الرئيسية / المقالات / مقال في الاستخدام السيء للمال

مقال في الاستخدام السيء للمال

مقال في الاستخدام السيء للمال

شاكر يوحنان زيتونة

«لاَ يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ» (لو16: 13). يستحيل أن نخدم المال بأمانة لحساب العالم ونكون في ذات الوقت أمناء في خدمة المسيح بالروح والحق. لكي نكونَ أُمَناء للمسيح، تصبح خدمتنا للمال لحساب السيد المسيح، بمَعنى أنْ نأخذ منه الكفاف والباقي في مشروعات لحساب الفقراء والمساكين فيكون لنا كنزٌ في السماء. ولكي نكون أُمناء للمال لابد أن نجاهد ونبذل ما في وسعِنا لنستزيده وجمعهُ في البنوك فلا نُساعِد الفقراء والمحتاجين، بل نقع بعضِ الأحيانِ في خطيئة الرِّبا. يسوع لم يَكُن لديه مشكلة في أنْ يمتلك الأغنياء الأموال، ولكن كان يخشى من طريقة استخدامهم لها. فالغني عند استخدامِهِ للمالِ، يعتقد بأنّهُ يمتلك سلطةً مُطلقة وهو، نفسه، قادر على فعلِ أيّ شيء والآخرين يصبحون أدنى منه، فهو الملك ونحن العبيد. هكذا يحدُثُ في بعضِ الأحيان في بيوتِ الأغنياء، فإنَّ بعضَ الخدمِ يصبحون بدونِ حقوق أو واجبات وهذا الفعل يعتبر ضد تعليم الكنيسة، ضد كرامة الشخص البشري: «لكل إنسانٍ الحقُ في أن ينالَ كرامةَ الشخصِ البشريِّ، منذ اللحظةِ الأولى للحبلِ بهِ وحتى موته الطبيعي. يجبُ أن يكونَ هذا المبدأُ الأساسيُّ، الذي يعبِّر عن فائقِ القبولِ للحياةِ البشريةِ، في صلبِ التفكُّرِ الأخلاقيّ حول أبحاثِ الطبّ الحيوي، الذي يتمتعُ في عصرِنا هذا بأهميةٍ متزايدة» (مجمع العقيدة والإيمان “كرامة الشخص البشري”، 1).

الربّا، هو عبارة عن مكاسب أو استغلال بظلم يضاف في التجارة أو الأعمال التجارية. هو الزّيادة، إمّا بنفس الشّيء، وإمّا بشيء آخر مقابل له؛ كالزيادة على الدَّين. من يقرضني المال يستطيع أيضًا أنْ يستفيد من وضعي: فأنا مُحتاجٌ إلى المال، لأنّني جائع ولا أملكُ شيئًا لأسنُدَ بهِ جوعي، أو أملك عائلة وأريدُ أنْ أُعينها، أذهب للحصول على قرضٍ من غنيٍّ، فأخذُ منهُ مبلغًا ولكن عند سداده يجب بأنْ اعطيه الضعف كفائدةٍ، فبهذا، الغني، قام باستغلالي، واستفاد من ظرفي العسير. في زمن المسيح، من كان غنيًّا، كانَ يملك العديد من المحاصيل الزراعية: يأتي الفقراء إلى الغني ويطلبون المعونة بحسب حاجتهم، فيعطيهم بالدين لمدة محدودة من الزمن يوافق عليها كلا الطرفين، ألا أنْ يعيد ضُعف ما عليه. هكذا كانوا يستغلون الفقراء ومن كان لا يقدر بأنْ يسدّد دينه، فكان من حقِّ الغني أنْ يأخذه كخادم. «لا تُقرِضْ أَخاكَ بِفائِدَةٍ في فِضَّةٍ أَو طَعامٍ أَو شَيءٍ آخَرَ مِمَّا يُقرَضُ بِالفائِدَة، بل تُقرِضُ الغَريبَ بِالفائِدَة، وأَمَّا أَخوكَ فلا تُقرِضْه بِالفائِدَة، لِكي يُبارِكَ الرَّب إِلهُكَ جَميعَ أَعْمالِ يَدَيكَ، في الأَرضِ الَّتي أَنتَ داخِلٌ إِلَيها لِتَرِثَها» (تث 23: 20-21). يعتبر، القديس توما الاكويني، الرِّبا بحدِّ ذاتِها سيئة ومن يرتكبها، يرتكب خطيئة يعاقب عليها.

اكتناز الأموال، كلمةٌ يونانية (ماموناس) من أصلٍ أرامي (مامون)، وتعني “الملكية المكتسبة عن غير أمانة، بدون إخلاص، عن طريق التظليل”. أي أنَّ الذي يكتسب الأموال، كان يكتسبها عن طريقةٍ غير شرعية، لم يكن أمينًا على كسبها. وبهذا الصدَد يروي لنا الإنجيليّ لوقا، في الفصل السادس عشر، مثلين يتحدّثان عن العلاقة بين الإنسان والمال: مثل الوكيل الخائن (لو 16: 1-15) ومثل لعازر والغني (لو 16: 19-31). 

أن الإنسان الغنيّ، في مثل الوكيل الخائن (لو 16: 1-15)، كان له وكيل وكان يتعامل مع متاجر يبيع لهم الزيت الخارج من معصرته. هذا وكان يمتلكُ صلاحيات كبيرة في المطالبة بالديون رفع القضايا وقفل المحلات في حالة عدم سداد القرض أو الدين، نظير ذلك فهو يعمل عند صاحب الأرض، إمَّا بالعمولة أو بالأجر، وغالباً كان ذلكَ بالعمولة. أنّهُ يحابي التجَّار، في هذا المثل، على حساب صاحب الأرض – كان يبذِّر أمواله التي تُحسب نوعاً من التبديد – لهذا صمَّم على عزله، عليه أن يسلِّم دفاتر الوكالة وجميع الإيصالات.

عرف الوكيل أنه سيُطرد من وكالته حتماً، فذهب وغيَّر الوثائق التي تفيد مديونية الناس للغني، فالذي عليه مائة مكيال زيت جعله يغيِّر الصك المكتوب إلى خمسين، والذي عليه مائة مكيال قمح جعله يكتب ثمانين، حتى إذا طُرد من وظيفته يمكنه أن يستردّ جزءاً من هذه المختلسات لنفسه ليعيش منها. فلا شك أن هذا الإجراء الماكر مرفوض قانونيًا وأدبيًّا، لأنّه يعتبر اختلاسًا. لكنه عمل ذلك بحكمة الأشرار من أجل حياته على الأرض. المسيح يقصد من هذا المثل لا أن نقتدي بالوكيل ولكن أن نتعلَّم حكمته، لأنّهُ عرفَ التصرف.

أمَّا مثل الغنيّ ولعازر (لو16: 19-31) فيتكلم عن شخصيتين: الغني المتنعِّم بالمال، ولعازر الفقير الملقى عند باب الفقير. اسم “لعازر” معناهُ “الله يعين”. كانت صورتهُ مجسَّمة لبؤس البشرية التي تقع ضحايا للغِنَى. إقامته المفضَّلة، كانت بجوار باب قصر الغنيّ حتى يتلقَّى الفتات الساق من مائدة الغنيّ، مُكتفيًا بها يترقّبها كل يوم بفارغ الصبر، فباتَتْ عنده هي كل معيشته. صار وجوده هكذا باستمرار، مؤذياً لنظر الغني، لأنه يُفسد جمال المدخل الرخامي، فبصعوبة رَضِيَ بوجوده.

كانَ الغني يأكلُ كثيرًا ولا يفكّر إلا في الأكل. خطيئتَهُ ليست لأنّه كان يملك الكثير من الأموال، ولكن لاستخدامه السيء لها. يتوسَّل الغنيّ لدى إبراهيم أن يُرسل لعازر إلى بيت أبيه من أجل إخوته الخمسة العائشين بعيداً عن الله مثله. ويرد عليه إبراهيم بأنَّ الناموس والأنبياء كافية لكي تكمِّل إيمان الإنسان بالله وتعدَّه للتوبة والحياة. في هذا المثل، بين لعازر والغني تكونت هاويةً عميقة، التي كانت تكبر كل يوم ليس فقط على الأرض بل في السماء أيضًا. فالغنيّ كانَ يُفكِّر بنفسِهِ وببطنِه ولم يَكُن يهتم بأحد.

المصادر:

  • متي المسكين، الإنجيل بحسب لوقا “دراسة وشرح وتفسير”، ط1، دير أنبا المقَّار- القاهرة، سنة 1998.
  • Léopold Sabourin, Il vangelo di Luca: introduzione e commento, PIMME, Roma 1989, 277-285.
  • Leonardo Salutati, Cristiani e uso del denaro, UPI, Roma 2014, 30-70.

 

عن Maher

شاهد أيضاً

معاني الأحلام بين الأمس واليوم

معاني الأحلام بين الأمس واليوم المطران الدكتور يوسف توما يعطي الانسان في جميع أطواره أهمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *