الرئيسية / المقالات / السادس من القيامة:اهتداء الهادي واتعاظ الواعظ!

السادس من القيامة:اهتداء الهادي واتعاظ الواعظ!

السادس من القيامة:

اهتداء الهادي واتعاظ الواعظ!

الأب ريبوار عوديش باسه

 

قراءات الأحد السادس من موسم القيامة:

الأولى: من سفر أعمال الرسل (١٠، ١ ـ ٨) تؤكد على شمولية الإنجيل، لذلك على الرسول ان يكون منفتحاً وألا يضع عراقيل أمام وصوله إلى الكل.

الثانية: من الرسالة إلى اهل أفسس (٢، ٤ ـ ١٠) تشير إلى ان المسيحي ليس شخصاً عادياً، بل هو ابن لله.

الثالثة: من إنجيل يوحنا (١٧، ١. ١١ ـ ١٩) تنقل صلاة يسوع من اجل ان يكون تلاميذه واحداً بالحق والقداسة.

تفسير نص القراءة الأولى (سفر أعمال الرسل ١٠، ١ ـ ٨) وتأوينه:

هذا النص هو جزء من القسم الذي تسرد فيه أعمال بطرس الرسول التبشيرية (أع ٩، ٣٢ ـ ١١، ١٨). هذه الأعمال تبدأ بزيارة بطرس لبعض الجماعات المسيحية من أصل يهودي (أع ٩، ٣٢ ـ ٤٣) بدءً بذهابه إلى اللُّدّ حيث يشفي مقعداً اسمه أَيْنِياس (أع ٩، ٣٢ ـ ٣٥)، ومن ثم إلى يافا حيث يُحيي تلميذة أسمُها طابيثة (أع ٩، ٣٦ ـ ٤٣). وبعدئذٍ يمكث في يافا عند دبَّاغٍ اسمه سمعان لحين مضيه إلى قيصريّة مع المرسلَين من طرف قائد مائة وثني اسمه قُرنيليوس الذي يهتدي للمسيحية (أع ١٠، ١ ـ ٤٨).

مراحل اهتداء قُرنيليوس تشبه تلك التي تخص اهتداء شاول. فالقصة تبدأ بتقديم شخصية قُرنيليوس، والظهور إلهي له في قيصريّة (أع ١٠، ١ ـ ٨؛ قارن ظهور الربّ لشاول: أع ٩، ٣ ـ ٩)، ومن ثم الرؤية السماوية لبطرس (أع ١٠، ٩ ـ ١٦؛ قارن الظهور الإلهي لحننيا: أع ٩، ١٠ ـ ١٦). الرؤيتان تهيئان أولاً للقاء بين بطرس والمرسلَين من قبل قُرنيليوس، لينطلق معهما نحو قيصريّة (أع ١٠، ١٧ ـ ٢٣) حيث يجري أخيراً اللقاء بين بطرس وقُرنيليوس في بيته (أع ١٠، ٢٤ ـ ٣٣؛ قارن ذهاب حننيا للبيت الذي كان يقيم فيه شاول حيث يلتقي به؛ أع ٩، ١٧ ـ ١٩) وموعظته هناك (أع ١٠، ٣٤ ـ ٤٣) ومنح الروح القدس، وتعميذ كل أبناء بيت قُرنيليوس (أع ١٠، ٤٤ ـ ٤٨؛ قارن معمودية شاول ونيله الروح القدس: أع ٩، ١٧ ـ ١٨).

تختم اعمال بطرس هذه بعودته إلى أورشليم (أع ١١، ١ ـ ١٨). وهنالك يتلقى نقداً ومخاصمة من المختونين، حيث نقرأ بهذا الخصوص ما يلي: ٢ فلَمَّا صَعِدَ بُطرُسُ إِلى أُورَشَليم، أَخَذَ المَختونونَ يُخاصِمونَه ٣ قالوا: «لقَد دَخَلتَ إِلى أُناسٍ قُلْفٍ وأَكَلتَ معَهم»” (أع ١١، ٢ ـ ٣). وهو بدوره يبرر مواقفه ويُبين كيف أن ما قام به هو وفق إرادة الله، وتطبيقاً لمخططه الخلاصي الذي يشمل البشرية بأسرها.

ما ينبغي ملاحظته في سرد اعمال بطرس الرسولية هذه هو ورود النص الذي يتحدث عن المؤمنين من أصل وثني وسط نصين متعلقين بمسيحيين من أصل يهودي أصحاب الختان. إذن التركيز هو على الوثنيين الذين اعتنقوا المسيحيّة. والجدير بالذكر بأن هذا أول ذكرٍ لتأسيس جماعة مسيحية من أصل وثني بعد نيلها الروح القدس (أع ١٠، ١ ـ ٤٨).

إذن موضوع انفتاح المسيحيّة على كل الأمم هو في غاية الأهمية، ويدعونا بأن نخرج من انتماءاتنا الضيقة، لننطلق نحو الآخر المختلف لنعلن له البشارة الخلاصية التي مفادها هي محبة الله اللامتناهية للإنسان (قارن: ١ يو ٤، ٧ ـ ٢١)، ودعوة الإنسان بأن يؤمن بالله، ويُحبه بكل قلبه وكل نفسه وكل ذهنه (تث ٦، ٥؛ مت ٢٢، ٣٧)، ويحب قريبه كنفسه (أح ١٩، ١٨؛ مت٢٢، ٣٩).

من الحوار الذي يجري بين بطرس والصوت السماوي: ١٤ فقالَ بُطرُس: «حاشَ لي يا ربّ، لم آكُلْ قَطُّ نَجِسًا أَو دَنِسًا». ١٥ فعادَ إِلَيه صَوتٌ فقالَ له ثانِيًا: «ما طَهَّرَهُ الله، لا تُنَجِّسْه أَنتَ»” (أع ١٠، ١٤ ـ ١٥)، يبدو وكأنه بطرس لا يعرف أو نسى تعاليم يسوع بهذا الخصوص حينما كان يعلم بأنه ليس ما يدخل الإنسان ينجسه، وإنما ما يخرج من قلبه من المقاصد السيئة والأعمال الشريرة ينجسه (قارن: مر ٧، ١٧ ـ ٢٣). بدخول بطرس إلى بيت قُرنيليوس يدرك تماماً معنى الرؤية التي رآها، حيث يؤكد بنفسه على ذلك، قائلاً: “… تَعلَمونَ أَنَّه حَرامٌ على اليَهودِيِّ أَن يُعاشِرَ أَجنَبِيًّا أَو يَدخُلَ مَنزِلَه. أمَّا أَنا فقَد بَيَّنَ اللهُ لي أَنَّه لا يَنبغي أَن أَدعُوَ أَحَدًا مِن النَّاسِ نَجِسًا أَو دَنِسًا” (أع ١٠، ٢٨). كلامٌ بالحقيقة رائعٌ يلزم به الله الإنسان بتجاوز العقلية التي تعتبر الآخر المختلف نجساً ودنساً وكافراً، وما شابه.

يبين بطرس في موعظته كيف بدأ يتغير. بطرس كان ضدّ أكل ما هو نجساً، ومعاشرة من ليس مختوناً، لكن الإرادة الإلهية التي دعته بأن يكون رسولاً، وليُعمذ قُرنيليوس غيّرت أفكاره ومفاهيمه. فهو ذاته أهتدى خلال أدائه رسالته لإهتداء قُرنيليوس. وهكذا الهادي يهتدي قبل أن يُهدي الآخرين، والواعظ يتعظ قبل أن يوعظ الآخرين: “٣٤ فشَرَعَ بُطرُسُ يَقول: «أَدرَكتُ حَقًّا أَنَّ اللهَ لا يُراعي ظاهِرَ النَّاس، ٣٥ فمَنِ اتَّقاه مِن أَيَّةِ أُمَّةٍ كانت وعَمِلَ البِرَّ كانَ عِندَه مَرضِيًّا. ٣٦ والكَلِمَةُ الَّذي أَرسَلَه إِلى بني إِسرائيلَ مُبَشِّرًا بالسَّلامِ عن يَدِ يسوعَ المَسيح، إِنَّما هُو رَبُّ النَّاسِ أَجمَعين»” (أع ١٠، ٤٣ ـ ٣٦). إذن بطرس يتغير للمرة الثانية بعد توبته الأولى (قارن: مت ٢٦، ٦٩ ـ ٧٥) ويعترف بأنه الآن أدرك حقاً!

ما جرى لبطرس مهم جداً لكل واعظ. فما يعظ به الواعظ ينبغي قبل كل شيء أن يغير حياته، ليغير بالتالي حياة المستمع إليه.

الجماعة الوثنية تنال الروح القدس تماماً مثلما نالت جماعة الرسل في العليّة الروح القدس (أع ٢، ١ ـ ١٣). وهذا ما جعل بطرس ومرافقيه الستة ان ينبهروا لما رأوه بأعينهم. وهكذا ولدت اول جماعة مسيحية من أصل وثني.

إذن في قصة اهتداء قُرنيليوس وبيته يحدث أيضاً اهتداء بطرس والجماعة المسيحية من أصل يهودي في أورشليم (أع ١١، ١٨). بالحقيقة، لا تنجح الكنيسة في رسالتها التبشيرية إن لم يحدث فيها اهتداءً حقيقياً. لذا عليها أن تدرك بأن الروح القدس يعمل من خلالها وبمعزلٍ عنها، كما عمل في بطرس وقرنيليوس في آنٍ واحدٍ: “فالرِّيحُ تَهُبُّ حَيثُ تَشاء فتَسمَعُ صَوتَها ولكنَّكَ لا تَدْري مِن أَينَ تَأتي وإِلى أَينَ تَذهَب. تِلكَ حاَلةُ كُلِّ مَولودٍ لِلُّروح” (يو ٣، ٨).

إذن لنجاح أبناء الكنسية في رسالتهم التبشيرية ينبغي عليهم أن يتغيروا ويهتدوا بدءً بسلطتهم العليا التي ينبغي أن تطيع صوت الروح القدس تماماً كما جرى مع بطرس، لأن العمل التبشيري هو في النهاية عمل الروح القدس. وعليه من يعلن الإنجيل ينبغي أن يكون منفتحاً لعمل الروح القدس حتى في الشعوب التي يبشرها.

رأينا كيف أن قُرنيليوس وكل افراد بيته يهتدون معاً، وكذلك الجماعة الكنسية من أصل يهودي في أورشليم تهتدي وعلى رأسها بطرس الرسول. ونحن اليوم كأفراد وكجماعات كنسية مدعوين للتغيير والاهتداء والتجدد بالانفتاح لعمل الروح القدس ولقبول الآخر المختلف عنّا الذي ربما قد اختاره الروح القدس ليهدينا، كما هدى قُرنيليوس باهتدائه بطرس الذي لم يكن قد وضع في اجندته زيارة قائد مائة وثني، وإنما الاكتفاء فقط بزيارة المسيحيين من أص يهودي. إلا ان الروح القدس قاده إلى هناك ليجعله ينفتح على الآخر المختلف.

وأخيراً السبب الذي كان يمنع بطرس من الدخول إلى بيت الوثنيين كان ثقافي ومتعلق بالعادات والتقاليد وليس باللاهوت. كما كان متعلق بنوعٍ من التفسير للشريعة أكثر مما يتعلق بروح الشريعة. واليوم أيضاً على الكنيسة أن تتحرر من بعض ثقافات اكتسبتها خلال الزمن، لتتمكن من سماع صوت الروح القدس الذي يناديها للخروج والانطلاق لإعلان بشارة الخلاص، ودخول بيت الآخر المختلف كما دخل بطرس بيت قُرنيليوس، لينالا هما وجماعتهما الروح القدس ومواهبه.

عن Maher

شاهد أيضاً

To the Conscience of the Iraqi Government: “The main goal of the current conflict in Nineveh Plain is, to whom it will be

To the Conscience of the Iraqi Government: “The main goal of the current conflict in …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *