الرئيسية / المقالات / خميس الفصح:مرارة العبودية وحلاوة الحرية

خميس الفصح:مرارة العبودية وحلاوة الحرية

خميس الفصح:

مرارة العبودية وحلاوة الحرية

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات قداس خميس الفصح:

الأولى: من سفر الخروج (١٢، ١ ـ ٢٠) تروي خبر فصح العبرانيين أي عبورهم من أرض العبودية إلى أرض الحرية. هذا الفصح الذي يحتفلون به كل عام في شهر نيسان يشمل ذبح حمل وتناوله وقوفاً مع خبز فطير. هذا الاحتفال لا يذكرهم بالماضي البعيد فحسب، بل يجعلهم يعيشونه في الحاضر وفي حالة شكر دائم.

الثانية: من الرسالة الاولى إلى اهل قورنثية (٥، ٧ ـ ٨؛ ١٠، ١٥ ـ ١٧؛ ١١، ٢٣ ـ ٣٤) تعطينا معلومات حول احتفال المسيحيين الأولين بكسر الخبز أي بالقداس وعن القيمة الإيمانيّة التي كانوا يعلّقونها على هذا الاحتفال.

الثالثة: من إنجيل متّى (٢٦، ١ ـ ٥. ١٤ ـ ٣٠) تروي خبر احتفال المسيح بالفصح، والمعنى الجديد الذي يعطيه لهذا الاحتفال.

تفسير نص القراءة الأولى (سفر الخروج ١٢، ١ ـ ٢٠) وتأوينه:

يرجعنا هذا النص لأصل عيد الفصح ومعناه الروحي. يمكن تقسيم النص لجزئيين، في الجزء الأول تذكر احداث فصح الربّ (١٢، ١ ـ ١٤)، وفي الجزء الثاني يتم الحديث عن عيد الفطير (١٢، ١٥ ـ ٢٠).

تأتي وصية الربّ لبني إسرائيل للاحتفال بالفصح قبل الضربة العاشرة والأخيرة ضد أعدائهم ألا وهي موت ابكار المصريين (خر ١٢، ٢٩ ـ ٣٤). إن كلام الرب لإسرائيل يأتي لإنقاذهم من تلك الضربة القاتلة للمصريين، ولتهيئتهم لكسر قيود العبودية والانطلاق نحو الحرية. وكعلامة لتمييز بيوت إسرائيل عن بيوت المصريين يوصي الرب بوضع دم الحمل المذبوح على قائمتي الباب وعارضته (خر ١٢، ٧). إذن الحمل التام وبلا عيوب الذي يذبح، بدمه يتم إنقاذ الإنسان الذي كان قد يقتل لولا وضع علامة دم الحمل على بيته. من خلال هذا الطقس يتيقن الشعب العبراني بأن حياة بريء تقدم ذبيحة لإنقاذ الأخرين.

يجدر الملاحظة بأن كلمة الفصح تأتي للإشارة إلى عبور الله من أمام بيوت بني إسرائيل في مصر واجتيازها لأنه وضعت عليها علامة دم الحمل، وذلك حينما يوجيه الضربة العاشرة المهلكة ضد بيوت المصريين، حيث نقرأ بهذا الخصوص ما يلي: ١٢ وأَنا أَجْتازُ في أَرضِ مِصرَ في تِلكَ اللَّيلة، وأَضرِبُ كُلَّ بِكْرٍ في أَرضِ مِصْر، مِنَ النَّاسِ إلى البَهائِم، وبِجَميعِ آِلهَةِ المِصرِيِّينَ أُنَفِّذُ أَحكاماً أَنا الرَّبّ. ١٣ فَيكونُ الدَّمُ لَكم عَلامةً على البُيوتِ الَّتي أَنْتُم فيها، فأَرى الدَّمَ وأَعبُرُ مِن فَوقِكم، ولا تَحِلُّ بِكُم ضَربَةٌ مُهلِكة، إِذا ضَرَبتُ أرضَ مِصْر” (خر ١٢، ١٢ ـ ١٣). هكذا يُنقذ دم الحمل اليهود من الضربة المهلكة، وهم بدورهم يحتفلون بخلاصهم وهو في طريقه نحو التحقيق، ويتهيؤون لمسيرة طويلة نحو حرية أبناء الله.

من الرموز الأخرى المهمة في هذا العيد هي اكل الشعب الإسرائيلي لحمل الفصح ” … بِأَرغِفَةِ فطيرٍ معَ أَعْشابٍ مُرَّةٍ يأكُلونَه” (خر ١٢، ٨). تعبير “أرغفة فطير” يتوضح في الآيات اللاحقة (خر ١٢، ١٥ ـ ٢٠). فتلك الأرغفة قد اُعدت من دون الخميرة، وذلك بسبب العجلة وضيق الوقت والاستعداد الكامل للرحيل في اية لحظة. كلنا نعلم بأن الخميرة تحتاج للوقت كي تجعل العجينة تختمر، والشعب العبراني كان ينبغي أن يكون في أهبة الاستعداد للانطلاق، لا بل يُذكر في الآيات الأخيرة من هذا الفصل بأنه في النهاية قد طرد: “فخَبَزوا العَجينَ الَّذي خَرَجوا بِه من مِصر أَرغِفَةَ فَطير، إِذْ لم يَكُنْ قدِ آختَمَر، لأَنَّهم طُرِدوا مِن مِصْرَ، ولم يَستَطيعوا أَن يَتأخَّروا، حتَّى إِنَّهم لم يُعِدُّوا لأَنْفُسِهِم زاداً” (خر ١٢، ٣٩). وعليه عيد الفطير يذكرهم بتلك اللحظات الصعبة والحاسمة التي غيّرت حياتهم وجعلتهم من عبيد عند المصريين لأسياد في ارض الميعاد.

لماذا ينبغي اكل لحم الحمل “معَ أَعْشابٍ مُرَّةٍ”؟ لأن الاعشاب المرة هنا ترمز لمرارة العبودية ومعاناتها.

“وهكذا تأكُلونَه: تَكونُ أَحقاوُكم مَشْدودةً ونِعالُكُم في أَرجُلِكُم وعِصِيُّكُم في أَيديكُم، وتأكُلونَه على عَجَلٍ فإِنَّه فِصحٌ لِلرَّبّ” (خر ١٢، ١١). اكلُ أبناء الشعب حمل الفصح بهذا الشكل يشكل علامة لإيمانهم بكلمة الربّ، فبالرغم من عدم تحريرهم بعد، قد هيئوا أنفسهم لينطلقوا نحو ارض الحريّة حسب وعدّ الله لهم. وعليه عشاء الفصح وكل ما يرافقه من التحضيرات والرموز والطقوس هي تعبير لإيمان راسخ بكلمة الرب وبتحقيق تدبيره الخلاصي. قبولنا كلمة الله في حياتنا وتهيئة أنفسنا لتحقيق وعوده الخلاصية مهما كانت الظروف هي خير تعبير لإيماننا.

اليوم نحن ايضاً نختبر كيف ينقذنا الربّ من عبودية الخطيئة. وعيد الفصح هو فرصة لنا لنتأمل بكل تدابير الله في حياتنا، ولنشكره لتحريره لنا من عبودية الخطيئة والموت. وعليه عندما نمرُّ بتجربة صعبة وقاسية علينا ألا ننسى كيف أنقذنا الرب في خبرات سابقة، وأن نؤمن بأنه سوف لن يتركنا، بل إنه سيرافقنا في مسيرتنا ويعطينا علامات تساعدنا على التيّقن من تحقيق وعوده لخيرنا، مثلما فعل مع أباءنا واسلافنا في الماضي.

اذن المسيرة الإيمانية من العبودية نحو أرض الحرية تبدأ بدم الحمل على أبواب دور العبرانيين. وفي العهد الجديد دم الحمل هو دم يسوع البار، كما يقول يوحنا المعمذان: “هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” (يو ١، ٢٩).

شاهد أيضاً

الزيارة البطريركية إلى بلجيكا، قراءة معمقة 

الزيارة البطريركية إلى بلجيكا، قراءة معمقة  الأب نويل فرمان السناطي* لقرابة اسبوع، من السبت الى الجمعة، رافقت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *