الرئيسية / المقالات / الثالث من القيامة:الفرح بالإهانات!

الثالث من القيامة:الفرح بالإهانات!

الثالث من القيامة:

الفرح بالإهانات!

الأب ريبوار عوديش باسه

 

قراءات الأحد الثالث من موسم القيامة:

الأولى من سفر أعمال الرسل (٥، ٣٤ ـ ٤٢) تروي إنطلاقة التلاميذ الأولين الى التبشير ومواجهتهم صعوبات جمّة.

الثانية من الرسالة إلى اهل أفسس (١، ١ ـ ١١) تذكّر مؤمني أفسس بدعوة الله لهم ليكونوا قديسين.

الثالثة من إنجيل يوحنا (١٤، ١ ـ ٧) تعلن أن الطريق الوحيد إلى الآب هو قبول انجيل يسوع المسيح الطريق والحق والحياة.

تفسير نص القراءة الأولى (سفر أعمال الرسل ٥، ٣٤ ـ ٤٢) وتأوينه:

يسرد في هذا النص كيف يُخلّص الله الرسل من القتل (أع ٥، ٢١ ـ ٤١) بعد أن حررهم من السجن (أع ٥، ١٧ ـ ٢٠). وتبرز في هذه القصة شخصية مؤمنة ومثقفة ومنفتحة على عمل الروح القدس. إنها شخصية الفريسي جملائيل الذي يدافع عن الرسل بشجاعة ويخلصهم من يدّ الصديقيين بحكمته ومنطقه. تقدم في (أع ٥، ٣٤) هذه الشخصية المتزنة والمتعمقة في دراسة الكتاب المقدس والمكرمة من قبل الشعب. تظهر فطنة جملائيل وحنكته حتى قبل أن يبدأ حديثه لمجلس شيوخ بني إسرائيل (قارن: أع ٥، ٢١) وذلك بأمره بإخراج الرسل وقتاً قليلاً ليوجه كلامه لهؤلاء الذين استشاطوا غضباً وعزموا على قتل الرسل، كيما يعيدهم إلى رشدهم.

يمكن تقسيم حديث جملائيل لقسمين، وكما يلي: (أع ٥، ٣٥ ـ ٣٧) و (أع ٥، ٣٨ ـ ٣٩أ). يحتوي كلٌ من هذين القسمين على تحذيرٍ من اتخاذ أية خطوة خاطئة ضد الرسل تكون عواقبها خطيرة جداً على أصحاب القرار: ١. “… إِيَّاكم وما توشِكونَ أَن تَفعَلوه بِهؤلاءِ النَّاس” (أع ٥، ٣٥). ٢. “وأَقولُ لَكم في صَدَدِ ما يَجْري الآن: كُفُّوا عن هؤُلاءِ الرِّجال، واترُكوهم وَشأنَهم … يُخْشى علَيكم أَن تَجِدوا أَنفُسَكم تُحارِبونَ الله” (أع ٥، ٣٨ ـ ٣٩).

أمثلة عن زوال من ليس من الله (أع ٥، ٣٥ ـ ٣٧): بعد تحذيره الأول لشيوخ اليهود، يقدم جملائيل مثالين واقعيين لشخصين قادا حملتي تمرد وعصيان وكوَّنا لأنفسهما اتباع، وهما ثودس ويهوذا الجليلي، إلا أن محاولتاهما فشلتا، وادعائهما بالنبوءة تبين بأنه لم يكن صحيحاً.

تحذير بهلاك من يقف ضد الله (أع ٥، ٣٨ ـ ٣٩أ): ينصح جملائيل بأن يُسَلّمَ أمر الرسل بيدّ الله، وإلا ستكون عواقب أي قرار يتخذَهُ السنهدرين خطيرة جداً قد تصل لمحاولة بائسة بمحاربة الله، والوقوف ضد تدبيره الخلاصي. رأينا كيف قدم جملائيل في القسم الأول مثلين لشخصين ادعوا بأنهم من الله، إلا أنهما زالا لأنهما لم يكونا كذلك، فأنتهى امرهما. وهنا يقدم فرضيتين لا ثالثة لهما. الفرضية الأولى هي إن لم يكن ما يقوم به الرسل من الله وإنما من الناس، فإنه سيزول من ذاته لا محالة. وعليه لا حاجة لبذل الجهد واضاعة الوقت بمحاربة الرسل وقتلهم، لأنهم في تلك الحالة سيزولون من ذاتهم. والفرضية الثانية هي إن كان عمل الرسل من الله، فمن المستحيل إعاقة عمل الله الخلاصي. ومن يقوم بذلك سيهلك ذاته.

إذن جملائيل هو مثال رائع لمن يتجنب العصبية والتعصب وفرض الرأي، ويسلك طريق الحوار والنقاش ويقدم رأيه بهدوء وحكمة ومنطق، فلربما يتبنى الآخرون رأيه حتى ولو كانوا من المتزمتين والمتعصبين والمتطرفين. أما إذا رُفِضَ رأي المؤمن بالحوار، فإنه يكون في تلك الحالة قد اراح ضميره وأدى واجبه بطريقة متحضرة، من دون اللجوء للعنف والغضب والتعصب.

نهي الرسل عن التبشير (أع ٥، ٣٩ب ـ ٤٠): بعد حديث جملائيل، يقول النص بأن الشيوخ: “… أخذوا برأيه” (أع ٥، ٣٩). الأخذ بالرأي هنا يتعلق بشكل خاص بالعدول عن قرار قتل الرسل (قارن: أع ٥، ٣٣). إلا أن هؤلاء الشيوخ أصروا على محاربة الله (قارن: أع ٥، ٣٩)، لأنهم قاموا بضرب الرسل بالعصيّ، ونهوهم عن الكلام على أسم يسوع (أع ٥، ٤٠).

يجدر الملاحظة بأن جملائيل في كلامه للشيوخ يستخدم دائماً ضميراً للمخاطب الجمع “أنتم” (قارن: أع ٥، ٣٥. ٣٨ ـ ٤٠) ليبين بأنه غير متفق معهم بمعادتهم للرسل، وبأنه لا يريد أن يقف ضد تدبير الله الخلاصي.

ونحن نقرأ ما قاله جملائيل قبل ما يقارب ألفي سنة، ندرك حق الإدراك بأن رأيه كان صائباً، وأن الروح القدس قد ألهمه بأن يقول كلاماً كله حقٌ وحكمةٌ لينقذ من خلاله الرسل ممن كانوا قد قرروا قتلهم.

 

فرح الرسل بالإهانات ومعاودتهم للتبشير (أع ٥، ٤١ ـ ٤٢): ضرب الرسل ومنعهم من التبشير لم يجدي نفعاً، بل العكس حيث أن حماسهم للتبشير باسم المسيح زاد. فالشيوخ: “… نَهَوهُم عنِ الكَلامِ على اسمِ يسوع” (أع ٥، ٤٠)، والرسل على عكس ذلك ومباشرة بعد ذلك النهي: “يُعلِّمونَ ويُبَشِّرونَ بِأَنَّ يسوعَ هو المسيح “ (أع ٥، ٤٢) في عقر دار شيوخ اليهود أي في الهيكل والبيوت. فإن كان الشيوخ قد أصروا على محاربة الله واضطهاد المسيحيين، فإن الرسل يصرون من جانبهم على طاعة الله، كما قال مار بطرس بأن “…الله أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاس” (أع ٥، ٢٩).

إذن يُختَتَم النص بالتأكيد على فرح التلاميذ بالرغم من الاضطهادات والإهانات والسجن والضرب والتهديد بالقتل: “أَمَّا هَم فانصَرَفوا مِنَ المَجلِسِ فَرِحين بِأَنَّهم وُجِدوا أَهلاً لأَن يُهانوا مِن أَجْلِ الاسْم (أع ٥، ٤١). كما يشدد الكاتب على أن الرسل استمروا بشهادتهم للمسيح وبتبشيرهم بقيامته وإعلان ملكوته باستمرار: “وكانوا لا يَنفكُّونَ كُلَّ يَومٍ في الهَيكلِ وفي البُيوت يُعلِّمونَ ويُبَشِّرونَ بِأَنَّ يسوعَ هو المسيح “ (أع ٥، ٤٢؛ قارن: أع ٢، ٤٦).

فرح الرسل بالإهانات من أجل اسم الرب يُعدّ اقتداءً بحياته وموته على الصليب غافراً لصاليبيه. فالآلام والإهانات من أجل البرّ والحقّ ومن أجل أسم الرب هي فخرٌ (قارن: ١ كور ١، ١٧ ـ ٣١؛ غلا ٦، ١٤)، كما إنها عيشٌ لروح التطويبات وبالأخص تلك التي اعاطاه الربّ في موعظته على الجبل للمُظطَهدين من أجل اسمه القدوس، قائلاً: ١٠ طوبى لِلمُضطَهَدينَ من أجل البِرّ، فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. ١١ طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، ١٢ اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم” (متّى ٥، ١٠ ـ ١٢).

شاهد أيضاً

الزيارة البطريركية إلى بلجيكا، قراءة معمقة 

الزيارة البطريركية إلى بلجيكا، قراءة معمقة  الأب نويل فرمان السناطي* لقرابة اسبوع، من السبت الى الجمعة، رافقت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *