الرئيسية / المقالات / علم الاجتماع واللاهوت ودور العلمانيين في الكنيسة

علم الاجتماع واللاهوت ودور العلمانيين في الكنيسة

علم الاجتماع واللاهوت

ودور العلمانيين في الكنيسة

د. عبدالله مرقس رابي

                        يأتي هذا المقال مكملا للمقال المعنون ” أنا الكل بالكل” ودور العلمانيين في الكنيسة مع الرد على توضيحات غبطة البطريرك الكاردينال مار لويس ساكو التي اعلنها عن المقال مشكوراً تحت عنوان “توضيحات عن بعض ما ورد في مقال الدكتور عبدالله رابي (في موقع عينكاوا) وحول التعليقات بشأنه”.وقد لاحظت من الضروري جدا أن أوضح بعض المسائل التي تربط علم الاجتماع باللاهوت والكنيسة ودور العلمانيين كمدخل لتوضيح دوافع الكتابة من المنظور السوسيولوجي والرد على توضيحات غبطته. أعتقد ان المقال هذا يعد درساً  مختصراً في علم الاجتماع الديني من الضروري أن يطلع عليه الاكليروس وطلبة المعهد الكهنوتي .فضلا عن الاستفادة المرجوة للقراء الاعزاء جميعاً.

علم الاجتماع ظهر كعلم مستقل عن الفلسفة في القرن التاسع عشر وتحديدا بعد ان اطلق تسميته عالم الاجتماع الفرنسي “أوكست كومت” 1798- 1857 بدلا من الفيزياء الاجتماعية”عام 1839 ليتبنى الفلسفة الوضعية في التحليل عوضاً عن التحليل بمنطق القياسي الاستنباطي الذي تعتمده الفلسفة واللاهوت في تفسيرهما للظواهر.يعتمد في الدراسة على أستقراء المعلومات عن الظاهرة ميدانياً مُستخدماً ادوات متعددة. أي يدرس الحقائق الجزئية من حيث مظاهرها المحسوسة بأعتبارها مستقلة عن بعضها ومُقراً بنسبية الاشياء.وثم الاعتماد على مناهج تتناسب مع طبيعة الظاهرة في التحليل. مما تجعل هذه المنهجية عالم الاجتماع بعيداً عن التأمل النظري حول طبيعة الظواهر الاجتماعية .

أما اللاهوت، لغوياً قد تكون الكلمة أصلها باللغة الارامية “الاهوثا” ،اذ يترجم  المطران “اوجين منا” هذه الكلمة الى علم اللاهوت ص 22.وفي الانكليزية ” ثيولوجي” المتداولة أكاديمياً ،وأصلها أغريقي،ثيوس “الله” ولوجي” المعرفة” أي علم أو معرفة  الله، وهو أمتداد للفلسفة،وقد اخذ اللاهتيون ما يفيدهم من الفلسفة في تدعيم العقائد المسحية، فأُخضع الدين لمنهج يتوافق مع الفلسفة.

ينطلق اللاهوت من التداخل المشترك بين الاشياء الموجودة. ويدرس الحقائق الكلية، بحثاً عن العلل الاولى،ولا يؤمن بأن الظواهر تخضع للقوانين،انما غايته وضع مبادىء فلسفية فقط بالطريقة الاستنباطية التأملية للعلل،مستخدماً البرهان العقلي في التفسيردون أخضاع المادة المدروسة الى التجربة الوضعية كما في علم الاجتماع. ويؤكد الدكتور “ريتشارد براث” ( أنه مهما كان اللاهتيون متفقين، فهم ليسوا سوى بشر ومهما أدعوا بأنهم مراقبون موضوعيون للحقائق، فأن آرائهم تتأثر كثيراً بأختبارات حياتهم).

محور التقاء اللاهوت وعلم الاجتماع ؟

لكل حقل معرفي جوانب عدة يتناولها في الدراسة، وعليه يتفرع الى ميادين متخصصة لدراسة الظاهرة التي تشترك بخصائص معينة للتركيز عليها. فعلم الاجتماع يتفرع مثلا الى الاجتماع السياسي لدراسة الظاهرة السياسية والجنائي لدراسة الجريمة والديني لدراسة الظاهرة الدينية وفروع أخرى مختلفة باختلاف الظواهر. كما أن اللاهوت أيضاً تفرع الى عدة ميادين، كاللاهوت الوجودي والدفاعي والاخلاقي او الادبي والرعوي أو العملي وغيرها من الميادين.

يعد علم الاجتماع المؤسسة الدينية مؤسسةً اجتماعية طالما تتكون من أفراد تحدث بينهم العمليات الاجتماعية،وللتركيز على دراستها تخصص علم الاجتماع الديني في تناولها كظاهرة أجتماعية وعليه يكون المختص في الاجتماع ملماً باللاهوت كما هو ملم بكل ميادين المعرفة لان عمله يتطلب ذلك. فيدرس الظواهر الاجتماعية في المؤسسة الدينية وتأثيرها المتبادل مع المؤسسات الاخرى.كما انه يدرس وظيفة وتأثير الدين في عقلية وتفكير الانسان وسلوكه ومواقفه واتجاهاته نحو الظواهر الاخرى في المجتمع.فعلم الاجتماع الديني لا يدرس الغيبيات، ولا يهمه مثلا مدى صحة المعتقدات الدينية من عدمها ولا يقر ديناً أفضل من غيره، ولا يفسر طبيعة الله وخصائصه، ولا يقر بدراسة مصير الانسان ما بعد الموت.

ومن جانب آخر يتخصص اللاهوت الرعوي أو اللاهوت العملي بدراسة المؤسسة الدينية أو الكنيسة كمؤسسة في المسيحية. يضع المعايير التي تحدد أهداف الممارسات في الكنيسة. ويبحث عن السبل الناجحة لتتناسب تلك القواعد والمعايير مع الفترة الزمنية التي تعمل فيها الكنيسة من حيث المتغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها. ويحاول أيجاد الاسس لتطوير تلك الممارسات الكنسية لتحقيق الاهداف. فهنا يمكن اعتبار فرع اللاهوت الرعوي هو محور التقاء اللاهوت مع علم الاجتماع لتناولهما المؤسسة الدينية كظاهرة موجودة ضمن الاطار الكلي للمجتمع وباعتبارها جزءاً من البناء الاجتماعي وفي حالة ديناميكية مع المؤسسات الاجتماعية الاخرى في التأثير المتبادل مُستعيناً أي اللاهوت الرعوي بالنتائج التي يتوصل أليها علماء الاجتماع في دراستهم لان كلاهما يلتقيان من أجل الاصلاح.

متى بدأ اللاهوتيون الاعتماد على نتائج علم الاجتماع؟

   بدأ الاهتمام بمعطيات علم الاجتماع وأدراجها في التفكير اللاهوتي الرعوي منذ تأسيس “ارسالية فرنسا” عام 1941 على يد الكاردينال”عمانوئيل سوهارد” .غايتها تحطيم الاسوار التي تفصل الكنيسة عن المجتمع الذي تعيش فيه والفترة الزمنية التي تعمل فيها. واعتمد قانونها البابا ” بيوس الثاني عشر” سنة 1954. وأصبحت النموذج الذي تبناه المجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد للفترة ما بين 1962-1965.

 وقد كان هذا المجمع منعطفا كبيرا ومهما جداً في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الحديث. فهدفه كما أعلن البابا يوحنا الثالث والعشرون في أفتتاحيته ( أن هدف المجمع الجديد يعيد الى وجه الكنيسة بهاءها الاول الاصيل وأن تُحافظ على الايمان المقدس وتعبر عنه بطريقة أكثر ملاءمة للعصر). أي بمعنى تأكيده على الكنيسة أن تواكب التطورات المجتمعية والتكيف مع وضع المتغيرات الثقافية والاجتماعية، مع الحفاظ على حقائق العقيدة التي هي غير قابلة للتغيير .

أعتبر المجمع اللاهوت الرعوي طريقة جديدة للعمل من خلال اطلاع المختصين فيه على نتائج العلوم الانسانية وأستخدامها في العمل الرعوي. وذكر بوضوح التخصات النفسية والاجتماعية ،اضافة الى البيولوجيا والطب وعلم الاجناس وعلم اللغة وتاريخ الاديان وعلم الاتصال.على أثر هذا التأكيد توسعت الاستعانة بالعلوم الاجتماعية.وهذه أمثلة على بعض التأكيدات:

بلور هذه الفكرة (بولارد) في امريكا تأثراً بخبرة ارسالية فرنسا. واسس “حركة العناية الرعوية”،.ركزت على دراسة الصعوبات التي يتعرض لها الكاهن في ادارة الكنيسة، وتأثرت هذه الحركة بمفاهيم علمي الاجتماع والنفس لتحليل النشاطات الكنسية ،وساعدت في فهم العلاقة بين الايمان والتطورات الحضارية المتعاقبة.

وأشهر اللاهوتيين المعاصرين الذي يؤكد على هذا الاعتماد هو “الدكتور يوهانس فان ديرفين” المختص باللاهوت الرعوي في جامعة مونتريال الكندية حيث يقول: (توجيه اللاهوت الرعوي الى التجربة من خلال الاستقراء الذي تقدمه العلوم الاجتماعية ووفقها يتم صياغة المفاهيم بطريقة جديدة. ويضيف لابد من اعتبار العلمانيين داخل الكنيسة كفاعلين وليس مجرد افراد يخضعون لرعاية الاكليروس لتكوين وتشكيل نموذج أجتماعي يمثل الكنيسة في مجتمعنا المعاصر. أي أن لا يكون كمتلقي للعمل الرعوي، بل عنصر نشيط فيه له أدواره التكميلية. ويستطرد في تحليله، ان الهدف من ذلك، الابتعاد عن النموذج التقليدي للاكليروس وتخفيف من بيروقراطيتهم ورفض التقديس للسلطة، ويؤكد لابد التحرر من الثقافة الدينية الشعبية عن طريق قراءة جديدة للمؤسسة الكنسية من خلال العلوم الاجتماعية).

وأكد اساقفة أمريكا اللاتينية في مؤتمرهم عام 2007 ضمن وثيقتهم الختامية عن هذا الموضوع ( نرى الواقع بطريقة منهجية من وجهة نظر المؤمن .ويرتبط اللاهوت الرعوي بالتبادل الفعال مع العلوم الاجتماعية وأدواتهم لتفسير الواقع).

وأكد البابا “بندكتس السادس عشر 2005على( أن الكنيسة تنمو وتتطور مع الزمن). كما أشار مؤكدا البابا فرنسيس في ارشاده الرسولي”فرح الانجيل” ( الكنيسة مدعوة لتمييز علامات الازمنة الخاص بها والعمل على استنباط مجموعة من الممارسات والاعمال الرعوية التي تتناسب مع متطلبات الواقع الذي تعيشه في بيئتها الاجتماعية)-للتفاصيل راجع رجاءاً الدكتور مراد درباس “الاب” علم اللاهوت الرعوي.والدكتور ريتشارد براث،علم اللاهوت-

ومنذ تسلمه البطريرك الكاردينال مار لويس ساكو البطريركية يؤكد دائماً في طروحاته وتاكيداته في السيهنودس على التغيير المناسب للعمل الرعوي ليتناسب مع العصر والاهتمام بدور العلمانيين في الكنيسة. ويعد الشعار الذي أقره ” ألاصالة والتجدد والوحدة” محور الانطلاق لعمله الرعوي.

 وفي ضوء المعطيات أعلاه أود توضيح وابداء رأيي كباحث مختص عن التوضيحات التي قدمها غبطة البطريرك الكاردينال مار ساكو عن المقال المذكور في المقدمة من المنظور السوسيولوجي.

أكد (ان الديانة ليست معلومات نكتسبها أو طقوساً مسرحية نؤديها، بل أنها حياة نحبها ونعيشها).أنما وفقاً لمعطيات علم الاجتماع، كل نمط من الحياة مبني على مجموعة من المعايير والقواعد التي تُصاغ من القيم الدينية أو الاجتماعية، فالديانة ووفقاٌ لتعريف “عالم الاجتماع الفرنسي ” أميل دوركايم” الذي يعد اساسياً للمهتمين بالمؤسسة الدينية والذي استنتجه من دراساته ومقارناته لعدة أديان بشرية وضعية وسماوية. ومفاده( الديانة نسق موحد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدسة ومنفصلة ومحرمة ،انها عقائد وممارسات توحد الجماعة في وحدة أخلاقية لكل المنتمين أليها). التوحيد الاخلاقي الذي تكونه الديانة لمؤمنيها يُكون السلوك الجمعي أو العقل الجمعي لهم،وثم تصبح أسلوبا للحياة لهم لتنميط سلوك الفرد بما يُنقل أليه عبر التنشئة الاجتماعية للاسرة في الطفولة المبكرة والمتأخرة وثم عن طريق الكنيسة نفسها فتحول الفرد المولود الى شخص من اللادين الى الدين وعن طريق الايحاء النفسي الذي يقترن بالتنشئة دون ان يفكر ويدقق ما يتعلمه فتصبح تلك المكتسبات جزأً من شخصيته.

 فأذن كل ديانة وبما فيها المسيحية ،يكتسب مفاهيمها المؤمنون وبدرجات مختلفة من الـتأثير أرتباطاً بالمتغيرات الاخرى المتفاوتة بين الافراد. فلا أحد ولد وولدت مفاهيم دينية معينة معه، بل تتطور تلك المفاهيم لتكون ممارسات طقوسية وأسلوب للحياة يحبها ويعيشها، يشترك فيها الفرد بالعقل الجمعي مع عموم المؤمنين.وبدلالة واضحة وبسيطة لو أخذنا طفل ولد من والدين مسيحيين،ونفصله عنهما فصلاً تاماً ويتربى في أحضان أسرة تؤمن بمفاهيم دينية اسلامية. فماذا سيكون أسلوب حياته في العيش ياترى!؟ وان توزيع الاديان البشرية الى أنماط مختلفة لهو دليل واضح وجلي انهاعبارة عن نسق من المعلومات المكتسبة في اسلوب حياتها وعيشها والارتباط بها.هذا يعد قانوناًعلمياً  توصل أليه علماء الاجتماع مفاده” القيم وبما فيها الدينية هي مكتسبة مع وجود نوازع ذاتية بايولوجية عند الانسان تدفع به لتقبل أو رفض تلك القيم بحسب شدة النازع”. وهنا يظهر الاختلاف بين اللاهوت وعلم الاجتماع في تفسير الظواهر.  

    لم يظهر في مقالتي المعنية أن الفرد المؤمن “يخاف الله ” بل أكدت واستنادا الى دراسات علم الاجتماع الديني، الانسان يخاف من مصيره ما بعد الموت، ولما كانت الديانة هي التي تفسر حالة الحياة ما بعد الموت،وتهتم بأعداد المؤمن وتهيئته،فيصبح مُنساقا عقلياً الى أطاعة رجال الدين حتى لو كانوا على خطأ وهذا من عوامل ارتباطه بالكنيسة.

ليس من اهتمام علماء الاجتماع وصف الله من حيث طبيعته وخصائصه.اذا كان محباً أو غاضباً أو منفعلاً وماشابه. هذا من تدبير اللاهوتي بالطريقة الاستنباطية العقلية. انما عالم الاجتماع يهمه الواقع المحسوس. يدرس طبيعة العلاقة بين المؤمن والله وكيف يتصرف حيال ما تمليه الديانة من مفاهيم ومعايير اخلاقية. اضافة الى ما ذكرته في الفقرة الخاصة اعلاه بتعريف علم الاجتماع.

نعم كلنا نحب الله والله يحبنا كما علمتنا المسيحية وباتت معروفة للجميع لانها قاعدة نمت معنا منذ الطفولة. ولكن ماذا عن مصير المؤمن ما بعد الموت طالما هناك مفاهيم الدينونة والحساب التي هي أحدى محاور اللاهوت؟ اذا ألغى اللاهوت هذه المفاهيم من فلسفته،عليه يقر بعدم الاعتراف بالفصل بين الخطاة والصالحين.وهذا الذي يخافه المؤمن من مابعد الموت وليس من الله . أذ للانسان ميلا طبيعياً للخلود ولكن هذه الحالة يرافقها القلق والخوف من الموت .(للاطلاع على المزيد من الدراسات الميدانية حول هذا الموضوع، يرجى مراجعة كتاب علم الاجتماع الديني لمؤلفيه الايطاليين المعروفين، الدكتورسابينو أكوافيفا والدكتور أنزو باتشي).

أما مثل المتصوفين المسيحيين أو غيرهم، هم يتحدثون عن أنفسهم ولا مدلول منطقي انهم يتحدثون عوضاً عن الاخرين .كما هناك تفسيرات سايكولوجية عن التصوف ودوافع المتصوف لست الان بصدد ذكرها هنا.وأبسط ما يٌسال منطقياً لماذا يتصوف طالما لا ينتابه الخوف؟!. 

نعم لا يمكن ان نضع الاديان جميعها في خانة واحدة،فهي تختلف بطبيعة الحال في ممارساتها ومفاهيمها وطبيعة الخالق عندها.انما الذي تشترك فيه الاديان الوضعية والسماوية هو الاعتقاد السائد عند كل ديانة بوجود “خالق”  أو القوة الخفية غير المنظورة الخارقة خارج الطبيعة وتصورات ثيولوجية حول الخالق التي تؤثر في مجريات الحياة الاجتماعية والطبيعية بغض النظر عن اختلاف التفسير في شكله ومكانه وتأثيراته وطبيعته.والفكرة الاخرى المشتركة هي وجود “تفويض من الخالق”لاشخاص معينين للتحكم في توجيه علاقة المؤمن بالخالق، ومدبرا لرعيته وهو الوحيد يكلم الله  بطرق مختلفة ويقرر مصير المجتمع دينياً،فكل دين يتمثل في ضبط علاقة البشر بالكائنات الروحية بواسطة أدعية وصلوات وقرابين،فكل الاديان تشترك بهذه العمليات الواعية كما يشير الى ذلك أميل دوركايم.وهذا يجعل أيضاً المؤمن مطيعاً لرجل الدين وتقديسه في الشؤون الدينية. وتعد هذه من نتائج الدراسات الانثروبولوجية والاجتماعية  الميدانية للشعوب البدائية والاديان السماوية والشعوب القديمة.والامثلة عليها كثيرة .(ممكن مراجعة المصادر ذات الاختصاص رجاءاُ).

أما عن التراتبية في المؤسسة، لم أتطرق اليها في مقالي ،من الطبيعي كل مؤسسة مدنية أو دينية بحاجة الى تراتب وظيفي عملي يمكن وضعه بصيغ مختلفة بحسب طبيعة المؤسسة لاجل التنظيم،والا كيف تحقق هدفها في حالة الفوضى غير الادارية ،فالتراتب هو من أساسيات جودة الادارة.أنما الذي أكدت عليه هو التفويض للاكليروس كل ما يتعلق بادارة المؤسسة الدينية او الكنيسة بصورة مطلقة وتهميش دور العلمانيين الذين هم الجزء الاساسي لها، بدليل مناقشتي للقوانين الكنسية المرتبطة بهذا الشأن.وعليه كان تأكيدي على مشاركة العلمانيين في التراتب الوظيفي العملي في الكنيسة ،والا بتصوركم للتراتب هل يقتصرعلى الاكليروس؟وأين نضع العلمانيين في سلسلته ؟

من متابعتي لافكار البطريرك مار ساكو وأعماله ونشاطاته المتميزة هناك تأكيدات لغبطته عن ترسيخ دور العلمانيين في الكنيسة وأستثمار مواهبهم وأمكاناتهم لبناء المجتمع والكنيسة بشكل أفضل من خلال مشاركتهم لاغناء النقاش في السيهنودس فضلا عن تاكيده لمشاركة المرأة. كما تفضل في كلمته الاخيرة في رده على رسالة الاستاذ القدير “نافع توسا”. وهذه خطوات مهمة جدا أتخذها غبطته لادارة الكنيسة في تاريخها اذا تحققت.

بهذا الصدد أقول : الدور الحقيقي للعلمانيين في الكنيسة المفروض أن يتجاوز المسؤوليات الادارية التنفيذية وتقديم الاستشارة والمناقشة الى المشاركة في تشريع أتخاذ القرار الى جانب الاكليروس بالطبع في الجوانب الدنيوية المكملة لادارة المؤسسة الكنسية .مع بقاء التفويض المطلق للاكليروس في تشريع وتنفيذ الاسرار الكنسية.وهذا يتحقق في وضع تراتب يتضمن كلا الصنفين ،اذ التراتب الحالي لم يشارك فيه العلمانيون،فهم عبارة عن رعايا وتابعين .فمثلا عند تشكيل السيهنودس الاسقفي أن يتضمن فعلا أعضاء الى جانب الاساقفة من العلمانيين لا يقتصر واجبهم على المناقشة والاستشارة.انما المشاركة في اتخاذ القرار والتشريع ،والا ما فائدتهم من وجودهم،فالمسالة مثلا ليست وجود امينة سر البطريركية من العلمانيات ،فهل يتخطى عملها التوثيق والحفظ وادارة العلاقات الخارجية؟وماذا لو كان للاسقف الايبارشي استشاريين دون مشاركتهم في اتخاذ القرار والقوانين تؤكد على سلطته المطلقة .ومن هنا جاء تأكيدي على عملية اعادة النظر بالقوانين الكنسية ذات العلاقة بدور العلمانيين لتتخطى ما جاء بها من مسؤوليات ثانوية جداً.وتشريع قوانين واضحة تميز عمل كل من الفئتين في ادارة الاسرار وتقديمها وادارة الكنيسة في جوانبها الدنيوية.

نعم كما ذكرت اعلاه أن المجمع الفاتيكاني الثاني كان منعطفاً كبيرا وخطيراً في تاريخ الكنيسة لتركيزه على اللاهوت الرعوي المعتمد على العلوم الاجتماعية ،وتم صياغة القوانين الكنسية الحالية في ضوء نتائجه وانما كانت توفيقية لوجود من يعترض على التغيير الملائم من قبل بعضهم.ومضى على هذه القوانين أكثر من نصف القرن ،وخلال هذه الفترة تغيرت العقلية البشرية بسرعة فائقة لا مثيل لها في التاريخ البشري، واستحدثت متغيرات ثقافية واجتماعية جديدة بفعل الاعلام والتصنيع والتكنولوجية الاتصالية.كل هذه المتغيرات جعلت من العقلية البشرية لا تقبل بالقوانيين التنظيمية الحالية بدليل التراجع عن الروحانيات والكنيسة أو اللجوء الى كنائس أخرى.وقد تكون عملية اعادة النظر في تشريع القوانين صعبة وتحتاج الى فترة لتكييف العقليات المسؤولة عنها ،الا أنها حاجة ملحة .اذ أرى في الافق أن تذمر المؤمنين في الكنيسة سيزداد كلما تظهر أجيال جديدة وليدة العصر الحالي.فالتغيير محتوم في ادارة الكنيسة مع بقاء الثوابت الايمانية وتقديمها للبشرية بطرق وصيغ تتناسب العصر ومتطلباته.فهنا يتطلب التركيز على اللاهوت الرعوي والتنشئة الكهنوتية بتزويدهم بالمعرفة عن المجتمع وطبيعته ليتأهل لادارة الكنيسة.وترسيخ مبدأ التفويض الالهي للاسرار فقط من خلال تعريف الاكليريكي قبل سيامته ما معنى السلطة المخولة له وميادينها.. اسف على الاطالة وشكرا للقراء الاعزاء وكل عام وانتم بخير. وهناك مصادر اخرى معتمدة غير المذكورة في المتن.

     

عن Maher

شاهد أيضاً

الثاني من إيليا: من التمرد والعصيان إلى التوبة والغفران

الثاني من إيليا: من التمرد والعصيان إلى التوبة والغفران الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *