الرئيسية / المقالات / عيد القيامة:قُمْ وأستنرْ

عيد القيامة:قُمْ وأستنرْ

عيد القيامة:

قُمْ وأستنرْ

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات عيد القيامة:

الأولى: من سفر اشعيا (٦٠، ١ ـ ٧) تتناول مستقبل اورشليم المدينة المقدسة ليس فقط من الناحية السياسية، ولكن من الناحية الروحية. المسيح آت وعليها أن تتأهّب لاستقباله، فنوره سوف يشرق عليها ويبدد الظلمة.

الثانية: من الرسالة إلى رومية (٥، ٢٠ ـ ٢١؛ ٦، ١ ـ ١٤) كتبها بولس حوالي سنة ٥٨ وكان فيها بعض المسيحيين من أصل وثني، فهو يدعوهم الى ان يكونوا واحداً متخطين الضيق والموت بإيمانهم ورجائهم.

الثالثة: من إنجيل يوحنّا (٢٠، ١ ـ ١٨) تروي خبر القبر الفارغ وظهور المسيح لمريم المجدليّة التي يدعوها لتكون شاهدة ورسولة.

اختارت كنيستنا الكلدانية لعيد القيامة، فخر جميع الأعياد، قراءة من سفر اشعيا والتي يوجهُ فيها الرب كلمته بشكلٍ مباشرٍ لأورشليم وتُستَهلُ بعبارة “قومي آستنيري”. هذان الفعلان يُعدّان الموضوع الرئيسي للنص. اورشليم مدعوة بأن تقوم من جديد وأن تستعيد مجدها كمدينة السلام والوئام والإيمان، وذلك بعد كل ما أصابها من الخراب والدمار بسبب الكراهية والخطيئة والصراعات والحروب التي لم تجلب سوى الأحزان والآلام والظلام والموت. فالرب لم ولن يترك أبنائها، بل بنور محبته وتعاليمه يمنح السلام والخلاص لأورشليم ومن خلالها للعالم كله: “ها إِنَّ الظُّلْمَةَ تُغَطِّي الأَرض، والغَمامَ المُظلِمَ يَشمُلُ الشُّعوب، ولكِن عليكِ يُشرِقُ الرَّبّ، وعلَيكِ يَتَراءَى مَجدُه ٣، فتَسيرُ الأُمَمُ في نورِكِ، والمُلوكُ في ضِياءِ إِشْراقِكِ” (اش ٦٠، ٢ ـ ٣).

إن موضوع قيامة الأمة بأسرها يتناوله النبي حزقيال بطريقة رائعة حيث يصف تلك القيامة بإرجاع الله الحياةَ لعظامٍ يابسةٍ (حز ٣٧، ١ ـ ١٤)، ويختم النبي نصه بهذه الكلمات: “١١ فقالَ لي: يا ابنَ الإِنْسان، هذه العِظام هي بَيتُ إِسْرائيل بِأَجمَعِهم. ها هم قائِلون: قد يَبسَت عِظامُنا، وهَلَكَ رَجاؤُنا، وقُضيَ علَينا. ١٢ لِذلك تَنتأْ وقُلْ لَهم: هكذا قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: هاءَنَذا أَفتَحُ قُبورَكم، وأُصعِدكم مِنْ قُبورِكم يا شَعْبي، وآتي بِكم إِلى أَرض إِسْرائيل، ١٣ فتَعلَمونَ أَنِّي أَنا الرَّب، حينَ أَفتَح قُبورَكم، وأُصعِدكم مِن قُبورِكم يا شَعْبي. ١٤ وأَجعَلُ روحي فيكم فتَحيَون، وأُقِرُّكم في أَرضكم، فتَعلَمونَ أَنِّي أَنا الرَّبَّ تكَلَّمتُ وصَنَعتُ، يَقولُ الرَّبّ” (حز ٣٧، ١١ ـ ١٣).

هذه الكلمات موجهة لكل فردٍ منا، ولنا كشعب الله بأكمله، وتدعونا لعيش إيماننا بالقيامة من خلال العمل على بناء ذواتنا وبيوتنا وكنائسنا ومجتمعنا. وأن نكون دوماً متفائلين وايجابيين وأبناء الرجاء. فلا شيء مهما كان صعباً ومعقداً يمكنه إعاقة مسيرة شعبٍ يؤمن بوجود الله وبمرافقته له، كما يقول مار بولس: “إِذا كانَ اللّهُ معَنا، فمَن يَكونُ علَينا؟” (رو ٨، ٣١).

بعد الصورة التي قدمها النبي اشعيا عن انقشاع الظلمة وزولان الغمام المظلم وذلك بإشراق الرب ذاته ومجده البهي على أورشليم، يأتي فعل آخر مكملٌ لما سبق وموجهة بنفس الطريقة لأورشليم، وهو “إِرفَعي عَينَيكِ” (اش ٦٠، ٤). إنها كلمات موجهة لكل مؤمن بأن يفتح عينيه وقلبه لنور المسيح ومحبته. مشاكل الحياة ومتاعبها قد توصلنا لدرجة تنسينا رفع أعيننا والنظر نحو الجبال من حيث يأتي عوننا (قارن: مز ١٢١).

الإيمان بالقيامة يوحدنا ويلملم شملنا: “إِرفَعي عَينَيكِ إِلى ما حَولَكِ وآنظُري كُلُّهُمُ آجتَمَعوا وأَتوا إِلَيكِ. بَنوكِ مِن بَعيدٍ يَأتون وبَناتُكِ يُحمَلنَ على الوَرْك” (اش ٦٠، ٤)، ويعطينا الرجاء بمستقبل زاهرٍ ويزرع في قلوبنا الفرح، فنرتل ونمجد الرب: “حينَئذٍ تَنظُرينَ وتَتَهَلَّلين ويَخفُقُ قَلْبكِ وَينشَرِح” (اش ٦٠، ٦).

 

“قومي آستنيري، فإِنَّ نورَكِ قد وافى، ومَجدَ الرَّبِّ قد أَشرَقَ علَيكِ” (اش ٦٠، ١): فعلاً بقيامة المسيح أشرق نور الربّ على أورشليم، ومنها على العالم بأسره.

من دون المسيح نكون في ظلمات الموت والخطيئة. نقرأ في الإنجيل كيف انكسفت الشمس وحل الظلام على الأرض كلها بموت المسيح فوق الصليب، قائلاً: ٤٤ وكانَتِ السَّاعَةُ نَحوَ الظُّهر، فخَيَّمَ الظَّلامُ على الأَرضِ كُلِّها حتَّى الثَّالِثَة، ٤٥ لِأَنَّ الشَّمسَ قدِ احتَجَبَت. وانشَقَّ حِجابُ المَقدِسِ مِنَ الوَسَط. ٤٦ فصاحَ يسوعُ بِأَعلى صَوتِه قال: «يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي!» قالَ هذا ولَفَظَ الرُّوح” (لو ٢٣، ٤٤ ـ ٤٦). الربّ يسوع هو شمسنا، بتعاليمه ينيرنا، وبمحبته يدفئنا، ومن دونه لا حياة لنا. وإن كان موته كانكساف الشمس، فقيامته هي كإشراقها على العالم بأسره. وبهذا الخصوص نقرأ في إنجيل مرقس ما يلي: “وعِندَ فَجْرِ الأَحَد جِئنَ إِلى القَبْرِ، وقد طَلَعَتِ الشَّمْس” (مر ١٦، ٢). أيضاً هنا الشمس ترمز للمسيح، وبقيامته أشرق نوره مجدداً وللأبد على العالم بأسره، حيث انتصر على ظلام القبر بنور القيامة، وعلى الكراهية بالمحبة، وعلى الشر بالخير، وعلى الخطيئة بالنعمة والعفران.

أشرق نور المسيح على المعمورة بتجسده، وحياته وتعاليمه وأعاجيبه وغفرانه ومراحمه وقيامته. إنه حقاً نور العالم: “وكَلَّمَهم أَيضاً يسوعُ قال: «أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام، بل يكونُ له نورُ الحَياة»” (يو ٨، ١٢؛ قارن: يو ١٢، ٤٦). ويدعونا أن نعكس نوره، بقوله: ١٤ أَنتُم نورُ العالَم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل، ١٥ ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ المِكيال، بل عَلى المَنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت. ١٦ هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات” (مت ٥، ١٤ ـ ١٦). إذن ايماننا بقيامة المسيح ينبغي تجسيده بأعمالنا الصالحة وبتفكيرنا السليم والإيجابي، وبرجائنا بأنه لا بد وأن ينتصر الخير على الشر، والمحبة على الكراهية.

قيامة مباركة

عن Maher

شاهد أيضاً

الثاني من إيليا: من التمرد والعصيان إلى التوبة والغفران

الثاني من إيليا: من التمرد والعصيان إلى التوبة والغفران الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *