الرئيسية / اخر الاخبار / الحوار… مسار وذكريات من مقابلة للبطريرك ساكو في كتاب مع الصحفية لورانس ديجويو

الحوار… مسار وذكريات من مقابلة للبطريرك ساكو في كتاب مع الصحفية لورانس ديجويو

الحوارمسار وذكريات

من مقابلة للبطريرك ساكو في كتاب مع الصحفية لورانس ديجويو

 

إعداد الأب نوئيل فرمان

 

صدر في أواخر عام 2014 كتاب بالفرنسية لغبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بعنوان: لا تنسونا (Ne nous oubliez pas) جاء على شكل حوار مع الكاتبة والاعلامية الفرنسية  لورانس ديجويو (Laurence Desjoyaux) وقام سيادة المطران يوسف توما مرقس رئيس أساقفة كركوك والسليمانية بترجمته، وراجعه مؤخرا الأب نوئيل فرمان، سكرتير البطريرك، بهدف إعداده للطباعة بعنوان (لا تنسونا! صرخة بطريرك مسيحيي العراق).

نترككم مع فصل مترجم من هذا الكتاب رأيناه مهما للمرحلة الحالية، التي تتطلب تآزر العراقيين حول مصيرهم الواحد، بروح الحوار والعيش المشترك.

 

الإعلام البطريركي

 

س/ منذ سنواتك الكهنوتية الأولى في الموصل حاولت دائما أن تقرّب بين المسيحيين والمسلمين. وفي كركوك بصفتك اسقفا كان دورك أن تكون جسرا بين مختلف الجماعات في المدينة، والكل يعترف بذلك. هذا ما سمح بتجنب الصراعات. اليوم ايضا بصفتك بطريركا في بغداد، تحاول أن تحاور المسؤولين على أعلى المستويات في السلطة والدولة. ما هو تعريفك للحوار مع الاسلام، هذا الحوار بين الاديان كما يطلقون عليه في فرنسا؟

 

ج/ قبل كل شيء، انه حوار حياة، بسيط، عادي لصيق بالأرض، كعشرة جيران. نعيش سوية، نلتقي في الحي أو محل العمل. واذا اردنا أن ندفع الحوار إلى أمام، ينبغي أن  نتعرف على بعضنا  البعض بشكل اعمق. وهذا مسار يتطلب موقفاً منفتحاً انفتاح، اكثر من الاستماتة في اقناع الآخر، بأي ثمن، بأن ديانتنا هي الافضل. إنه ايضا حالة ثقة  واحترام متبادل  نسجت بصبر. إنه توق إلى الحوار حقًا، وشوق إلى تفهم وجهة نظر الآخر والتعمّق في معرفته. هكذا فإن المسلمين مدعوون لأن يهتموا عن كثب بالمسيحية ليس بمجرد اعتمادهم على كتب المسلمين، بل وخصوصًا أن يأخذوا في الاعتبار ما يقوله المسيحيون عن ايمانهم. وللمسيحيين أيضا أن يبذلوا الجهد لمعرفة الاسلام انطلاقا من مصادرهم. وهذا يساعد على تفكيك الافكار الخاطئة لدى الطرفين. في هذا الحوار ،كلتا الجماعتين من المتحاورين تبحثان عن الحقيقة.

خذي مثلًا موضوع تفهّم سر الثالوث في المسيحية: إله واحد ولكنّه بثلاثة أقانيم: الآب والإبن والروح القدس. كثير من المسلمين يعتقدون بأن الثالوث هو ثلاثة آلهة، مما يجعل من المسيحيين مشركين… لكن بالحوار يمكن توضيح هذا. فنشرح لهم حقيقة ما نؤمن به، وأن إيماننا بالثالوث ليس بثلاثة آلهة، فلا يوجد  مسيحي  واحد يؤمن  بثلاثة آلهة. نؤمن بثلاث عمليات لظهور الله لنا، سمّاها المتكلمون العرب المسيحيون صفات ذاتية ونحن نسميها أقانيم.. وكذا الشأن من إيماننا بألوهية المسيح وبعدم تحريف الكتاب المقدس. وأسوق لك مثلا آخر:

المسلمون لا يمكنهم أن يتصوروا أن يسوع قد صلب. فأجيبهم: “انتم تقولون بأن المسيح لم يصلب وان لديكم احتراما كبيرا له،  و هو (يسوع المسيح) مذكور في القرآن وهو روح الله وكلمة منه .كيف يمكن  لروح لله أن يُقتل؟ اذن لديكم اعتراف بالأصل الإلهي لهذا الانسان، لذا ترفضون أن يكون قد سمّر على الصليب. بالنسبة الينا نحن نؤمن بأن يسوع عظيم ورحوم بحيث ذهب إلى أبعد حد في محبته ، إلى الموت من اجلنا” وان الصلب حقيقة تاريخية  موثقة.. وأشرح لهم بأنه في بدعة الشبهويين أو المظهريين Docètes يعتبرون بأن الله ظهر على شكل انسان خلال عدة سنوات فقط، لكنه لم يتجسد بصورة حقة.

بهذا النوع من التداول يمكن ايضا إقامة الحوار عن  الله. فعند الطرفين توجد وسائل للتعبير عمّا نؤمن به بشكل يجعل الواحد يفهم الآخر. وبهذا الصدد علينا أن نستخدم تعابير جديدة اقرب إلى صيغة الفكر العربي. وقد كتب آباء الكنيسة  الكثير من المؤلفات تداولها المسيحيون والمسلمون في زمن الخلفاء الأمويين والعباسيين، تضمّنت حوارات عن نقاط عقائدية وعن الاخلاق وغير ذلك.  فابتكر هؤلاء الآباء خطابا مفهوما منسجما مع عبقرية اللغة العربية ليشرحوا ايمانهم للمسلمين، ولكن ايضا لكي ينشئوا ويعلموا أجيال المسيحيين بحيث يمكنهم الإجابة عن أسئلة المسلمين. ومن ثم يقع على عاتقنا اليوم واجب الإفادة من تلك الكتابات.

 

س/ أشرتَ إلى تحفظات المسيحيين نحو الاسلام

 

ج/ بعضهم يفكر ان المسلمين ليسوا عميقين او أنهم متطرفون او متعصبون او منغلقون على انفسهم او أن ديانتهم عنيفة. اذا اخذنا التاريخ بالاعتبار وانتشار الاسلام يمكن أن نفهم هذه الاعتراضات، ولا يمكننا أن ننكر أن بين المسيحيين والمسلمين جروحًا تاريخية عديدة. وهذا بالتأكيد قد اثر في نظرتهم إلى الإسلام. ولكن باعتقادي، يجب اليوم أن نتوصل إلى تجاوز هذه الجروح القديمة  فننفتح على الحاضر وعلى المستقبل.

س/ كيف يمكن تجاوز هذه المخاوف وهذه الاحكام القاطعة المتبادلة؟

 

ج/ يبدأ كل شيء بالصداقة. عندما كنت كاهن رعية في الموصل  ثم مسؤولا عن المعهد الكهنوتي عقدت علاقات صداقة متينة مع رجال دين ومفكرين مسلمين. في البداية كانت مجرد زيارات ومجاملات. ثم نظمنا سوية مجموعة محاضرات حول مواضيع دينية متنوعة، وأطلقنا على ذلك اسم “المنتدى اللاهوتي”. فقبل سقوط النظام في بدايات الاعوام 2000، استعرضنا خلال ثلاث سنوات مختلف المواضيع الدينية. في احدى المرات مثلا، تطرقنا إلى موضوع الصلاة: المسيحي من جهة يقدم الصلاة لدى المسيحيين، ومسلم يفعل الشيء نفسه حول مفهوم الصلاة لدى المسلمين، بعد ذلك يدور نقاش حر وأسئلة، ثم نتناول المرطبات. بكلمة مختصرة: صرنا نتحدث عن موضوع واحد محدد وبنفس الطريقة المتبادلة.

تطرقنا مثلا  إلى الصوم الكبير ورمضان وإلى الصدَقة. فبقيت نظرة كل واحد تتجه نحو ديانة الآخر: انا مسيحي كيف ارى المسلم، وهكذا من الجانب الآخر. 

ودارت بيننا نقاشات حول مواضيع اكثر تعقيدًا مثل اللاهوت والتجسد والكتب المقدسة. كان غالبية المشاركين من المسلمين السنة، كما هو الحال في مدينة الموصل التي اغلبية سكانها من السنة، من بينهم رجال دين وأساتذة جامعات وآخرون أناس عاديون من الرجال والنساء. فقمنا بتشخيص نقاط مشتركة بين الأديان مثل احترام شخص الانسان والتربية والعدالة الاجتماعية. وهناك ايضا مشاكل خاصة بالعراق، مثل تطوير حملة محو الأمية المنتشرة لدى الاطفال او اتخاذ موقف ضد حكم الاعدام الذي كان  وما يزال ساري المفعول في البلاد. المسلمون الذين تناقشنا معهم كانوا مع إلغاء حكم الاعدام من الدستور.

ويمرّ الحوار عبر مواضيع وأنشطة واقعية. ففي خورنتي بالموصل مدرسة (ام المعونة الدائمة) طلابها من المسلمين والمسيحيين والاساتذة كذلك. وكأي مدرسة أخرى في المدينة، كان يتم فيها تدريس مادتي الإسلام والمسيحية. وفي عيد الميلاد او في عيد القيامة كان يأتي المسلمون إلى الكنيسة ليتعرّفوا على احتفالاتنا، وكذلك في عيد السعانين بصورة خاصة حيث يشارك الكل. ثم فتحتُ عيادة متوفرة للكل. في كل ذلك جاءت شهادتنا بإمكانية العيش المشترك وان كل الروابط المنسوجة هي عوامل مساعدة لجميعنا.

وعندما سقط نظام صدام حسين في عام 2003 ذهب المسلمون والمسيحيون لحماية الكنائس وجوامع الموصل ضد الارهابيين. حركات عفوية انطلقت بفضل لقاءات الصداقة التي خلقناها. مع الاسف، كثير من الأصدقاء المسلمين قتلوا في احداث العنف التي لم تتوقف عن تمزيق المدينة منذ غزو الامريكان.

س/ هل استأنفت عمل الحوار هذا عندما انتُخبت رئيس اساقفة كركوك ؟

 

ج/ نعم بل اكثر من ذلك، عندما اصبحت اسقفًا تكوّنت لديّ علاقات مع مسؤولي الحكومة والأحزاب السياسية والأئمة، في هذه المدينة التي تقع شمال بغداد. كان التوتر بعد سقوط صدام حسين على اشدّه، والسيارات المفخخة تنفجر بنحو شبه يومي، وحدثت وقتذاك أعمال خطف واغتيالات، خصوصا وأن المنطقة متنازع عليها بين كردستان العراق والدولة المركزية، حيث كل طرف يطالب بحقه في هذه المدينة التي شهدت ايضا توترات مع التركمان تجاه الشيعة والسنة، وبعبارة واحدة تعدّ كركوك  نوعا  ما كخلاصة لكل ما في العراق من توترات. واقع خطير إذا ما اعتبرنا أن حول المدينة يوجد ثاني اكبر خزين للنفط في البلاد، وأن كل يوم تنبثق من أرضها ثروة الذهب الاسود.

في وسط هذه الصراعات المستديمة لم يسلم المسيحيون: 31 شخصًا منهم قتلوا في كركوك منذ 2003. في الواقع لم يُقتلوا كلهم لمجرّد كونهم مسيحيون، بل أيضا لمصادفة تواجدهم في وقت ومكان التفجير الانتحاري، مارّين في الشارع أو ذاهبين للتسوّق. لكن بعضهم أيضا اختطف. في هذا الشأن يجري الكلام كثيرا عن الارهاب والقاعدة وغير ذلك، ولكن برأيي هذا الاختطاف كان مرتبطا بمسائل سياسية، ثمة اسباب متداخلة ومعقدة، اصبح فيها المسيحيون أحيانًا ضحايا رغما عنهم. فعند حدوث مشكلة بين جهة ضدّ جهة أخرى، كانت تنفجر قنبلة قرب كنيسة، في رسالة ضمنيه أنه ليس لدينا خيار آخر غير الاصطفاف مع هذه الجهة أو تلك. والاكثر خطورة، في الأمر، صارت من ثمّ السيارات المفخخة غدت وسيلة لتبادل الرسائل! لماذا يا ترى تحل المشاكل بهذه الطريقة بدلا من التواصل المباشر والتعبير عن الموقف؟ 

في خضمّ هذا العنف اتخذ الحوار لدينا اشكالا واقعية. ففي حقبة خدمتي كمطران في كركوك (2003-2013)، وعند حدوث انفجار ما، غالبا ما قمت بزيارة الجرحى مع  أحد الأئمة إلى المستشفى وإعطائهم هدية مادية  باسم المسيحيين. وفي إحدى السنوات نشرتُ تقويمَ رمضان ووزعتُه مجانا على الجوامع. هذه الاعمال البسيطة تؤثر في نفسيات الناس.

كما جمعتنا مع رجاء الدين لقاءات منتظمة للنقاش حول وضع المدينة؛ في نهايتها نصدر بيانًا مشتركًا حول السلام، وأخذت الروابط تتوطد قدما بيننا. في أحد الايام ذهبتُ إلى جامع لألقي خطابا، وهي سابقة لم تحدث من قبل. ومن جانبي قمت أيضا بثلاثة تجمعات صلاة مشتركة (مسكونية) بين المسيحيين والمسلمين. فقمت باختيار التراتيل والمزامير وقراءات الكتاب المقدس وطلبت من احد الأئمة أن يقرأ نصا من القرآن. ثم ألقيت كلمة، وأخرى القاها شيعي وثالثة القاها سني. بل طلبت من سيدات مسلمات أن يقرأن  ابتهالات (طلبات) في الكنيسة. بالنسبة إلى كركوك كان ذلك بمثابة ثورة. وكان  الزوار ينبهرون من جمال هذه اللقاءات، بحيث ما كانوا يرغبون في الخروج من الكاتدرائية، وهم يستمعون لأول مرة لتراتيل جوقتنا وموسيقاها.

س/ كيف استطعت واقعيا أن تجمع بين جهات وأشخاص كانوا أبعد عن التواصل مع بعضهم عن طريق الحوار؟

 

ج/     عندما يشعر الناس، ومنهم الائمة أنفسهم، بأنك تكنّ لهم المحبة وتحترمهم بصدق ، تكون أنت الرابح على طول الخط. هذه العلاقة الشخصية مهمة جدا، فالحوار ليس بين الاديان ولا بين المفاهيم بل هو بين الاشخاص. وقد عرف الجميع من مختلف الجماعات اننا حاضرون في المطرانية حيث يجدون المساندة. فما أن استجد حادث او طرأت مشكلة تراهم يأتون للاستشارة. هذه الصداقة العميقة هي قبل كل شيء انسانية، ثم تغدو روحية عندما نتكلم معا عن الله او عن الخير والعدالة، عن  التسامح والغفران. ذهبت، مرات عديدة، إلى القنوات الفضائية ومعي احد  علماء الدين المسلمين لنوجه كلمة إلى الشعب بغية تهدئة الوضع السياسي. وكررنا معا، مرات ومرات بأن العنف ليس وسيلة  لحل المشاكل  وانه لا ينبغي أن نقاتل الناس بل نحترمهم مشجعين على الحوار فنشيع السلام. هذه الكلمات المشتركة من جانبينا كان لها صدى  وتأثير على الناس.

وأود الإشارة بتواضع، إلى امكانية ساعدتني على كسب ثقة مسلمي المدينة. وهي دراستي للإسلام وحصولي فيه على شهادة الماجستير من روما. بالنسبة اليهم، أن يجدوا ذلك عند مسيحي وهو مطران، ويعرف الاسلام جيدا، فهذا شيء متفرد لحدّ الغرابة، ويقدّرونه جدا. وقد سبق لي وأن نشرت مقالات حول الاسلام وأصدرت كتيبًا يشرح كيف نقدّم المسيحية للمسلمين و الاسلام للمسيحيين باعتماد المصادر الأصيلة لدى الديانتين وبلغة قريبة من عقلية ابناء الشعب.

وأراني في الآخر نجحت في جمع الناس، خصوصا وأني في الواقع احب العلاقات الانسانية. هكذا شيئا فشيئًا اصبحت المطرانية نقطة انطلاق لسكان كركوك وللسلطات السياسية والدينية، بل حتى الاحزاب أخذت تقصدنا طلبًا للمشورة.

س/ هل حصلت على تقدم كبير نحو السلام في هذه المدينة ؟

 

ج/ نعم وهذه دعوة بحق للمسيحيين في العراق بأن يخدموا هذه القضية كونهم جسورًا للمصالحة بين الجماعات. فقد نظمت في الاقل عشرة مؤتمرات تجمع السلطات السياسية والدينية. وقدمت مأدبة إفطار خلال شهر رمضان للمئات. وساد انطباع لدى الكل: “أن الكنيسة وحدها تتمكن من الجمع  بينهم”. انطباع بين الأكراد والعرب، بين الشيعة والسنة، الذين قلما كانوا يتزاورون. ولكن عندما تبادر الكنيسة الى دعوتهم يستجيب الجميع سوية، وقد لاحظت الشيء عينه في بغداد.

وجاءت النتيجة الواقعية: اضافة إلى الصداقة المتطورة بيننا، استطعنا توقيع وثيقة عهد بعشر نقاط، للعمل من اجل السلام في كركوك، فيلتزم كل واحد بموجب هذا العهد بأن يربي الشباب على قيم السلام والغفران بعيدًا العنف، ويتوقف الخطاب التحريضي على التمييز والكراهية..  كان علينا أن نسهر على تعزيز التعايش والاحترام فيما بين الأفراد والجماعات وتجاه ديانات الاقليات. كل هذا أدى إلى أن كل الفاعلين الناشطين، اقسموا في المطرانية على أن يعملوا من أجل السلام والاستقرار  في هذه المدينة ولا ندع الارهاب يدخل اليها أو نساعد الإرهابيين أو نموّلهم بأي شكل او اخر.

وإذا كان لا بدّ من الإقرار فهو أن كل هذا لم يمنع القنابل من الانفجار، ولكن، بناءً على الاطر التي تقوم ضمنها المدينة، يبقى ما حدث، من لقاءات وخطط للسلام، في عداد الإنجازات الكبيرة.

س/ محاولات الحوار هذه، لا بد وأنها كانت تغيظ البعض؟

 

ج/ هناك بالتأكيد من لا يحتمل الحوار او العلاقة مع المسيحيين كذلك ثمة إسلاميون لا يحتملون مثل أولئك الأئمة ويعدّونهم فاترين. لكنني استطيع أن اشهد بأن كل جماعات المدينة تضمّ أناسًا ذوي ارادة صالحة. وقد برز على الخصوص ثلاثة أئمة امتلكوا شجاعة التحدّث الإيجابي عن المسيحيين داخل جوامعهم؛ مما لم يكن مألوفًا من قبل، كأن يقولون: المسيحيون اخوتنا، ويؤكدون هذا بالتوضيح: معلوماتكم خاطئة عنهم، مشيدين بدور المطرانية. وعندما يزور المدينةَ مسؤولٌ من حكومة اقليم كردستان او من الحكومة المركزية في بغداد كانوا بصورة معتادة يدعوني إلى لقائه ليس بصفتي رئيس كنيسة في المدينة، بل كناطق باسم رجال الدين، مسيحيين ومسلمين، فيقول الجميع: إن المطران هو الذي يمثلنا وبه نثق.

من ناحية أخرى، عندما حدث الهجوم على كاتدرائية سيدة النجاة في بغداد في عام 2010 ندّد المسؤولون جميعا بالجريمة وعلقوا اللافتات في الشوارع معبّرين عن غيضهم إزاء المذبحة. وفي الجوامع، ندّد أغلب الأئمة بالإرهابيين، وبيّنوا بأن أولئك هم ضد الاسلام ولا يمثلونه.

س/ في بغداد بصفتك بطريركا هل استأنفت مشوارك بهذا الاتجاه؟

 

ج/ اقيم هنا منذ سنة ونيّف (أجري الحوار سنة 2014 – ملاحظة المعدّ) ولديّ طبعا علاقات مع المسلمين، ولي حضور في الحياة البغدادية والتقي بأعلى سلطات البلاد، ولدي مقابلات مع التلفاز ووسائل الاعلام مدافعًا عن وحدة الوطن وعن الحوار وأدلي بالتصريحات ضد العنف. وأتّخذ بلا انقطاع جانب الدفاع عن المستقبل والمساواة بين المواطنين، ساعياً إلى تطبيق ذلك على ارض الواقع: ففي اذار 2014 مثلًا ذهبت إلى الجامع السني الكبير ام القرى لتوزيع مواد ضرورية عينية مع اخوية المحبة (كاريتاس) لألف عائلة ممن هربوا من المعارك في الانبار ولجأوا إلى بغداد، وهناك نوّهت عن التضامن بين البشر مهما كان دينهم وأن على التضامن أن يتخذ اشكالا واقعية ولا يبقى مقتصرا على الكلمات.  وكذلك  ساعدنا المهجرين المسلمين في الفلوجة  وجسر البزيبز  وكركوك والموصل….

س/ كيف استطاع هذا الحوار في حقيقته وحدوده، أن يقاوم مجيء الدولة الاسلامية؟

ج/ سيادة المطران يوسف توما،  رئيس اساقفة كركوك الحالي، استمر في إدامة الروابط مع المسلمين.  اما في بغداد  فقد تمكنا لحدّ الآن أن نحافظ على هذه العلاقات. ولاحظنا أن  الغالبية يرفضون ايديولوجية العنف والارهاب  خصوصا  ما  يقوم به تنظيم الدولة الاسلامية – داعش.

ولكني في الوقت عينه بُتّ أتوسم ظاهرة من الراديكالية لدى مسلمي العراق.  إذ نجد  أكثر من قبل علامات التصرف الديني في الشارع وعلى سبيل المثال بروز ظاهرة النقاب. ويبدو أن هؤلاء الاشخاص يريدون من خلال ذلك الحفاظ على هويتهم التي قد يرونها مهددة، ويخشون ثقافة الغرب وعاداته البارزة على التلفاز او خلال سفراتهم في مظاهر مثل: العقلية الليبرالية والمثلية الجنسية، الأفلام الإباحية والعلاقات قبل الزواج او الزواج المدني والطلاق… هذه كلها تشكك الكثيرين ولا يستوعبونها. مظاهر أرى أنها سببت جوانب من الراديكالية، بجانب اسباب اخرى على الصعيد الجغرافي-السياسي: مثل الشعور بالضياغ والخسارة في خضم هذه اللعبة العالمية الكبرى وأن الغربيين خاضعون لإسرائيل.

س/ بحسب رأيك هل أدانت السلطات الدينية المسلمة بحزم الدولة الاسلامية؟

ج/ الإدانات كانت نوعا ما  خجولة. فبعد بضعة اسابيع من وصول داعش ذهبتُ للقاء آية الله السيستاني، وهو أعلى سلطة شيعية في العراق، كانت المرة الاولى التي فيها التقيه، وهو رجل محترم جدا وزاهد ويعيش بشظف. ذهبتُ إليه في النجف حيث يسكن في بيت صغير بسيط، ندد طبعا بالهجمات ضد المسيحيين. اقترحت عليه أن يصدر فتوى، فأجابني: “إنهم لن يسمعوني، كما أن المسيحيين لا يستمعون إلى البابا!”. وجدته إنسانًا طيبا.

 كل المسلمين يقولون إن داعش لا يمثل الاسلام ولا جبهة النصرة ولا القاعدة. هذا صحيح ، لكن هذه الأيدولوجيات المدمّرة ترتكب جرائمها باسم الاسلام وتشوّهه. لهذا السبب فإن ضعف ردود الأفعال من كبار المسلمين والرسميين بينهم لهو أمر مشكك،  وان العديد  من المسؤولين ورجال الدين المسلمين لم يولوا الأهمية الكافية، أقله في البداية، إلى الخطر الذي كانت تمثّله “الدولة الاسلامية”.

لقد كتبت رسالة مفتوحة إلى اخوتي واخواتي المسلمين في العالم ونشرتها في نهاية شهر تشرين الثاني 2014، ابان المؤتمر العالمي في فيينا الذي نظمه مركز سعودي للحوار بين الاديان والثقافات. ذكرت أن على المسلمين أن يقاوموا العنف بأنفسهم، فهو يستشري باسم الديانة. فعلى المسلمين أن يخرجوا إلى الشارع، ليبرزوا إيمانهم الأصيل بالقول: “هذا هو اسلامنا!”. وجاءت في الرسالة الدعوة إلى المفكرين الكبار بأن يدينوا بحزم ويفككوا هذا السرطان، هذا الوباء على الصعيد القانوني، وأن عليهم التنديد بهذه الهجمات ضد المسيحيين والاقليات الدينية الاخرى  وألا يكتفوا بالقول بأن المسلم لا يؤذي مسلمًا آخر… عليهم أن يقولوا: على المسلم أن لا يؤذي انسانا بريئا أيا كان دينه. فالضرورة ملحة أن تنشئة الناس وتوجيههم في هذا الشأن وإلا سوف نقع في الفوضى.

وبرأيي ينبغي على المسلمين أن يطوّروا أكثر فأكثر ثقافة تتسم بالاعتدال، وان يراجعوا مناهج التعليم الديني او يعيدوا كتابتها. وأن يتحدّثوا في الجوامع عن القيم الإيجابية للعدالة والاحترام والمواطنة والشرف وحقوق الانسان، بعيدًا عن أي نوع من التحريض او  وضع حواجز بين الناس، مسلمين ضد غير المسلمين، شيعة ضد سنة، من دون ذلك فلن يتوقف العنف ابدا.

س/ هل لديك أمل أن ذلك سوف يتحقق يومًا ما ؟

 

ج/ إن المسلمين لن يجدوا في نهاية الأمر طريقا غير هذا الطريق للالتزام به، لكن ذلك يأخذ وقتًا طويلا.  ويبقى أن “الدولة الاسلامية” تشكـّل الخطر عليهم أولا. فمن جهة  سوف يهاجر المسيحيون، لكن الخطر، من الجهة الأخرى، هو على المسلمين ايضا بألا يحدث الاقتتال فيما بينهم. فالعقلية المتعصبة لها نتائج وخيمة. انظري، يا سيدة لورانس، إلى عدد القتلى من المسلمين في العراق إنه رقم مروع! لماذا كل هذا؟ ماذا بعده؟ ماذا سيحدث؟ كل هذا لا معنى له؟ اي لا مستقبل له.

إن ردّ الفعل ضد التعصب يمكن أن ينبثق صعودا من تحت، من الناس البسطاء، من المسلمين الذين يريدون أن يعيشوا بسلام وامان.

على أي حال لدي أمل كبير باتجاه غد أفضل.

عن Maher

شاهد أيضاً

رياضة روحية استعدادا للآحتفال بعيد الميلاد المبارك- اسطنبول

رياضة روحية استعدادا للآحتفال بعيد الميلاد المبارك . بفرح كبير اجتمع في دار المطرانية الكلدانية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *