الرئيسية / المقالات / اللِّقاء الخامس سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب

اللِّقاء الخامس سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب

اللِّقاء الخامس

سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب

المقدِّمة

        حافظت الكنيسة الأولى على احتفاليَّة العماد بالماء الَّتي يرافقها عادة “وضع اليد” في إشارة إلى هبةِ الرُّوح والمسحة بالزيت: “أَمَّا أَنتُم فإِنَّ المِسْحَةَ الَّتي قَبِلتُموها مِنه مُقيمَةٌ فيكُم، فلَيسَ بِكم حاجَةٌ إِلى مَن يُعَلِّمُكم، ولَمَّا كانَت مِسْحَتُه تَتناوَلُ في تَعليمِها كُلَّ شَيء وهي حَقٌّ لا باطِل كما علَّمَتْكم فاثبتوا أَنتُم فيه” (1 يو 2: 27). والحقيقة كانت: أنَّهم نالوا حياةً جديدة بالمسيح يسوع الَّذي له الولاءُ المُطلَق، فالله يُقدِّم لنا النِّعمةَ في الأسرار، ويعود للإنسان أن يُقدِّم إيمانهُ، مثلما يقول القدِّيس يوحنَّا الذهبي الفم، الإيمان الَّذي ترافقهُ توبةٌ حقيقيَّةٌ وشهادة صادقة لحياة الرُّوح القدس فينا، فالمعموديَّة هي حبَّة الخردل الَّتي يجب أن تنمو وتزدهر (متَّى 13: 31- 32) في أرض جيِّدة تستقبل الحبَّة من خلال الإصغاء الصادق والقلب النقي والثبات في المسيرة. نعمة الله لا تُزيل حُريَّة الإنسان بل تفترِض تعاوناً معها، فالمعموديَّة هي بداية الطريق الَّذي يقودنا إلى ملءِ قامة المسيح من خلال الكنيسة، جسده، لذلك، نقول، إنَّه حتَّى لو مات الطفل وهو لم يقبل المعموديَّة، فهو قديس بقداسة والديه، وخلاص المسيح يشمُلهُ.

إعادة العماد

        ولكن ماذا لو هرب الجندي من ساحة المعركة كما حصل مع الجماعات المسيحية في القرون الأولى عندما تعرَّضت إلى الاضطهاد؟ فهل يُعاد العماد من جديد لو اعترفوا بخطيئة جحود الإيمان؟

        كان أساقفة روما أكثر تسامحاً مع هذه القضايا، ففرضوا التوبة على هؤلاء وألزموهم بقوانين عقابيَّة وبفترة اختبارٍ قبل قبولهم من جديد في شِركة الإفخارستيا، فيما قاوم أساقفة آخرون هذا الموقف المتساهِل، مثل دوناتوس الَّذي أنشأ كنيسة مستقلَّة لم يعترِف بها بعماد كنيسة تتساهل مع هؤلاء فكان يُعيد عماد المؤمنين القادمين إلى كنيستهِ. وأكَّد القديس أوغسطينوس أنَّ الكاهِن لا يُعمِّد باسمهِ، بل باسم الكنيسة، والكنيسة تعمِّد باسم المسيح: “أبطرس عمَّدَ أو بولس أم يهوذا، فالمسيح هو الَّذي يُعمِّد”. المهمُّ، أن يكون اعتقاد الكنيسة صحيحاً بالثالوث الأقدس، ليكون العماد صحيحاً، حتَّى لو اختلفت مع بقيَّة العقائد.

        أمَّا نقطة الخلاف الرئيسة مع الكنيسة القبطية فتتمثل في تأكيد الأقباط على ضرورة التغطيس ثلاث مرَّات وعدم الاكتفاء برشِّ الماء على جبين المعتمد مثلما يُحتفل بالعماد في الكنيسة الكاثوليكية. ووقَّع البابا فرنسيس والبابا تواضروس في نيسان 2017 على وثيقة تفتح باب الحوار حول هذا الموضوع.

مراحل تطوُّر ممارسة سرِّ العماد

يقيناً أنَّه هناك العديد من طقوس العماد في مختلف الديانات، وهناك اختلاف كبير ما بين طقوس العماد الَّتي نعرفها من اليهودية، والَّتي كانت من يد المعمِّد، وبين المسيحية الَّتي تهبُها من بيت العماد، مثلما أعلن يوحنَّا: “أَنا عَمَّدتُكم بِالماء، وأَمَّا هُوَ فيُعَمِّدُكم بِالرُّوح القُدُس” (مر 1: 8). ومع أنَّ ربَّنا يسوع أسَّس سرَّ العماد بعماد في نهرِ الأردن وقام هو بتعميد الناس حسبما كتبَ الإنجيلي يوحنَّا (2: 23- 24)، إلاَّ أنَّه لم يُحدِّد كافَّة الصَّلوات والطقوس المرافقة لهذا السِّرِّ، بل تركَ الأمر للكنيسة الَّتي نظَّمت طقوس العماد تحت إرشاد الرُّوح القُدس.

حافظت الكنيسة الأولى على صيغةٍ مُبسَّطة للعماد تأتي عادة بعد موعظة من الرُّسل كما حصل مع بُطرس الَّذي خطبَ في الجموع، فسألتهُ الجموع: “ماذا نعمل أيُّها الإخوة؟ فأجاب بطرس: “توبوا، وَلْيَعتَمِدْ كُلٌّ مِنكُم بِاسمِ يسوعَ المَسيح، لِغُفْرانِ خَطاياكم، فتَنالوا عَطِيَّةَ الرُّوح القُدُس. فإِنَّ الوَعدَ لَكم أَنتُم ولأَولادِكُم وجَميعِ الأَباعِد، على قَدْرِ ما يَدْعو مِنهُمُ الرَّبُّ إِلهُنا”، وحصل ذلك وانضمَّ نحو ثلاثة آلاف شخص للجماعة (أع 2: 38- 41). لقد كان العماد حدثاً عظيماً في حياة الفرد والجماعة، لأنَّهم كانوا يشعرون بأنَّ تغييراً جذريًّا حصل في حياتهِم، وهذا التغيير له أثرٌ كبيرٌ في حياة الجماعةِ. 

        بعد القرن الثاني الميلادي بدأت ملامح الاحتفالية تتوضَّح أكثر، إذ تسبق احتفاليَّة العماد فترة تنشئة فيها يُقدِّم الرَّاغِب بالعماد طلباً صريحاً بالرَّغبة في قبول العماد، تتبعهُ مرحلة استقصاء واستشارة من قبل الجماعة حول أهليَّة هذا الشخص لقبول العماد، ثم تبدأ فترة تنشئة روحيَّة ومتابعة لسلوكيَّات الشخص وقد تمتدُّ لثلاث سنوات، قبل أن يدخل الفترة الحاسمة الَّتي تسبق العماد، وهي فترة الصوم الكبير، واختباره قبل الاحتفاليَّة الَّتي تتضمَّن إنكاره للشيطان والتعبير عن الإيمان عند التغطيس والمسحة بالزيت، ووضع يد الأسقف والرَّسم على الجبين في نهاية العماد. فكان العماد قراراً شخصيًّا والتزام مسيرة توبة.

تتضمَّن الاحتفاليَّة الصَّلاة على الماء ومُباركة الأسقف للزيت، زيت الشُّكر وزيت التعزيم، فيما يُطلَب من المعتمد أن يكفر بالشيطان وبأضاليلهِ وبأعمالِه، وإعلان الإيمان قبل أن يُمسَح بزيت التعزيم لطردِ الشيطان والشَّرِّ، ثمَّ يدخل في الماء وقد نزَع ملابسه، ليخرُج ويُمسَح بزيت الشُّكر مع وضعِ اليد لقبول الرُّوح القُدس.

        بعد سنة 313 حيث مُنحَ المسيحيُّون الحريَّة لممارسة إيمانهم زاد عدد طالبي العماد وتغيَّرت الأسباب، فلم تعد التوبة والاهتداء السبب الرئيس، بل دخلت أسباب أخرى بحثاً عن مصالح شخصيَّة وسياسيَّة، فلم يلتزم الكثيرون بفترة الموعوظية، وحرصت الكنيسة على أن يتعلَّم المعتمد أنَّ عماده هو مواصلة للتدبير الإلهي الَّذي بدء منذ العهد القديم، ومُشاركةٌ في عماد ربِّنا يسوع وحياته وموته وقيامتهِ مثلما علَّم بولس الرَّسول (روم 4: 6-8). فلكلِّ واحدٍ منَّا قصَّتهُ وهذه القصَّة هي ضمن مشروع الله الخلاصي وليست منفصلةً عنه، لذا، لزِمَ التذكير بهذه القصَّة للسَّماح لنعمة الله بالعمل فينا ومن خلالنا.

طقس سرِّ العماد في كنيسة المشرق

        مرَّت احتفاليَّة العماد في كنيسة المشرق بعدَّة مراحل حتَّى وصل إلينا على النحو الَّذي نحتفل به. لقد تأثَّرت بالمحيط الَّذي احتفل فيه بهذا السِّرِّ، وبالظروف السياسية والاجتماعية الَّتي عاشتها الكنيسة، إذ عانت هذه الكنيسة من الاضطهادات والَّتي جعلتها كنيسة مهجَّرة دومًا، وفقدنا الكثير من المراجع اللاهوتية والتعليمية فيما يتعلَّق بطقوسها واحتفالاتها.

هناك تأثُّر بكتابات الآباء اليونان ومدرسة أنطاكيا ومفاهيمها اللاهوتية. فالكنيسة في المشرق، وعلى سبيل المثال، لم تكن تُولي الأهميَّة لقضيَّة محو الخطيئة الأصلية بقدرِ ما كانت ترى في العماد مُشاركةً في حياة المسيح ورسالتهِ، لذا، جاء الطقس متشابهاً إلى حدٍّ كبير مع طقس القداس في البنية الأساسية نظراً لأهميَّة هذا السِّرِّ في حياة المؤمن.

كان العماد يُمنَح بعد صلاة المسا يوم سبتِ النور، ضمن الاحتفال الفصحيِّ، ثمَّ احتُفِل به في عيد الدنح والعنصرة، ومنذ مجمع مار اسحق 410 بدأوا يحتفلون بالعماد في فترات أخرى يُقرِّرها الأركذرياقون. ومن أجل نيل هذه النِّعمة، يتمُّ تحضير المعتمد كما يلي:

  • التحضير البعيد: خلال الصَّوم الكبير يتقدَّم المرشَّح إلى سرِّ العماد بطلب تسجيل اسمه، وذلك بعدما يكون قد حضر التعاليم مع رتبة التعزيم، وقبل رسم الصليب على جبينه تعبيراً عن استعداده.
  • التحضير القريب: خلال أيَّام الأسبوع المقدَّس، كان الكهنة يُقدِّسون بيت العماد لبيان رفعتهِ عند المؤمنين وكان طالبو العماد يرافقونهم في ذلك بصلواتٍ خاصَّة، بعد أن التزموا بأصوامٍ وأعمال توبويَّة تحضيراً لهذا الحدث الكبير في حياتهِم.
  • خلال هذه الأيَّام الأخيرة أيضاً يعبِّر المرشَّح عن إنكاره بالشيطان والاعتراف بالمسيح، وبعد موقفه هذا يقبل رسم الصَّلب على جبينه بالزيت المقدَّس.

أمَّا الرِّتبة الحالية ومع أنَّها مُعدَّة للبالغين إلاَّ أنَّه تمَّ تعديلها لتناسب الأطفال، وهي متأثِّرة مثلما أشرنا بترتيب احتفالية الإفخارستيا، فهناك أربع مراحل:

  1. المرحلة التحضيرية:

تبدأ هذه المرحلة عند الباب الخارجي لبيت العماد والَّذي كان مبنى مفصولاً عن الكنيسة وله بابان: بابٌ يُطلُّ على فناء الكنيسة وبابٌ يطلُّ على هيكل الكنيسة. طالبُ العماد هو إنسانٌ غريبٌ عن حظيرة المسيح ويرغبُ بدخول الحظيرة والعماد هو البابُ. لم يُسمَح لطالب العماد بالدخول إلى الكنيسة لأنَّه لم يقبل بعد عطيَّة الحياة الجديدة بالمسيح يسوع. وحافظت الكنيسة حتَّى القرن العاشر الميلادي على هذه المرحلة ولكن، ومع ازدياد عماد الأطفال لم تعد هذه المرحلة مهمَّة مثلما كانت في السابق.

يخرجُ الكاهن مع الشمامسة حاملي الشموع والمبخرة والصليب والإنجيل لاستقبال طالب العماد. يرتدي الكاهن الحُلَّة الكهنوتية تعبيراً عن السُّلطان المُعطى له للقيام بهذه الخدمة. يُرحِّب بهم من خلال موعظة قصيرة مُذكِّراً إيَّاهم بمفهوم العماد ومتطلِّباتهِ ويحثُّ المؤمنين على تجديد وعود العماد.

يُقدِّم طالب العماد أو مَن ينوب عنه رغبتهُ في نيل العماد وقد استعدَّ لذلك، فيُعلِن إنكاره للشيطان، ويسيرون بتطوافٍ نحو بيت العماد. هذه المرحلة هي بقايا لعناصر من مرحلة الموعوظية الَّتي تُلزِم الكنيسة بتنشئة المعمَّد ليتعلَّم مبادئ الإيمان إضافة إلى ممارسة الصوم والصَّلاة استعداداً لقبول الحياة الجديدة في العماد وقد رافقه عرَّابٌ يشهد له بالنزاهةِ والرَّغبة في العماد. وكان يُسمَح لطالبي العماد بالمُشاركة في الإفخارستيا إلى مرحلة التقادم، حيث يُعلِن الشمَّاس عن ضرورة خروج كلِّ مَن لم يقبل المعمودية.

تتوجَّه صلوات هذه المرحلة إلى الله الآب، فهو صاحب الوعد. هو المُبادِر والمدبِّر والَّذي وعدَ بلسان الأنبياء بالرَّجاء والحياة لجميع الناس، والَّذي أتمَّه بالمسيح يسوع، الَّذي نزلَ وفتحَ أبواب الجحيم وأبواب الكنيسة لاستقبال الخاطئين، ومحو خطاياهم وحمايتهم من الشيطان، لذا، كانت الكنيسة كلُّها تُصلِّي طالبةً نعمةَ القداسة، وتقديس الماء ليتغلَّب على عدوِّنا الشيطان، ويُصلُّون لأجلِ القادمين لكي:

  • يقبلوا وسم الحياة، بعد إنكار الشيطان وأعماله ومكملين باعترافهم بالإيمان بالله الآب والابن والرُّوح القدس …
  • يكونوا مستحقِّين لقبول هبة النعمة العظيمة، لينزعوا الإنسان القديم.. ويلبسوا الجديد …
  • ويكونوا مستحقِّين لقبول جسد المسيح ودمه من المذبح كعربون القيامة للحياة الجديدة…

تُختتم هذه الرتبة بمسح الزيت على جبين الطفل بالسبابة من الأسفل إلى الأعلى ومن اليمين إلى اليسار في إشارة إلى طهارة الطفل الأصلية مع صلاة الكاهن: “ليُرسَم فلان …”، وهذا الرَّسمُ هو من قبل الله الآب الَّذي وجدَ الخروف الضائع وأوكلَ مهمَّة رسمهِ إلى الكاهِن ليقومَ بهذه الخدمة.

هذه المسحة هي مسحة الشفاء أيضاً تعبيراً عن قُدرة ربِّنا يسوع على الشفاء من جروح الخطيئة وآلامها الرُّوحية الَّتي يتعرَّض لها كلُّ إنسانٍ، وتأكيدٌ من ربِّنا على أنَّنا لسنا وحدنا على الطريق بل هو معنا ليعتني بنا ويحمينا ويحفظنا من الشَّرِّ، ورسالة إلى الوالدين والأقارب بضرورة العناية بهذا الطفل الَّذي يُولَد في عالمٍ خاطئ سيجرحهُ ويُؤلمهُ، وهو بحاجةٍ إلى محبَّتهم واهتمامهم. كما ويشير إلى القوَّة الشافية الَّتي سترافق هذا الطفل والَّتي هي أقوى من كلِّ الجراح الَّتي سيتعرَّض لها في العالم، مؤكِّداً لنا أنَّنا لسنا وحدنا على الطريق، فهو معنا ويُرافقنا.

  1. المرحلة التكريسيَّة:

ترمز الكنيسة إلى البيت السماوي حيث تستقبِل المُستحقِّين للمُشاركة في حقيقة القيامة من خلال الدخول من بابها، باب الغفران، باب المعرفة والحقيقة، باب الحظيرة، باب الخدِر. هذه نعمةٌ من الله الآب الَّذي أظهرَ عظيمَ أعمالهِ ورحمتهِ بإرسال ابنهِ لأجل خلاصنا. 

تبدأ هذه الرتبة بتطواف من باب بيت العماد للدخول إلى بيت العماد مرتِّلين المزمور 118: 119: “افتح لي أبواب البِرِّ”، وصلاة يطلُب فيها المُحتفل من الله الآب أن يفتح أبواب الرحمةِ ليستقبل الابن الضالَّ فيقبل المعمَّد ويُدخله إلى القطيع ويثبته بالرَّسم الإلهي لأنَّه مستعدٌّ لقبول نعمة العماد.

كان الشمَّاس يتلو طلباتٍ (كاروزوثا) يُمجِّد الله الآب لتدبيره الخلاصي (التجسُّد والعماد والصَّلب والقيامة)، الَّذي صارَ للإنسان في قسمهِ الأول، وطلبات من أجل طالِب العماد. أمانة الله لوعدهِ مكَّنَت الإنسان من أن يُقدِّم هذه الصَّلاة مؤمناً برحمةِ الله الَّتي تقبل الخطأة جميعاً من دون تمييز، وسيفتح الله باب الرَّحمة، لأنَّه هو الآب الَّذي ينتظر عودة الخاطئ إليه.

صلوات هذه الرُّتبة تُقدِّم الزيت رمزاً للمسيح ورمزاً لقيامتهِ، فهو “الطبيبُ الصَّالح”، فالزيت، وكما يعرضهُ تعليم الكنيسة، “هو رمز الوفرةِ والبهجةِ، ووسيلةُ تنقيةٍ (قبل الغسل وبعدهُ)، والمرونةِ (مسحة الرياضيِّين والمصارعين)، وهو علامةُ شفاءٍ، بدليل أنَّه يُخفِّف الكدماتِ والجروح، ويُضفي على الجسدِ جمالاً وصحَّةً وقوَّة” (تم 1293).

  1. مرحلة العماد:

يحتوي بيت العماد على مذبحٍ يُمثِّل عرض الله ويُشير أيضاً إلى قبرِ المسيح، كانوا يضعون عليه كتاب رتبة العماد وكتاب الإنجيل والصليب المقدَّس الَّذي يحمله الكاهن وبه يُبارِك ماء المعمودية والمؤمنين وبخاصَّة طالبي العماد، وكان يجب على الجميع أن يتوجَّهوا نحو الصليب خلال الرتبة. أمَّا جرن العماد المصنوع من الحجر، فكان إلى جهةِ اليمين من قدس أقداس بيت العماد، وهو يرمز إلى نهر الأردن حيث اعتمد ربُّنا يسوع، وهو الرَّحمُ الَّذي يولِد فيه الإنسان ولادة روحيَّة، أو الكور الَّذي فيه ينصهِر الإنسان ويتنقَّى ليُصوَّر من جديد على صورة الله البهيَّة، وهو القبرُ الَّذي فيه يموت المعتمد مع المسيح ليقوم معه بمجد الآب مثلما يُعلِّم بولس (روم 5: 3-5).

يبدأ المُحتفِل بصبِّ الماء في الجرن ويُغطَّى بمنديل ويضع عليه الصليب والإنجيل، يُرتل خلالها الشعب ترتيلة لاخوا مارا … مع قراءاتٍ من رسالة بولس الأولى لكنيسة كورنثس (10: 1- 13)، ومن إنجيل يوحنَّا (2: 22- 3: 8)، لقاء ربِّنا يسوع مع نيقوديموس ليلاً، يتبعها طلبات (كاروزوثا) مع صلاة وضع اليد كما وردت في بعض المخطوطات. ويضع المحتفل الزيت في الوعاء ويُغطيهِ بغطاءٍ مُصلِّياً: “ابسط يا ربَّنا وإلهنا يمينَ رحمتِك وبارك هذا الزيت بنعمتِك، وأسكن فيه روحَك القُدُّوس فيقدِّسَهُ، ليكون لرسم العماد الغافِر، باسم ثالوثك الممجَّد إلى أبد الآبدين. آمين”. ثمَّ يُعلَن قانون الإيمان.

يُصلِّي المحتفل صلاة الانحناءة الأولى (كهنثا)، مُعبِّراً عن عدم استحقاقهِ لمثل هذه الخدمة، بعدها يُصلِّي على الزيت طالباً نعمة الرُّوح القُدس لتختلِط بالزيت لكي يمنح للممسوحينَ به عربون القيامة، وينالوا نعمةَ التبني والتحرُّر من شهوات الخطايا ويشتركوا في الفرح السماوي.

يُرتل بعدها الحاضرون ترتيلة قدُّوس يتبعها صلاة الانحناءة الثالثة لتكريس الزيت بحلول الرُّوح القُدس، ويرسم على الزيت في الوعاء علامة الصليب، ويسكُب من الزيت المُقدَّس المحفوظ في القارورة في زيت الوعاء من الشَّرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب مُصلِّياً: “يُرسَم ويُقدَّس هذا الزيت بزيت المسحة المُقدَّس، ليكونَ صورة الخلود في العماد الغافِر، باسم الآب والابن والرُّوح القدس”. آمين.

بعدها يُصلِّي الحاضرون صلاة الأبانا، ويعقبها صلاة الانحناء الرابعة لتكريس الماء في الجرن، فيرفعَ المنديل عنه مُصلِّياً: نعمة ربِّنا يسوع ومحبَّة الله الآب ونعمةُ الرُّوح القدس تكون معكم جميعاً، الآن وكل أوانٍ وإلى الأبد”. طالباً نعمة الرُّوح القدس لتُبارِك الماء ليحصل على القوَّة لمنحِ الخلاص والعون لمَن يعتمد به ليكونوا كاملين جسداً ونفساً، ويُقدِّموا لله المجد والاحترام والاعتراف والسجود.

يرسم على الماء ويسكُب عليه من زيت المسحة على شكل صليب قائلاً:

“يُرسَم هذا الماء، ويُقدَّس بالزيت المُقدَّس ليُصبِحَ رحماً جديداً يلد روحيًّا في العماد الغافِر باسم الآب والابن والرُّوح القدس”. آمين. 

الاحتفال بالعماد هو الاحتفال بالقيامة وهو متعلِّق بعبور المسيح من الموت إلى الحياة ليلة القيامة، مثلما يظهَر واضحاً في صلواتِ تكريس الزيت من خلال مزجه بالزيت المُقدَّس الَّذي حُفِظَ قسم منه من عهدِ الرُّسل كما تروي الحكايات الَّتي تريد التأكيد على قدسيَّتهِ. بعض القصص يقول إنَّ يوحنَّا الحبيب أخذ قطعة من الخبز من العشاء الأخير ومزجها في الماء والدم الَّذي سال من جنبِ يسوع على الصليب ونتجَ عنه زيتٌ في يدهِ. قصَّة أخرى تروي لنا كيف أنَّ الرُّسل مزجوا الماء الَّذي خرجَ من جنبِ يسوع مع ماء الأردن والحنوط الَّتي أعدَّت لدفن جسده وحفظوا ذلك للأجيال كلِّها.

المشاركة في قيامةِ المسيح الآن هي تحضيرٌ للحقيقة الساطعةِ في المُستقبل. لذا، أعطت الاحتفالية أهمية كبيرة لمسحة الزيت (مِشحا) لأنَّه يُمثِّل المسيح (مشيحا) المنتصر على الموت، ومانِح الرُّوح القدس، وقبول الرُّوح هو شرطٌ للولادة الجديدة من الماء. وكان على المُحتفِل أن يمسحَ جسد المعتمد كلَّه بالزيت المختلِط بالرُّوح القُدس تعبيراً عن إيمان الكنيسة بالقيامة وعدم الفساد والمُشاركة في الملكوت.

ويُكرَّس الماء بالزيت المُقدس، فيقبَل الماء تكريسهُ من الزيت، فنعمةُ الرُّوح القدس هي العنصر الفاعِل في التكريس بحسب التدبير الإلهي، فعندما يختلط الرُّوح بالزيت، والزيت بالماء ينزل الرُّوح القدس على المعتمد.

بعدها يُدخِل الشمامسة الأطفال أمام قُدس الأقداس ببيت العماد ليُمسحوا، وينزعوا ملابس الأطفال ويسألوهم عن اسمهم، ويُعلموا الكاهن. يأخذ الكاهن الطفل ويضعه على مذبح مُخصَّص للمسحة، وتكون وجهة المعتمد إلى الشرق، ويمسحه على صدره بالأصابع الثلاث الوسطى من الأعلى إلى الأسفل ومن اليمين إلى الشمال. وتحت تأثير الطقس اللاتيني تم إدخال أسئلة حول الكفر بالشيطان والإقرار بالإيمان بالله الآب وبيسوع المسيح والرُّوح القدس وبالكنيسة.

كما وجرت العادة أن يتمَّ اختيار اسم قديس، صديق الله، كما يُعرِّفه القديس توما الإكويني ليكون شفيعاً لدى الله وملاكاً حارساً وشهادة حياة للمُعتمد.

بعد المسحة الكاملة يأخذون الطفل عند المحتفل القائم عند الجرن ويُمسكه ويوجهه نحو المشرق، نحو الصليب والإنجيل ويضع يده اليمنى على رأسه، ويغطس رأسه في الإناء ثلاث مرَّات قائلاً:

في الأولى: يُعمَّد فلان باسم الآب: ويُجيبون: آمين.

الثانية: والابن: ويجيبون: آمين.

والثالثة: والرُّوح القُدس إلى الأبدين آمين، ويجيبون آمين.

        والإجابة بعبارة: “آمين” هي علامة مهمَّة لمُشاركة الكنيسة كلِّها في هذا الاحتفال، فهذا المعمَّد هو ابنُ الكنيسة، والاحتفالات اللِّيتورجيَّة ليست احتفالات فردية، ولكنَّها احتفالات الكنيسة الَّتي هي “سرُّ الوحدة”، لذا، تريد الكنيسة الأمُّ أن يشترِك المؤمنون مُشاركة كاملة وواعية وفاعلة في احتفالاتها اللِّيتورجية.

يُسلِّمُ الكاهن المعمَّد إلى الشمَّاس الَّذي يلفُّهُ بالمنشفة باعتناء، ويُخرجهُ من بيت العماد ويُعطيه للإشبين وليس للوالدين، ثمَّ يُلبسونه ملابسه النظيفة. ويقف الإشبين حاملاً الطفل على باب بيت العماد ومعه الشمامسة والصليب والإنجيل والشموع وقارورة الزيت.

يُمثِّل الثوب الأبيض الإنسان الجديد الَّذي لبسهُ المعمَّد، الإنسان النقي غير الملوَّث بالخطيئة. هو المسيح يسوع: “فإِنَّكم جَميعًا، وقَدِ اعتَمَدتُم في المسيح، قد لَبِستُمُ المسيح” (غلا 3: 27). فالمعموديَّة تُغيِّر الإنسان بكلِّيَّتِهِ: قلباً وذهناً وجسداً، وأعطت له وجوداً جديداً. قد لا يشعر الطفل بهذا التغيير للوهلةِ الأولى، لكنَّ الكنيسة المحتفلة معه: الوالدين والقريب والأصدقاء والمعارِف سيشعرون بأهميَّة هذا الحدث، فهذا الطفلُ هو ابنُ الكنيسة، حاملة البُشرى السَّارة، والجميع مسؤول وملتزِم بمواصلة العمل الَّذي بدأه ربُّنا يسوع قبل ألفي سنةٍ. لذا، يتطلَّب اليوم الكثير من الاستعداد من الأهل للاحتفال بهذه المناسبة، لتكتمِل الفرحة بولادة هذا الإنسان في أحضان الكنيسة، هي فرحةٌ وعيد.

                ويتبع ذلك احتفاليَّة مسحة الميرون والَّتي سنتعرَّف عليها في لقائنا المقبل.

العماد: نعمةٌ ودعوة

        عندما نقول إنَّ العماد هو نعمةٌ فهذا لأنَّ الله الآب اختارنا أبناء وبنات له من دون شرطٍ، فليس عليَّ أن أكون مثلما يُريدني هذا أو ذاك، ولن أجتهد في تحقيق ما ينتظره العالم مني، ولن أستسلِم لنظراتِ الناس عني أو ما يقولونه بشأني، فالشهرة والسلطة والمال لن تغويني، فأنا حُرٌّ منها، وحُرٌّ تماماً لله، وأسعى جاهداً لأن أكون مثلما يُريدني الله أن أكون، وهو أبٌ محُبٌّ وآمينٌ في محبَّتِهِ، حتَّى لو أخطأتُ، فأنا أؤمِن أنَّه لن يتخلَّى عنِّي. وهذه نعمةٌ كبيرة تسندني وأنا أعيش في عالمٍ خاطئ.

        والعماد دعوة لأنَّه يُناديني لأن أكون الإنسان الَّذي يرى العالم بعيون الله ويجتهد في تغييره مستخدماً المواهب الَّتي أنعمَ الله عليَّ بها. نعمةُ الرُّوح الُقدس تهبُ للإنسان الحريَّة والكرامة (2 قور 3: 17)، وعليه كإنسان مسؤول أن يلتزم مسيرة العيش مسيحيًّا، شاهداً للمسيح يسوع، ووهي مسيرة تتطلَّبُ المُثابرة على الطريق، عارفين أنَّنا نحملُ رسالةً في هذا العالم وهي الغاية من نعمة سرِّ التثبيت.

شاهد أيضاً

تلكيف: مجرد اقتراح

تلكيف: مجرد اقتراح الكردينال لويس روفائيل ساكو  تلكيف لا تبدو بلدة مسيحية ولا كلدانية، بعدما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *