الرئيسية / المقالات / السادس من الصوم:الروحانية تُرِيحُنا

السادس من الصوم:الروحانية تُرِيحُنا

السادس من الصوم:
الروحانية تُرِيحُنا

الأب ريبوار عوديش باسه
قراءات قداس الأحد السادس من موسم الصوم:

الاولى: من سفر يشوع بن نون (٢١، ٤٣ ـ ٤٥) تصف انجازَ الرب وعدَه.
الثانية: من الرسالة الى اهل رومية (١٤، ١٠ ـ ١٩) تدعو الى عيش المحبة من خلال العلاقات اليومية.
الثالثة: من انجيل يوحنا (٩، ٣٩ ـ ٤١؛ ١٠، ١ ـ ١٢) تنقل لنا خطاب يسوع الراعي الصالح. انه تشبيه بالله الراعي الأبدي كما جاء في سفرالمزامير.

تفسير نص القراءة الأولى من سفر يشوع بن نون (٢١، ٤٣ ـ ٤٥) وتأوينه:

تشكل هذه الآيات الثلاث خلاصة لاهوتية لكل ما جاء في الفصول السابقة من سفر يشوع بن نون. ويتم التوكيد فيها على بقاء الله أميناً لعهده ووعده لشعبه حيث حرره من العبودية وأوصله للحرية وأملكه أرض الميعاد. أما الشعب فلم يكن دائماً أميناً لعهده ووعده، بل خان مراراً وتكراراً وصايا الله، وتذمر عليه، وتحالف مع الغرباء. وبالرغم من كل ذلك يبقى الله سيد التاريخ، ولا أحد يستطيع أن يقف أمام تدبيره الخلاصي. كلمته لابد وأن تتحقق. ومن يؤمن بها يخلص، ومن يخالفها يُدان (قارن: يو ٣، ١٨).

“وأَعْطى الرَّبُّ …” (يش ٢١، ٤٣): يصل الشعب العبراني بعد أربعين سنة في البرية لأرض الميعاد ويستقر فيها. بعد بلوغ الشعب لهذه الدرجة من الحرية والاستقلالية والاستقرار، عليه ألا ينسى بأن كل ذلك هو هبة من الله. فالله قد أعطى ” … إِسْرائيلَ كُلَّ الأَرضِ الَّتي حَلَفَ أَنَّه يُعْطيها لآبائِهم …”. لولاه لبقيّ الشعب عبداً لفرعون، ولولا مرافقته له لما تحققت الكثير من الأعاجيب، ولمات الشعب كله في الصحراء من الجوع، وأكلته وحوش البريّة. لولا مساندة الرب له عند دخوله لأرض الميعاد، لهُزِّم من قبل أعدائه. كان الرب مع بني إسرائيل ليلاً ونهاراً، وأنقذهم دوماً من كل المخاطر. ولهذا على الأجيال الجديدة ألا تنسى كل تلك النعم الإلهية وبركاته: ” ١٠ وإِذا أَدخَلَكَ الرَّب إِلهُكَ إِلى الأَرضِ الَّتي أَقسَمَ لآبائِكَ إِبراهيمَ وإِسحقَ ويَعْقوبَ أَن يُعطِيَكَ إِيَّاها مُدُنًا عَظيمةً حَسنةً لم تَبنِها، ١١ وبُيوتًا مَمْلوءَةً كُلَّ خَيْرٍ لم تَملأْها، وآبارًا مَحْفورةً لم تَحفِرْها، وكُرومًا وزيتونًا لم تَغرِسْها: وإِذا أَكَلتَ وشَبِعتَ، ١٢ فاحذَرْ أَن تَنْسى الرَّبَّ الَّذي أَخرَجَكَ مِن أَرضِ مِصر، مِن دارِ العُبودِيَّة، ١٣ بلِ الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقي وإِيَّاه تعبُدُ وبِاسمِه تَحلِف” (تث ٦، ١٠ ـ ١٣).
إن موضوع اعطاء الله الأرضَ لإسرائيل يرجعنا لسفر التكوين حينما وهب اللهُ للإنسان الأرض كلها (تك ١، ٢٧ ـ ٣٢). لكن الإنسان اساء لمبدأ الحرية، فوقع في عبودية الخطيئة (تك ٣). وتاريخ الخلاص يُبين كيف أن الشعب الإسرائيلي على هذا المنوال وقع في الخطيئة بعد أن وهبه الله أرض الميعاد، لينتهي به الأمر مرة أخرى في عبودية السبي والغربة.

“وأَراحَهُمُ الرَّبُّ …” (يش ٢١، ٤٤): بعد ذكر “واقاموا فيها” في نهاية الآية السابقة تأتي كلمة “الراحة” في مطلع هذه الآية. وبهذا يتبين بأن الراحة تأتي من الاستقرار. كلمة الراحة في هذا السياق هي قبل كل شيءٍ مرادفة للسلام الذي يمنحه الله لشعبه، وذلك من خلال تحقيق الخلاص له بتخلصيه من أعدائه: ” … ولم يَثبُتْ أَمامَهم أَحَدٌ مِن جَميعِ أَعْدائِهم، بل أَسلَمَ الرَّبُّ إِلى أَيديهم جَميع أَعْدائِهم”. “الراحة” هنا تشير أيضاً إلى الاستقرار الذي يأتي أخيراً بعد رحلة طويلة وشاقة من عبودية مصر نحو أرض الميعاد، وبعد حروب وصراعات، والتذمر والخطايا، حيث يصل الشعب الإسرائيلي لهدفه المنشود بفضل مرافقة الرب له، ومنحه كل النعم والبركات.
ترد كلمة “الراحة” في مزمور ٢٣ وذلك في سياق شعري لترمز لمحبة الله لشعبه ومرافقته له كالراعي الأمين والصالح الذي لا يترك خرافه. هذه المرافقة الإلهية توصل المُزمِر لدرجة من راحة البال والسكينة الروحية وعدم الخوف بالرغم من كل المخاطر والأعداء والحيوانات المفترسة ووادي الظلمات، ليعلن ويقول: “١… الرَّبُّ راعِيَّ فما مِن شيَءٍ يُعوِزُني، ٢ في مَراعٍ نَضيرةٍ يُريحُني. مِياهَ الرَّاحةِ يورِدُني، ويُنعِشُ نَفْسي” (مز ٢٣، ١ ـ ٢).
الرب يسوع، الراعي الصالح الذي بذل ذاته من أجل خرافه (يو ١٠، ١ ـ ٢١)، يؤكد أيضاً وبشكل صريح بأن الراحة الحقيقة تأتي من خلال التوجه إليه والتتلمذ على يده وإتباعه، قائلاً: “٢٨ تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. ٢٩ اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم، ٣٠ لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف” (مت ١١، ٢٨ ـ ٣٠).
إذن من العلامات الدالة لإيمان الإنسان هي الراحة والطمأنينة. وهذا لا يعني بأن ذلك المؤمن ليس لديه مشاكل وصعوبات وتحديات، وإنما يدل على أنه يستطيع أن يواجهها بالقوة التي يمنحها الله له، وبالثقة الراسخة بأنه لا بد وأن ينتصر الحق على الباطل، والخير على الشر، والمحبة على الكراهية، والحياة على الموت. إن الحياة الروحية بشكل عام والصلاة بشكلٍ خاص تمنحنا الراحة. المشاركة في القداس الإلهي وغيرها من المراسيم الطقسية تجعلنا مملؤين بالفرح والسعادة، والطمأنينة والراحة والسكينة. وكل ذلك بلا شك هو هبة من الروح القدس. فمن منا لم يختبر هذه الراحة الروحية عندما سامح وغفر وتصالح! من منا لم يختبر راحة البال وهو يغادر منبر الاعتراف بعد أن تصالح مع الله والقريب والذات!
أود أن أشارك القارئ بخبرة شخصية فيما يتعلق بالصلاة والراحة. فعندما كنت طالباً في كلية بابل الحبرية للفلسفة واللاهوت ببغداد، كان الأب الفاضل منصور المخلصي أحد اساتذتي. وكنت ألاحظ بأنه بعد أن تنتهي محاضرته لنا وتبدأ الفرصة، كان يتوجه للكنيسة الصغيرة في الكلية. وهذا ما أثار فضولي، فتجرأتُ وسألته يوماً عن سبب ذلك؟! فردّ قائلاً بأنه في الفرصة يُفضل أن يدخل الكنيسة ويجلس ويستريح أمام القربان المقدس بصمتٍ وهدوءٍ بعيدٍ عن صخب الحياة وضجيجها، طالباً من الرب يسوع أن يمنحه الراحة والحكمة لكي يتهيأ لمحاضرته اللاحقة ولغيرها من المهام.

“كَلماتِ الخيرِ التي كَلَّمَ الرَّبُّ …” (يش ٢١، ٤٥): إن كلمة الله خلاقةٌ، وليس مثل كلام البشر الذي غالباً ما يقال، فيطير ويتلاشى. الله بكلمته خلق العالم بأسره، وخلصه بتحقيق وعوده. وعليه يأتي التأكيد هنا على أنه “لم تَسقُطْ كَلِمةٌ واحِدَةٌ مِن جَمِيع كَلماتِ الخيرِ الَّتي كَلَّمَ الرَّبُّ بِها بَيتَ إِسْرائيل، بل تَمَّت كُلُّها”. الرب كان قد وعد إبراهيم بأرض (قارن: تك ١٢، ١. ٧؛ ١٥، ١٨؛ اع ٧، ٢ ـ ٣)، وكذلك لموسى والشعب كله بأرض الميعاد (خر ٣، ٧ ـ ٩). ونرى كيف تحقق بالفعل كل ذلك، وكيف كانت الكلمات الإلهية خيراً لبيت اسرائيل. إذن كلام الله ليس إلا خيراً، ومن يؤمن به ويعيشه يجد الراحة والسعادة والخلاص.
إن كان سفر يشوع بن نون يقول بأنه “لم تَسقُطْ كَلِمةٌ واحِدَةٌ” من كلام الله، فإن الرب يسوع يؤكد بشكل أكبر على هذا الأمر حيث يستبدل “كلمة واحدة” بـ “حرف واحد”، والأدق بـ “ياء واحدة” أي الحرف الأصغر حجماً في الأبجدية العبرية، و”نقطة واحدة”، وذلك قوله: ” فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَتِمَ كُلُّ شَيء” (مت ٥، ١٨).
وبما أنه لدينا في متناول أيدينا الكتاب المقدس، هذا الكنز الروحي الثمين الذي يعطينا الفرح والسعادة، والراحة والطمأنينة، والحرية والخلاص، فلنستفد منه ولنقرأه ونطبقه في حياتنا، متعلمين من الأجيال والأجيال ممن سبقونا ونقلوا لنا خبراتهم وكيف حقق الله لهم الخلاص، لنجد نحن أيضاً الراحة والخير والبركات والخلاص. ولنختم بوصية الكتاب المقدس عن كيفية حفظ كلمات الرب والتأمل بها في كل زمان ومكان: “٦ ولتكُنْ هَذه الكَلِماتُ الَّتي أَنا آمُرُكَ بِها اليَومَ في قَلبِكَ. ٧ ورَدِّدْها على بَنيكَ، كلِّمْهم بِها إِذا جَلَستَ في بَيتِكَ، وإِذا مَشَيتَ في الطَّريق، وإِذا نِمْتَ وقُمْتَ. ٨ وأعقِدْها عَلامةً على يَدِكَ، ولتكُنْ عَصائِبَ بَيْنَ عَينَيكَ. ٩ واَكتُبْها على دَعائِم أَبْوابِ بَيتِكَ” (تث ٦، ٦ ـ ٩).

عن Maher

شاهد أيضاً

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد الثالث من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *