الرئيسية / المقالات / الرابع من القيامة:انقلاب السحر على الساحر

الرابع من القيامة:انقلاب السحر على الساحر

الرابع من القيامة:

انقلاب السحر على الساحر

الأب ريبوار عوديش باسه

 

قراءات الأحد الرابع من موسم القيامة:

الأولى من سفر أعمال الرسل (٨، ١٤ ـ ٢٥) تروي خبر تبشير السامرة، وتشير الى شمولية البشرى وأهميّة الشركة مع الكنيسة الأم في أورشليم.

الثانية من الرسالة إلى اهل أفسس (١، ١٦ ـ ٣٣) تؤكّد على أن الكنيسة هي الجماعة التي تؤمن بالمسيح إيماناً حيّاً وليس إنتماءً شكليّاً.

الثالثة من إنجيل يوحنّا (١٦، ١٦ ـ ٣٣) تمهّد التلاميذ للأيام المقبلة الصعبة.

تفسير نص القراءة الأولى (سفر أعمال الرسل ٨، ١٤ ـ ٢٥) وتأوينه:

 

يتكون نصنا هذا من قسمين. القسم الأول يتناول موضوع اهتداء السّامريين (أع ٨، ١٤ ـ ١٧). والقسم الثاني هو عن ضلال سمعان الساحر (أع ٨، ١٨ ـ ٢٤). أما الآية الأخيرة، فتظهر أن زيارة الرسولين بطرس ويوحنا للسامرة كانت فرصة للتبشير والشهادة، ودعوة للتوبة والوحدة (أع ٨، ٢٥).

نيل أهل السّامرة للروح القدس (أع ٨، ١٤ ـ ١٧): زيارة بطرس ويوحنا للسامرة (أع ٨، ١٤ ـ ١٧) تأتي قبل كل شيء كعلامة للشركة بين الجماعة المسيحية الجديدة في السامرة مع الكنيسة الأم في أورشليم. كما أن تلك الزيارة للرسولين جاءت للصلاة من أجل أن تنال تلك الجماعة الروح القدس. وبالتالي يمكن اعتبارها كالعنصرة الخاصة بالسامرة، وأيضاً كبيان لصحة ايمان هؤلاء المسيحيين الجدد.

محاولة بائسة لشراء سلطان منح الروح القدس (أع ١٨، ١٨ ـ ٢٤): كل شيء كان يبدو ايجابياً في القسم الأول بدءاً بانتشار خبر قبول السامرة كلمة الله، وقبول أبنائها المعمودية ونيلهم الروح القدس. لكن هنا يأتي سمعان الذي سبق وأن وصف بأنه يفتري السحر فيدهش الناس زاعماً أنه رجلٌ عظيم (أع ٨، ٩ ـ ١٠). إنه اعتمد على يدّ فيليبس الذي كانت تجري على يده المعجزات التي ادهشت من كان يدهش الناس بسحره (أع ٨، ٩. ١٣)! إلا إن حوار سمعان الساحر مع بطرس وعرضه له المال مقابل اعطائه سلطان منح الروح القدس، كشف معدنه وبيّن بأنه لا يزال في قلبه ساحراً ولديه مشكلة كبيرة في فهم الإيمان المسيحي الذي قبِله بالمعمودية! حلّ بطرس لهذه المشكلة يأتي من خلال توبيخٍ قويٍ ومباشرٍ لهذا الساحر يدعوه فيها للتوبة الصادقة وتغيير الذات، لعل الله يغفر له ذنبه.

من اسم سمعان الساحر (Simon) اشتق مصطلح السيمونية للإشارة إلى كل محاولة لشراء المقدسات بالمال على مثاله. إن عرض سمعان الساحر المال لبطرس يشبه كثيراً لعرض الشيطان ليسوع في التجارب: ٥ فصَعِدَ بِهِ إِبليس، وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الأَرضِ في لَحظَةٍ مِنَ الزَّمَن، ٦ وقالَ له: «أُوليكَ هذا السُّلطانَ كُلَّه ومَجدَ هذهِ الـمَمالِك، لِأَنَّه سُلِّمَ إِليَّ وأَنا أُولِيه مَن أَشاء. ٧ فَإِن سَجَدتَ لي، يَعودُ إِلَيكَ ذلكَ كُلُّه»” (لو ٤، ٥ ـ ٧). وهذا ما يدفعنا لتمييز بين السحر الذي هو من الشيطان ومبنيٌ على تمجيد الذات وإظهار قوتها وخداع الأخر بالمظاهر في سبيل تحقيق كسب رخيص، وبين الإيمان الحقيقي الذي هو هبة مجانية من الله وفيه يبذل الإنسان ذاته في سبيل الأخر بدلاً من تمجيد نفسه، وهكذا تأتي المعجزات لإظهار عظمة الله وتحقيق تدبيره الخلاصي.

إن الله يهب روحه القدوس بحرية لمن يشاء وكيفما يشاء (قارن: يو ٣، ٨)، أما سمعان الساحر فقد ظنّ بأنه يستطيع شراء سلطان منح الروح القدس بماله ليجعله ملكاً له فيتاجر به ويستخدمه لتعظيم ذاته. وبهذا القصد في القلب (أع ٨، ٢٢) اقترف سمعان خطيئة عظيمة، فجاء ردّ بطرس له قاسياً جداً، بقوله له: تَبًّا لَكَ ولِمالِكَ. لأَنَّكَ ظَنَنتَ أَنَّه يُمكِنُ الحُصولُ على هِبَةِ اللّهِ بِالمال(أع ٨، ٢٠). إن المسيحي الحقيقي يقوده الروح القدس، وليس العكس؛ إِنَّ الَّذينَ يَنقادونَ لِرُوحِ الله يَكونونَ أَبناءَ اللهِ حَقًّا” (رو ٨، ١٤).

إن جواب بطرس وتوبيخه القاسي لسمعان الساحر ودعوته للتوبة (أع ٨، ٢٠ ـ ٢٣)، هو دعوة لكل مسيحي بأن يدرك خطورة كل محاولة بائسة للمتاجرة بالمقدسات. فالمسيحي الحقيقي لا فقط يرفض بيع وشراء المقدسات بالمال، بل يعتبر كل محاولة من هذا القبيل إهانة في غاية الخطورة.

كما أن دعوة بطرس لسمعان الساحر مبنية على خبرة ذاتية. فهو أيضاً اقترف خطيئة نكران يسوع لثلاث مرات والقسم كذباً بأنه لا يعرفه (مت ٢٦، ٦٩ ـ ٧٤)، إلا أنه تاب توبة حقيقة وبكى بكاءً مراً (مت ٢٦، ٧٥). فقبل الرب توبته وثبته في محبته (يو ٢١، ١٥ ـ ١٩). وهكذا تغيرت حياة بطرس وولد ولادة جديدة، ودعاه يسوع بطرس بدلاً من سمعان بن يونا، ليجعله صخرة يبني عليها كنيسته واعطاه السلطان ومفاتيح ملكوت السموات(قارن: مر ٨، ٢٧ ـ ٣٠؛ مت ١٦، ١٣ ـ ٢٠؛ لو ٩، ١٨ ـ ٢١؛ يو ١، ٤٢). وهكذا أيضاً سمعان الساحر مدعو للتوبة من قبل سمعان بن يونا وعلى مثاله. وبهذه الطريقة فقط يمكنه أن ينال على مثال بطرس السلطة وسلطان منح الروح القدس اللذين يمنحهما الله بمجانية ومن دون شروط للمؤمن الحقيقي، وليس لمن يريد شراء المقدسات بالمال.

النهاية المفتوحة (أع ٨، ٢٥): طلب سمعان الساحر في الآية السابقة يبقى بلا ردٍ من قبل مار بطرس حيث نقرأ في هذه الآية بأن بطرس ويوحنا أديا الشهادة ورجعا إلى أورشليم وهما يبشران قرىً كثيرةً للسَّامريّين. إذن لدينا نهاية مفتوحة. قد يكون شمعون الساحر قد تاب فعلاً وقبلت توبته! إلا أن إحدى غايات هذه النهاية المفتوحة هي توجيه دعوة لكل إنسان كيما يقبل الرّب يسوع في حياته لينال الروح القدس ويتوب عن محبة المال وسوء استخدامه أو التفاخر به والاتكال عليه لدرجة قد تصل لمحاولة شراء موهبة منح الروح القدس، ذلك الروح الذي هو هبة مجانية وغير مشروطة، والعالم برمته وبكل ما فيه لا يعادل شيئاً مقابله، لأن الخليقة بأسرها خُلِقَتْ من قبل ذلك الروح الخلّاق ومجدد العالم. إضافة إلى ذلك، فإن النهاية المفتوحة للنص تشدد على حقيقة لاهوتية مفادها هو أن المستقبل بيدّ الله، وليس الإنسان.

نتعلم من قصة سمعان الساحر بأن المسيحي ليس بساحرٍ، ولا ينبغي أن يكون همهُ وغمّهُ وغايتهُ كسب النقود والبحث عن تعظيم الذات وارتقاء المناصب والجلوس على كراسي السلاطين، وإنما تركيزه كله ينبغي أن يكون على إعلان بشارة الخلاص وعيش تعاليم الإنجيل المقدس. فالمال قد يهلك صاحبه، أما إعلان الإنجيل فيخلص المُبَشِّر والمُبَشَّر. إن محبة الله والقريب هي خلاصة تعليم الكتاب المقدس، أما محبة المال فهي أصل كل الشرور، كما يقول مار بولس (قارن: ١ تيم ٦، ١٠). ولدينا امثلة واقعية في الكتاب المقدس تظهر كيف أن المال اهلك صاحبه ومُحِبَه وعابده مثل يهوذا الإسخريوطي (أع ١، ١٦ ـ ٢٠)، وحنانيا وزجته سِفِّيرَة (أع ٥، ١ ـ ١١)، وهنا سمعان الساحر الذي إن لم يتوب عن سحره واستخدامه الخاطئ للمال لجلبَ اللعنة والهلاك لنفسه. كما يؤكد النص بأن صنع المعجزات وامتلاك النقود تمثل نوعاً من قوة، وبالتالي ينبغي استخدامها كغيرها من القوة والسلطة بشكلٍ صحيح وللخير، وإلا ستنقلب قوتها ضدّ صاحبها، كما انقلب السحر على سمعان الساحر.

عن Maher

شاهد أيضاً

نادني بإسمي وكفى!

نادني بإسمي وكفى! د. إخلاص عابد جرجيس أتحسبك تبتعد عني وعرشك مغلَّف بشغاف قلبي؟ لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *