل الشريعة التي، كما يقول القديس بولس، بأنها كانت مثل المربي إلى حين (غل 3: 24)

إن ممارسة الصوم ببعده الجسدي، أي الانقطاع عن الطعام، له معنى يتوافق مع ما يعنيه الإنسان ومما يتكون منه: الإنسان هو واحد ولكن فيه أبعاد جسدية ونفسية وروحية. فلو أخذنا أحد الجوانب الحياتية، سنلاحظ بأن كل أبعاد الإنسان مهمّة فيما يخص ذلك الجانب، سواء كانت جسدية أو نفسية أو روحية. فلو أخذنا الحب البشري، مثلاً، فإننا نلاحظ بأن معاني الحب بين حبيبين لا تقتصر على ما يعنيه الحب (البعد الروحي)، بل أيضا هناك من المشاعر والمظاهر والحركات الجسدية التي تعكس معنى الحب (البعد النفسي والجسدي)، أو تترجم هذا المصطلح إلى واقع يحاور الانسان بكل أبعاده. هكذا الصوم، إن أحد معانيه هو التضامن مع الآخر الذي لا تتوفر له شروط الحياة الاساسية، فيكون التضامن، ويسوع يصوم متضامنا مع البشر، هو البعد الروحي الذي يتطلب أن يترجم إلى كافة الأبعاد الأخرى (النفسية والجسدية) كي يطبق واقعيا. هكذا يبقى الصوم الجسدي مؤشرا لنضوج وترجمة ما هو روحي، ولكن إلى حين. لا يدّعى كل من ينقطع عن الطعام صائما، فنحن نرتل في طقسنا: “باطل هو الصوم عن الطعام اذا ما لن تتوقف النفس عن سلوكها السيء”، وكما نتضرع: “لا يارب لا نريد ان يكون صومنا هذا كصوم يزرعيل” (اشارة إلى صوم آحاب الملك في1مل21).

إن نص أشعيا (58: 1- 10) يعلمنا ما هو الصوم الحقيقي الذي يتعدى مستوى الصوم الجسدي والذي يهدف إلى جعل الإنسان إنسانا يبحث عن العدل ومقاومة الظلم والانفتاح على الآخر، فبذلك يكتمل جوهر الشريعة والأنبياء أي: أن يحب الإنسان الرب إلهه وقريبه من كل نفسه (مر12: 30). إن فترة الصوم ستنتهي بعد مدة، ولكن ما من أجله وضعت يجب أن يستمر مدى الحياة. فبقدر ما يكون الصوم صحيحا، ما يتجه الإنسان، من خلال هذه الممارسة، في الاتجاه الصحيح ويسير بموجبه. من هنا نفهم المعنى التوبوي للصوم، فالتوبة تعني السلوك في الطريق السليم الحقيقي الذي هو طريق دعوتنا كمعمّذين، لأننا بعماذنا قد دخلنا إلى الحياة الجديدة فيجب أن نكون أهلا لها. دخلنا في حدث المسيح، أي في حياته وموته وقيامته، متنا وقمنا معه وسنموت يوما على رجاء القيامة معه مشاطرة مصيره بصورة نهائية وحاسمة بعدما نلنا عربون هذا المصير ونناله الآن بعيش أسرار حدثه. إن الصوم هو حدث يعمل على إبراز هويتنا الحقيقية ويدلّنا على الطريق، يذكّرنا بدعوتنا ويهيئُنا لمستقبلنا، إنه زمن عيد وفرح خلاصي.

الأب بولس ثابت حبيب

3-3-2008

عن Yousif

شاهد أيضاً

ss

assa

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *