الرئيسية / المقالات / البابا بندكتس يكسر الصمت ويكتب حول أزمة الاعتداءات في الكنيسة

البابا بندكتس يكسر الصمت ويكتب حول أزمة الاعتداءات في الكنيسة

البابا بندكتس يكسر الصمت ويكتب حول أزمة الاعتداءات في الكنيسة

الفاتيكان 13 – 04- 2019

“تنبع قوّة الشرّ من رفضنا لمحبّة الله… بالتالي، فإن تعلّم محبة الله هو طريق الخلاص البشري”. هذا ما كتبه البابا الفخري بندكتس السادس عشر في مقال له باللغة الألمانية، تم نشرها بمجلة “كليروسبلات” الشهرية الصادرة في ولاية بافاريا الألمانية، ورغب من خلالها تسليط الضوء على ويلات الاعتداءات على القاصرين المرتكبة من طرف بعض أعضاء الإكليروس.

ينطلق بندكتس السادس عشر في مقالته، التي تعد من أهم تصريحاته منذ استقالته من البابوية عام 2013، من اللقاء الذي جرى مؤخرًا حول حماية القصر في الكنيسه في الفاتيكان في شباط الماضي. وكان البابا فرنسيس قد دعا إليه من أجل بثّ “رسالة قويّة ولجعل الكنيسه مرةّ جديدة ذات مصداقية، كنورٍ بين الشعوب، وكقّوة في الخدمة ضد قوى التدمير”.

وفي المقالة المكوّنة من حوالي ستة آلاف كلمة، يعرب بندكتس السادس عشر عن رغبته في تقديم مساهمته الخاصة في هذه اللحظة الهامة من حياة الكنيسة “على الرغم من أنني، وبصفتي فخريًا، لم أعد مسؤولاً بشكل مباشر”. وفي ختام مقالته، يقدّم الشكر لخلفه البابا فرنسيس “على كل ما يفعله، ليُظهر لنا، مرارًا وتكرارًا، نور الله، الذي لم يختفِ، حتى هذا اليوم”.

ينقسم المقال إلى ثلاثة أجزاء:

السياق الاجتماعي

في الجزء الأول من المقال، يستكشف بندكتس السياق الاجتماعي المحيط بالثورة الجنسية التي بدأت في ستينيات القرن الماضي. وخلال تلك الفترة، يكتب، تم تشخيص استغلال الأطفال جنسيًا على أنه “مسموح به وموافق عليه”.

يقول: إن “الإنهيار الشامل للجيل المقبل من الكهنة والعدد الكبير من العلمانيين كانوا نتيجة كل هذه التطورات”. كان هذا مصحوبًا “بانهيار” اللاهوت الأخلاقي الكاثوليكي، والذي يؤكد بندكتس أنه يبدأ في الاستسلام للإغراءات النسبية. وبحسب بعض اللاهوتيين، لاحظ بندكتس أنه “لم يعد من الممكن أن يكون هناك أي شيء يشكل خيرًا مطلقًا، أكثر من أي شيء هو في أساسه شر؛ [يمكن أن يكون] فقط أحكام القيم النسبية. لم يعد هنالك خير [مطلق]، إنما فقط الأفضل نسبيًا، المتوقف على الوقت الراهن، وعلى الظروف” المحيطة.

ويستشهد بندكتس السادس عشر بإعلان كولونيا عام 1989، الذي وقّعه 15 من أساتذة اللاهوت الكاثوليك، الأمر الذي أدى إلى “صرخة ضد سلطة الكنيسة التعليمية”، وضد البابا يوحنا بولس الثاني، والذي بدوره نشر لاحقًا الرسالة العامة “تألق الحقيقة” في عام 1993، يتضمن “الإصرار على أن هناك أعمال لا يمكن أن تصبح خيّرة أبدًا”.

ويضيف بندكتس في مقاله: “في العديد من دوائر اللاهوت الأخلاقي تم شرح الفرضية القائلة بأن الكنيسة لا تملك، ولا يمكنها، أن تتمتع بأخلاقها الخاصة”. ولاحظ بأن هذا المفهوم يدعو “بشكل أساسي” إلى مسألة التشكيك في سلطة الكنيسه بالأمور الأخلاقية، وفي النهاية “يجبرها على التزام الصمت، وعلى وجه التحديد، حيث تكون الحدود بين الحقيقة والأكاذيب على المحكّ”.

الآثار المترتبة على تنشئة الكهنة

في الجزء الثاني من المقال، يستكشف البابا الفخري عواقب هذه المسيرة على تكوين الكهنة وحياتهم. يكتب: “في العديد من المعاهد الإكليريكية، تم تأسيس مجموعات من المثليين جنسيًا، والتي كانت تتصرف بشكل أكثر أو أقل علانية”. “لقد علم الكرسي الرسولي بمثل هذه المشاكل، دون أن يتم إبلاغه على نحوٍ دقيق”.

ويضيف، بأن هذه الاتجاهات، والتي أتت بالتزامن مع المجمع الفاتيكاني الثاني، “كانت مفهومة بأن يكون لها موقف حرج أو سلبي تجاه التقليد السائد حاليًا لغاية الآن، والذي كان يجب الآن استبداله بعلاقة جديدة، ومنفتحة جذريًا مع العالم”، مع أساقفة منفردين يسعون لـ”إحداث نوع جديد وحديث من ’الكاثوليكية‘ (Catholicity)”.

ويؤكد بندكتس السادس عشر على أن قضيّة الاستغلال الجنسي للأطفال، كما يتذكر، “لم تصبح مشكلة حادّة حتى النصف الثاني من الثمانينيات”. ويقول: في البداية، تعاملت روما والقانونيون الرومانيون مع المشكلة بطريقة ماصخة وبطيئة، ضامنة لحقوق المتهم على وجه الخصوص “لدرجة أن الإدانات لم تكن ممكنة”. يقول بندكتس أنه اتفق مع يوحنا بولس الثاني على أنه كان من المناسب إسناد الصلاحيات الخاصة بإساءة معاملة القاصرين إلى مجمع عقيدة الإيمان، من أجل “فرض أقصى عقوبة بشكل قانونيّ” من خلال “عملية جنائية حقيقية”. وبالتالي، فإن الإدانات يمكن أن تؤدي إلى الطرد من الإكليروس. ورغم ذلك، ولأن التأخيرات قد نشأت، “كان لا بدّ من منعها بسبب طبيعة الأمر، فقد أجرى البابا فرنسيس مزيدًا من الإصلاحات”.

وجهات نظر حول الاستجابة المناسبة

وفي الجزء الثالث من مقالته، يقترح البابا الفخري بندكتس السادس عشر بعض وجهات النظر من أجل تحقيق “استجابة مناسبة من جانب الكنيسة”.

يقول: “لا يمكن للقوّة المضادّة للشرّ، التي تهددنا وتهدد العالم بأسرّه، أن تكون في نهاية المطاف إلا من خلال دخولنا في هذا الحبّ. لا يمكن لعالم بدون الله أن يكون سوى عالم بلا معنى، حيث معايير الخير أو الشر لم تعد موجودة فيه، ولم يتبق سوى قانون الأقوى. القوة إذًا هي المبدأ الوحيد. الحقيقة لا تهم، إنها في الواقع غير موجودة”.

ويتهم بندكتس المجتمع الغربي بشدّة نتيجة فقدان معياره للحقيقة. “المجتمع الغربي هو مجتمع يتم تغييب الله فيه في المجال العام، وليس لديه أي شيء لتقديمه. وهذا هو السبب في أنه مجتمع يضيع فيه مقياس الإنسانية بشكل متزايد. وفي نقاط فردية، يصير من الواضح فجأة أن ما هو شر ويدمر الإنسان قد أصبح أمرًا طبيعيًا”. هذه هي حالة الاستغلال الجنسي للأطفال، كما يقول؛ “تم اعتباره نظريًا منذ وقت قصير على أنه مشروع تمامًا، لكنه انتشر أكثر فأكثر”. ويضيف بأن الإجابة على كل هذا هي “أن نتعلّم مرة جديد، وأن ندرك بأن الله هو أساس حياتنا”.

وفي منظور العودة إلى الله، يتحدّث بندكتس السادس عشر أيضًا عن الحاجة إلى تجديد الإيمان بالإفخارستيا، حيث غالبًا ما يتم تخفيض قيمته إلى “علامة احتفالية”، مما يدّمر “عظمة سرّ” موت المسيح وقيامته. وبدلاً من ذلك، نحتاج إلى طلب المغفرة من الرب، كما يقول، “وأن نطلب منه أن يعلمنا جميعًا من جديد لنفهم عظمة آلامه، وتضحيته. كما يجب علينا أن نبذل كل ما في وسعنا لحماية هبة القربان الأقدس من سوء المعاملة”.

ويضيف: “عند التفكير في الإجراء المطلوب أولاً، وقبل كل شيء، فمن الواضح أننا لسنا بحاجة إلى كنيسة ثانية من تصميمنا الخاص”. ويتابع: “تعتبر الكنيسه اليوم، وعلى نطاق واسع، مجرد نوع من الأجهزة السياسية”، “إن الأزمة، الناجمة عن العديد من حالات الإساءة من قبل الإكليروس، تدفعنا نحو اعتبار الكنيسة شيئًا غير مقبول تقريبًا، وأنه يجب علينا الآن أخذ زمام الأمور لنعيد تصميمها. لكنّ، الكنيسة التي تصنع نفسها بنفسها لا يمكن أن تشكّل الرجاء”.

ويقول بندكتس السادس عشر، إن عمل الشيطان، الذي يصفه بـ”المتهم”، يهدف إلى إثبات “أنه لا يوجد شعب صالح”. “لا، حتى اليوم، لا تتكون الكنيسة فقط من الأسماك السيئة أو الأعشاب. إنما توجد اليوم كنيسة الله أيضًا، وهي اليوم الوسيلة التي يخلصنا الله بواسطتها. من المهم للغاية معارضة أكاذيب وأنصاف حقائق الشيطان بالحقيقة الكاملة: نعم، هناك خطيئة وشر في الكنيسة. لكن، هناك اليوم أيضًا، كنيسة مقدسة لا يمكن تدميرها”. ويتابع: إن كنيسة اليوم هي ’كنيسة الشهداء‘ أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي فهي شاهدة للإله الحيّ”.

ويلاحظ البابا الفخري بندكتس السادس عشر أنه “لرؤية وإيجاد الكنيسة الحيّة مهمة رائعة تشددنا وتجعلنا سعداء في إيماننا مرارًا وتكرارًا”. ويختتم بالإعراب عن إمتنانه للبابا فرنسيس قائلاً: “أود أن أشكر البابا فرنسيس على كل ما يفعله لكي يظهر لنا، مرارًا وتكرارًا، نور الله الذي لم يختفِ، حتى اليوم. شكرًا لك أيها الأب الأقدس!”.

شاهد أيضاً

إلهنا قوي وقدير

إلهنا قوي وقدير الخوراسقف فيليكس الشابي – روما اصله وتاليفه: ان النشيد الليترجي “قدوس اللـه، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *