الرئيسية / المقالات / الخامس من القيامة:”يبقى السؤال دائماً: لماذا؟”

الخامس من القيامة:”يبقى السؤال دائماً: لماذا؟”

الخامس من القيامة:

“يبقى السؤال دائماً: لماذا؟

الأب ريبوار عوديش باسه

 

قراءات الأحد الخامس من موسم القيامة (وتذكار مار أدَّي):

 

الأولى من سفر أعمال الرسل (٩، ١ ـ ١٩) تنقل لنا خبر اهتداء شاول بولس على طريق دمشق. انه نداء الى الاهتداء.

الثانية من الرسالة إلى العبرانيين (١٠، ١٩ ـ ٣٦) تحثُّنا على عيش الإيمان بوعي واندفاع.

الثالثة من إنجيل يوحنّا (٢١، ١ ـ ١٤) تروي خبر ظهور يسوع لتلاميذه على بحيرة طبرية، وهذه إشارة إلى حضوره من خلال عملهم الرسولي (الصيد).

تفسير نص القراءة الأولى (سفر أعمال الرسل ٩، ١ ـ ١٩) وتأوينه:

يمكن تقسيم هذا النص على الشكل الآتي: ١. شاول يخطط لاضطهاد المسيحيين في دمشق (أع ٩، ١ ـ ٢). ٢. الظهور الإلهي لشاول (أع ٩، ٣ ـ ٩). ٣. الظهور الإلهي لحننيا (أع ١٠ ـ ١٦). ٤. اللقاء بين شاول وحننيا (١٧ ـ ١٩).

 

١. شاول يخطط لاضطهاد المسيحيين في دمشق (أع ٩، ١ ـ ٢): كان شاول حاضراً عندما رُجِمَ اسطيفانوس، أول شهيد في المسيحية (أع ٧، ٥٨؛ ٨، ١)، كما شارك في اضطهاد المسيحيين في اورشليم (أع ٨، ٣). وهنا يخطط لتوسيع رقعة الاضطهاد لتشمل اتباع المسيح في دمشق.

هنالك الكثير ممن يخططون بدقة مثل شاول لاستهداف المسيحيين، إلا أن الرب يسوع لم ولن يترك احبائه، بل إنه يقلب مخططات الأشرار لصالح التبشير بالإنجيل وإعلان بشارة الخلاص، تماماً مثلما حوّل الصليب رمزاً للفخر، وانتصر بقيامته على الكراهية والموت بالمحبة والحياة الأبدية.

٢. الظهور الإلهي لشاول (أع ٩، ٣ ـ ٩): ظهور الرب لشاول على طريق دمشق، وسؤاله عن سبب اضطهاده له: “شاوُل، شاوُل، لِماذا تَضطَهِدُني؟” (اعمال الرسل ٩، ٤) يُبين حضور المسيح الفعلي في المسيحيين الحقيقيين ولا سيما المظلومين منهم والضعفاء والفقراء، وبالأخص المضطهدين (قارن: لو ١٠، ١٦؛ متّ ٢٥، ٤٠. ٤٥).

إن لقاء الرب بشاول يقلب مخططاته. فقد كانت نية شاول أن يسوقَ اتباع المسيح “موثَقينَ إِلى أُورَشَليم” (أع ٩، ٢)، لكن ما يحصل هو العكس تماماً. فهو من يُساق إلى دمشق: “فاقتادوه بِيَدِه ودَخَلوا به دِمَشق” (أع ٩، ٨).

يجدر الذكر هنا بإن اضطهاد شاول بولس ليسوع المسيح هو على مثال اضطهاد شاول العهد القديم لداود (قارن: ا صم ١٨ ـ ٢٧).

٣. الظهور الإلهي لحننيا (١٠ ـ ١٦): من الناحية الأدبية نرى الإبداع في النص حيث يجري الحديث عن ظهور إلهي لشاول (أع ٩، ١٢) ضمن ظهور إلهي لحننيا (أع ٩، ١٠). إن شاول كان متوجهاً لقتل المسيحيين في دمشق، وها أن مسيحيٌ يأتي من دمشق لإنقاذه من العمى الذي أصابه، وإعادته لحياته الطبيعية.

٤. لقاء حننيا بشاول (أع ٩، ١٧ ـ ١٩؛ قارن: أع ٢٢، ١٢ ـ ١٦): الظهوران الإلهيان لكلٍ من حننيا وشاول على حدة قد هيئا للقاء بينهما، وذلك لتحقيق إرادة الله في حياة شاول. قصة فتح عيني شاول العجائبية وتفاصيلها تذكرنا بالكثير من قصص شفاء العميان التي اجراها يسوع (مت ٩، ٢٧ ـ ٣١؛ ١٢، ٢٢؛ ٢٠، ٢٩ ـ ٣٤؛ مر ٨، ٢٢ ـ ٢٦؛  ١٠، ٤٦ ـ ٥٢؛ لو ١٨، ٣٥ ـ ٤٣؛ يو ٩؛ قارن أيضاً: لو ٢٤، ٣٠ ـ ٣١؛ ٣٩). لكن الأهم هو التغيير الذي جرى لشاول. التغيير يتمثل بموته عن الإنسان القديم الذي كان فيه، وقيامه من بين الأموات ليصبح انساناً جديداً (قارن: رو ٦، ١ ـ ١٤). ورود عبارة بقائه “ثلاثة أيام” من دون القدرة على البصر، وبلا اكلٍ ولا شربٍ (أع ٩، ٩)، وكذلك الفعل “قام” (أع ٩، ١٨) يشيران ضمنياً للموت والقيامة التي اختبرهما شاول. وكأنه مات حينما سقط وفقد قدرته على الرؤية والسير لوحده، وانقطع عن الأكل لمدة ثلاثة أيام. بينما أختبر القيامة بانفتاح عينيه وقيامه وقبوله للمعمودية ونيله الروح القدس وبدئه بتناول الطعام واستعادة القوى (أع ٩، ١٨؛ قارن: في ٣، ٥ ـ ١٢). تناول شاول للطعام بعد ثلاثة أيام يذكرنا أيضاً بتناول يسوع للطعام بعد قيامته من بين الأموات بعد ثلاثة أيام (لو ٢٤، ٤١ ـ ٤٣؛ يو ٢١، ١٣؛ قارن كذلك أمر يسوع بإعطاء الطعام لأبنة يائيرس التي أقامها من بين الأموات: لو ٨، ٥٥).

إذن لقاء شاول بيسوع حوّله من شخصٍ معادٍ للتعاليم المسيحية لتلميذٍ يبشر بإنجيل الخلاص (٩، ١٩ب ـ ٢٢. ٢٦ ـ ٢٨)، ومن مضطهِدٍ للمسيح إلى مضطهَداً في سبيل المسيح (أع ٩، ١٦. ٢٣ ـ ٢٥. ٢٩ ـ ٣٠؛ قارن كذلك: غلا ١، ١١ ـ ٢٤). بالإضافة إلى ذلك، كان لمار بولس معاناة خاصة بعد التحولّ الذي جرى في حياته حتى ممن كانوا من أقرب المقربين إليه، لأن المسيحيين من جهة كانوا لا يزالون يشكون به بسبب اضطهاده السابق لهم، واليهود من جهة أخرى كانوا يسيئون معاملته بسبب تركه لحياته القديمة، وتحوّله للمسيحية!

لم يعرف مار بولس الرب يسوع المسيح في طرق الجليل واورشليم، ولم يعيش معه كسائر التلاميذ الاثني عشر، لكن بالرغم من ذلك وهبت له نعمة الالتقاء به لقاءاً شخصياً وبطريقة عجائبية وهو في طريقه نحو دمشق. ذلك اللقاء شكّل نقطة تحولٍ في حياته لا رجعة فيها. فقد تحوّل من مضطهِدٍ للمسيح لشاهدٍ منقطع النظير لمحبته، وأعظم مبشرٍ بإنجيله. وبالتالي هو مثالٌ لنا، نحن الذين لم نرى المسيح ولم نعيش معه كالتلاميذ الاثني عشر، بأن يكون لدينا علاقة عميقة ولقاء شخصي معه كي يغير حياتنا ويعطيها معنى، فنردد مع مار بولس: “فالحَياةُ عِندي هي المسيح، والمَوتُ رِبْح” (في ١، ٢١).

للأسف لا يزال اضطهاد المسيح بالمسيحيين مستمرٌ حتى يومنا هذا، لا بل يجري بشكلٍ أوسعٍ وأبشعٍ من أي وقت مضى. فعلى سبيل المثال، كلنا شهدنا ما حصل قبل أيام في سريلانكا حيث وقع المئات من المؤمنين بالمسيح شهداءً وجرحى بينما كانوا يحتفلون بعيد القيامة في الكنائس. وفي هذا السياق أكدّ قداسة البابا فرنسيس في عدة مناسبات بأن أعداد المسيحيين المضطهدين اليوم هم أكثر بكثير من المسيحيين الذين تمّ اضطهادهم في مطلع الألف الأول. ففي رسالته بمناسبة “اليوم الإرسالي العالمي”، والتي صدرت في الفاتيكان، يوم ١٩ ايار ٢٠١٣، يقول قداسته بهذا الخصوص ما يلي: “أتوجه أخيرًا بفكري إلى المسيحيين، الذين يعيشون في مختلف أنحاء العالم، ويجدون صعوبة في إعلان إيمانهم بحريّة، وفي رؤية أن حقوقهم معترف بها، وفي عيش ايمانهم بكرامة. فما أكثر إخوتنا وأخواتنا، الشهود الشجعان ـ فعدد الشهداء يفوق الآن اعدادهم في القرون الأولى ـ الذين يحتملون بثبات رسولي مختلف أنواع الاضطهادات، ويخاطرون بحياتهم ليحافظوا على أمانتهم لإنجيل المسيح. لذا أرغب في أن أؤكد قربي بالصلاة من الأشخاص والعائلات والجماعات التي تعاني من العنف ومن انعدام التسامح وأكرر لهم كلمات يسوع المعزيّة: «تشجعوا، أنا غلبت العالم» (يوحنا ١٦، ٣٣)”.

كما أن السؤال عن سبب اضطهاد ربنا يسوع المسيح واضطهاد اتباعه طرحه هو ذاته على رؤساء الكهنة الذين اضطهدوهُ، بقوله: “لِمَاذا تُريدونَ قَتْلي؟” (يو ٧، ١٩)؛ كما طرحه على شاول الذي كان يضطهد المسيحيين، قائلاً: “شاوُل، شاوُل، لِماذا تَضطَهِدُني؟” (اع ٩، ٤). ولا يزال يطرح هذا السؤال إلى اليوم على لسان المسيحيين المضطهدين، ويبقى دون جوابٍ. فقد ردد هذا السؤال المطران الشهيد بولس فرج رحو في آخر موعظة له (القاها في ٧ كانون الثاني ٢٠٠٨) بضعة اسابيعٍ قبل استشهاده (خطفه: ٢٩ شباط؛ استشهاده: ١٣ آذار)، قائلاً: “يبقى السؤال دائمًا: لماذا؟ لماذا قتلوا الأب بولس؟ لماذا قتلوا الأب رغيد ورفاقه؟ لماذا قتلوا فلان؟ لماذا فجروا الكنيسة الفلانة؟ لماذا فجروا الجامع الفلاني؟ لماذا قتلوا الرجل الدين الفلاني؟ لماذا؟ ما هو السبب؟ إذا نظل نفتش عن السبب، يمكن ما راح نقدر نجد الجواب على هذه لماذا! شيء الذي نحن المسيحيون نعرفوا ، نحنا ما أعداء لأحد. يعني نحنا ما نريد نكون أعداء لأحد، حتى يجون يضربون عدوهم. فنحنا ما أعداء لأحد. لكن إذا كان أكو أعداء إلنا، فنحن لسنا أعدائهم. وإذا هما يريدون يكونون أعدائنا، نحنا انجيلنا يوصينا، ربنا يسوع المسيح له المجد، مثل ما سمعنا: «أَحِبُّوا أَعداءَكم»” (قارن: مت ٥، ٤٣ ـ ٤٨).

لنرفع صلواتنا لله كيما يهدي قلوبنا لنعيش كمسيحيين حقيقيين، ويهدي قلوب الذين يضطهدون الكنيسة، كما فعل مع شاول، كيما تنفتح الأعين التي اعميت بسبب التعصب الديني والقومي والطائفي، أو بسبب الجهل والطمع والكبرياء. ولتكن اولويتنا التبشير بالإنجيل بشهادة الحياة وبإعلان تعاليم المسيح بفرحٍ وشجاعةٍ، دون الخوف من أحدٍ، ودون استعطاف الناس وتوخي رضاهم، بل لتكن غايتنا الأولى والأخيرة إرضاء الله: “أَفتُراني الآنَ أَستَعطِفُ النَّاسَ أَمِ الله؟ هل أَتوَخَّى رِضا النَّاس؟ لَو كُنتُ إِلى اليَومِ أَتوَخَّى رِضا النَّاس، لَما كُنتُ عَبْدًا لِلمسيح” (غلا ١، ١٠).

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: كلماتنا تكون عِبر الحقيقة 

موضوع السبت: كلماتنا تكون عِبر الحقيقة  الكاردينال لويس روفائيل ساكو هناك كتَّابٌ أصبحوا معروفين بانتقاداهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *