الرئيسية / المقالات / أحد السعانين

أحد السعانين

أحد السعانين:

أوشعنا؛ يا ربّ خلصنا

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس أحد السعانين:

الأولى: من سفر زكريّا (٩، ٩ ـ ١٢) تصف دخول المسيح الظافر إلى أورشليم، دخول لرفع قيم المحبة والتواضع والسلام.

الثانية: من الرسالة الى اهل رومية (١١، ١٣ ـ ٢٤) تقيم مقارنة بين اليهود الرافضين والوثنيين القابلين المسيح بحماسة.

الثالثة: من إنجيل متّى (٢٠، ٢٩ ـ ٣٤؛ ٢١، ١ ـ ٢٢) تروي دخول المسيح إلى الهيكل وهو رمز إلى هيكل قلوبنا ليطهّره ويقدسه.

تفسير نص القراءة الأولى من سفر زكريّا (٩، ٩ ـ ١٢) وتأوينه:

عيد السعانين من الأعياد المميزة كونه يأتي بالضبط قبل بدء أسبوع الآلام، ونتذوق فيه فرحة القيامة. وهذا ما يركز عليه الإنجيلي يوحنا حيث أنه بعد سرده لحدث دخول يسوع لأورشليم، يقول: “… ١٦ هذهِ الأَشياءُ لم يَفهَمْها تَلاميذُه أَوَّلَ الأَمرِ، ولَكِنَّهم تَذَكَّروا، بَعدَما مُجِّدَ يسوع، أَنَّها فيهِ كُتِبَت، وأَنَّها هي نَفسُها لَه صُنِعَت. ١٧ وكانَ الجَمْعُ الَّذي صَحِبَه، حينَ دَعا لَعازَرَ مِنَ القَبْر، وأَقامَهُ مِن بَينِ الأَموات، يَشهَدُ له بِذلك … “ (يو ١٢، ١٢ ـ ١٩).

النص الذي اختارته كنيستنا الكلدانية للقراءة للأولى في قداس أحد السعانين يُعد من أجمل النصوص التي تصف مجيء المسيح، ملك السلام ومخلص العالم. فلنتأمل به ولنعيشه في حياتنا كي نفسح المجال لملك السلام بأن يحل في قلوبنا، ويمنحنا أمنه وسلامه، ويغمرنا بمحبته ورحمته.

دخول ملك السلام إلى مدينة السلام (زك ٩، ٩): يبدأ النص بالدعوة للابتهاج والهتاف بحدث دخول المسيح المنتظر إلى مدينة أورشليم. ما من سعادة أكبر من تحقيق وعد الله الخلاصي بمجيء الملك المنتظر. بنت صهيون” و“بنت أورشليم” هي تعابيرٌ مجازيةٌ يقصد بها كل الشعب الإسرائيلي الذي ينتظر مجيء المسيح الملك، ويبتهج ويهتف عند قدومه. الوعد الإلهي بمجيء المسيح مرتبط بطبيعة الحال مع العهد الذي قطعه الرب مع إسرائيل بإرسال المخلص (قارن على سبيل المثال: اش ٩، ٥ ـ ٦؛ مي ٥، ١).

“هُوَذا مَلِكُكَ آتِياً إِلَيكِ“: إن الفعل “آتِياً” هنا لا يعني فقط آتياً نحوك، بل أيضاً آتياً من اجلك لتحقيق الخير والخلاص لك. وبعد وصف الشخص الآتي بأنه مَلِكُكَ”، يكمل النص وصفه له بأنه “بارٌ” أي يعمل بحسب إرادة الله، و “مخلص” شعبه من خطيئته ومن إعدائه. إن الفعل “آتِياً” يرجعنا لمزمور ١١٨ حيث ترد العبارة الجميلة والشهيرة: “تَبارَكَ الآتي باْسمِ الرَّبِّ، نُبارِكُكم مِن بَيتِ الرَّبِّ” (مز ١١٨، ٢٦). الجدير بالملاحظة بأن التعبير الذي يأتي قبل هذه العبارة مرتبط بالخلاص، ومهم للغاية وخاصة بالنسبة لأصل عيد السعانين، حيث نقرأ في المزمور ما يلي: “إِمنَحِ الخَلاصَ يا رَبُّ اْمنَحْ، إِمنحِ النَّصرَ يا رَبُّ اْمنَحْ” (مز ١١٨، ٢٥). بالضبط في هذه الآية يرد لأول المرة التعبير العبري “هوشيع نا” أي “امنح الخلاص”، ومنه جاء المصطلح: “أوشعنا” المستخدم في الأناجيل. وقد تحول نداء الاستغاثة هذا مع مرور الزمن وخاصة في النصوص الإنجيلية (مت ٢١، ٩؛ مر ١١، ٩؛ يو ١٢، ١٣) لهتاف تمجيد الرب الذي حقق بالفعل الخلاص بمجيء المسيح المنتظر. وفي المزمور عينه ترد أيضاً بعض الرموز التي تحققت يوم دخول الرب يسوع لأورشليم لتصبح فيما بعد جزءاً من طقوس هذه العيد وتمارس لحدّ اليوم في عيد السعانين كالمشي بمواكب وحمل الاغصان، حيث يذكر في المزمور ما يلي: الرَّبّ هو اللهُ وقد أَنارَنا، فرُصُّوا المَواكِبَ والأغْصانُ في أَيديكم حتَّى قُرونِ المَذبَح” (مز ١١٨، ٢٧).

الصفة الأخرى للملك هي التواضع، إلا أن المصطلح العبري المستخدم هنا أكثر مما يشير للتواضع يشير للإنسان المتألم. وهذا يتوافق، على سبيل المثال، مع الوصف الذي جاء عن المسيح المنتظر في النشيد الرابع عن عبد يهوه المتألم في سفر اشعيا (اش ٥٣).

“راكِباً على حمارٍ، وعلى جَحشٍ آبنِ أتان”: قبل كل الشيء ينبغي الأخذ بعين الاعتبار بأن ما جاء هنا لا يعني بأن الملك يأتي راكباً في الوقت عينه على حمارٍ وعلى حجشٍ كون ذلك مستحيل وغير منطقي، وإنما العبارة الثانية تأتي لتصف الحمار بأنه جَحشٌ صغيرٌ. والأناجيل تضيف بأنه لم يركبه بعد احدٌ: “وقالَ لَهما: «إِذهَبا إِلى القَريَةِ الَّتي تُجاهَكُما، فَما إِن تَدخُلانِها حتَّى تَجِدا جَحْشاً مَربوطاً ما رَكِبَه أَحَد، فحُلاَّ رِباطَه وأتِيا بِه»” (مر ١١، ٢؛ قارن: لو ١٩، ٣٠). أما المعنى من ركوب الحمار، فهنالك عدة تفاسير نذكر أبرز اثنين منها. الأول يقول بأن ذلك يرمز لتواضع الملك، وسياق النص يؤكد على ذلك حيث أن الكلمة التي تسبق هذا الوصف هي كلمة وَضيعاً”. أما التفسير الثاني، فيعتبر استخدام الحمار كوسيلة للنقل رمزاً للسلام كونه يستخدم عادة في أوقات السلم، عكس الخيل الذي يستخدم في الحرب. والنص يشير لهذا السلم عندما يقول عن الملك بأنه يُكَلِّمُ الأُمَمَ بِالسَّلام”.

من الحرب إلى السلام (زك ٩، ١٠): يدخل الملك إلى مدينة أورشليم بطريقة سليمة، من دون استخدام أية قوى عسكرية، لأن قوته هي من الله، وبدخوله يبدأ السلام في اورشليم وفي أرجاء المعمورة. هذا الأمر يؤكد عليه النص حينما يتحدث عن استئصال الملك لكل الاسلحة الحربية التقليدية كالمركبة والخيل وقوس القتال. وعوضاً عن ذلك يأتي الملك محاوراً الأمم بالسلام. ذكر “الأمم” مع عبارة “من البَحرِ إِلى البَحْر، ومِنَ النَّهرِ إِلى أَقاصي الأَرْض” يؤكد بأن سلطان المسيح المنتظر هو شمولي وسلامه هو للكون بأسره. وبجانب السلام يأتي الملك بالوحدة للملكة إسرائيل كون النص يذكر أفرائيم أي مملكة الشمال، وأورشليم عاصمة يهوذا جنباً إلى جنب، ويستأصل من كلاهما كافة ملامح الحرب والانقسام.

من الجُبِّ إلى الحصن (زك ٩، ١١ ـ ١٢): إن عبارة وبِدَم عَهدِكِ أَنتِ أَيضاً” يذكرنا بالعهد الذي قطعه الرب مع الآباء (قارن: خر ٢٤، ٨) وكيف بقيّ اميناً مع بني اسرائيل بالرغم من خيانتهم له.

أما عبارة “أُطلِق أَسْراكِ مِنَ الجُبِّ الَّذي لا ماءَ فيه” فترجعنا لقصة يوسف عندما قام اخوته برميه في بئرٍ بلا ماء: ٢٢ وقالَ لَهم رأُوبين: «لا تَسفِكوا دَمًا، اِطْرَحوه في هذه البِئرِ الَّتي في الحَقْل ولا تُلْقوا أَيدِيَكم علَيه»، ومُرادُه أَن يُخَلِّصَه مِن أَيديهِم ويَرُدَّه إِلى أَبيه. ٢٣ فلَمَّا وَصَلَ يوسفُ إِلى إِخوَتِه، نَزَعوا عنه قَميصَه، القَميصَ المُوَشَّى الَّذي علَيه٢٤ وأخَذوه وطَرَحوه في البِئر، وكانَتِ البِئرُ فارِغَةً لا ماءَ فيها٢٥ ثُمَّ جَلَسوا يَأكُلون …” (تك ٣٧، ٢٢ ـ ٢٥). كما إنها تذكرنا كيف يُلقى أرميا النبي هو الآخر في بئر بلا ماء ومملوءٍ بالطين ليصبح له سجناً: “فأَخَذوا إِرمِيا وأَلقَوه في جُبِّ مَلكِيَّا آبنِ المَلِكِ الَّذي في دارِ الحَرَس، ودَلَّوا إِرمِيا بِحِبال. ولم يَكُنْ في الجُبِّ ماء، بل وَحْلٌ فغاصَ إِرمِيا في الوَحْل”(ار ٣٨، ٦). كما أن المعنى الرمزي لبئر بلا ماء يشير بشكل خاص للأسر في منفى بابل، والخروج منه يتمثل بالرجوع لأورشليم بعد سقوط بابل. وهذا ما يؤكد عليه النص بذكر “الأسرى” مرتين بصيغة الجمع. كما يجدر الملاحظة بإن من علامات انتهاء الحرب هو تحرير الأسرى. فهذا ما يجري عادة فور اعلان انتهاء الحرب. ونحن العراقيون اختبرنا هذا مراراً. فعلى سبيل المثال، جرى هذا في نهاية الحرب العراقية الإيرانية وغيرها من الحرب، وكذلك ما يجري حالياً بتحرير المختطفين والمختطفات من قبضة تنظيم داعش الإرهابي وذلك بعد دحره.

عندما نقرأ عبارة “أُطلِق أَسْراكِ مِنَ الجُبِّ الَّذي لا ماءَ فيه” على ضوء الإنجيل يمكننا القول بأن البئر يمكن فهمه كإشارة للآلام والموت وبشكل خاص للقبر، أما الخروج منه فيرمز للقيامة.

وهكذا حينما نقارن بين المصطلحين “الحفرة” و “الحصن” يبرز الخلاص الذي يأتي به الملك الآتي باسم الرب. إن “الحفرة” الفارغة من الماء غالباً ما تكون مملؤة بالوحل ومصير من يُلقى فيها هو الهلاك لا محال، بينما يكون الحصن مبنياً من الصخور وفي مكان مرتفعٍ، وفيه يكون الإنسان محمياً. وهنا يأتي دور المسيح الخلاصي بإنقاذ الإنسان من الحفرة ووضعه في حصن.

ورود كلمة “الرجاء” في نهاية سرد الدخول الملكي للآتي باسم الرب إلى مدينة السلام، وانهائه لملامح الحرب، يبين كيف انه قدومه يعطي الرجاء للبشرية جمعاء.

يُختتم نصنا بهذه الكلمات: “… أَنِّي أَرُدُّ علَيكِ ضِعفَين”. ما يقصد هنا هو المجد الذي يأتي مضاعفاً بعد الآلام والمعاناة. اشعيا النبي يقول بهذا الشأن ما يلي: ٦ أَمَّا أَنتُم فتُدعَونَ كَهَنَةَ الرَّبّ، ويُقالُ لَكم خَدَمَةُ إِلهِنا، تأكُلونَ غِنى الأُمَم وبمَجدِها تَفتَخِرون. ٧ بَدَلَ أن يُضاعفَ خَجَلُكم، وبَدَلَ الخِزْيِ الَّذي يهتِفونَ أَنَّه نصيبُهم، يَرِثونَ في أَرضِهم ميراثاً مُضاعَفاً، وفرحٌ أَبدِيٌّ يَكونُ لَهم. ٨ لِأَنِّي أَنا الرَّبُّ مُحِبُّ الحَقّ، مُبغِضُ النَّهبِ والظُّلْم، فأُعْطيهمِ المُكافَأَةَ في الحَقّ، وأُعاهِدُهم عَهداً أَبَدِيّاً. ٩ وستُعرَفُ ذُرِّيَّتُهم في الأُمَم، وسُلالَتُهم بَينَ الشُّعوب، فكُلُّ مَنِ رآهم يَعرِفُهم، لِأَنَّهم ذُرِّيَّةٌ بارَكَها الرَّبّ” (اش ٦١، ٦ ـ ٩).

كل ما جاء في القراءة الأولى ينطبق على الرب يسوع المسيح ملك السلام الذي علّمَ الإنسانية المحبة والغفران، وزرع الرجاء في قلوب الناس، وعاش باراً ومتواضعاً، ومات في سبيل أحبائه، وانتصر على الشر بالخير وعلى الموت بالقيامة.

شاهد أيضاً

تلكيف: مجرد اقتراح

تلكيف: مجرد اقتراح الكردينال لويس روفائيل ساكو  تلكيف لا تبدو بلدة مسيحية ولا كلدانية، بعدما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *