الرئيسية / المقالات / السابع من القيامة:الشخص المناسب في المكان المناسب

السابع من القيامة:الشخص المناسب في المكان المناسب

السابع من القيامة:

الشخص المناسب في المكان المناسب

الأب ريبوار عوديش باسه

 

قراءات الأحد السابع من موسم القيامة:

 

الأولى من سفر أعمال الرسل (١، ١٥ ـ ٢٦) تنقل لنا خبر اجتماع الرسل بعد صعود المسيح واختيار متياس خلفاً ليهوذا.

الثانية من الرسالة الى اهل فيلبي (١، ٢٧ ـ ٣٠؛ ٢، ١ـ ٥) تدعو الى ترجمة الايمان الى الواقع حتى لا يبقى مجرد شعارات.

الثالثة من إنجيل مرقس (١٦، ١٤ ـ ٢٠) تروي خبر ظهور يسوع لتلاميذه وكيف عرفوه من خلال اقتسام طعام المحبة والارسال الى التبشير.

تفسير نص القراءة الأولى (سفر أعمال الرسل ١، ١٥ ـ ٢٦) وتأوينه:

 يستهل مار بطرس أول موعظة له في سفر أعمال الرسل بالحديث عن مصير زميله يهوذا الإسخريوطي الذي هلك بسبب خيانته للرب يسوع المسيح. يفسر بطرس الرسول ما جرى ليهوذا على ضوء العهد القديم: “فقَد كُتِبَ في سِفْرِ المَزامير: «لِتَصِرْ دارُه مُقفِرة ولا يَكُنْ فيها ساكِن …»”، (أع ١، ٢٠ أ؛ قارن: مز ٦٩، ٢٦). كما يؤكد على ضرورة اختيار شخصٍ آخرٍ في مكانه مستنداً على نصٍ آخرٍ من سفر المزامير: “… وكُتِبَ أَيضًا: «لِيَتَوَلَّ مَنصِبَه آخَر»” (أع ١، ٢٠ ب؛ قارن: مز ١٠٩، ٨). بطرس الذي نكر يسوع ثلاث مرات وحلف بأنه لا يعرفه، يتحدث عن خيانة زميله ليسوع وبيعه له بثلاثين من الفضّة وتسليمه له بقبلة الخيانة! الفرق بين بطرس ويهوذا هو أن الأول تاب واهتدى، أما الثاني فإن إثمه كان سبب هلاكه (حسب انجيل متى ٢٧، ٣ ـ ١٠ يهوذا يندم وينتحر؛ أما حسب اعمال الرسل، فإنه يسقط ويموت: “وقد تَمَلَّكَ حَقْلاً بِالأُجرَةِ الحَرام فَوَقَعَ على رَأسِه مُنَكَّساً وانشَقَّ مِن وَسَطِه، واندَلَقَت أَمعْاؤُه كُلُّها” (اع ١، ١٨).

ذكر خيانة يهوذا وموته المأساوي هو مقدمة لاختيار مَن يحل محله. هذا الاختيار يتّم بطريقةٍ دقيقةٍ وبشعورٍ بالغٍ بالمسؤولية. إذن انتخاب بديلٍ ليهوذا يتمّ بجهود بشرية من جهة، بإرادة الرب وبركته من جهة أخرى. يمكننا تلخيص الخطوات التي اتخذت لانتخاب متيَّا خلفاً ليهوذا بما يلي:

أولاً: التأكيد على ضرورة اكتمال النصاب القانوني. فالحاضرون يبلغ عددهم مائة وعشرين شخصاً (أع ١، ١٥). هذا العدد هو النصاب القانوني لاختيار السنهدرين الذي يمثل الشعب الإسرائيلي، ويشير لأهمية مشاركة الشعب في اختيار الأشخاص الذين يمثلونه.

ثانياً: بطرس ـ الأول بين الرسل ـ يقوم بإلقاء موعظة رائعة لتهيئة الحاضرين لهذه الخطوة المهمة (أع ١، ١٦ ـ ٢٢).

ثالثاً: يقوم بطرس بوضع شروط وضوابط للمرشح، أبرزها أن يكون المرشح ذَكَراً (أع ١، ٢١)، وأن يكون أحد التلاميذ الذين رافقوا يسوع من لحظة معموديته على يدّ يوحنا المعمذان، ولحدّ يوم صعوده إلى السماء (أع ١، ٢١ ـ ٢٢).

رابعاً: الغاية من الانتخاب ليست لمجد باطلٍ، وإنما لأداء شهادة مع بقية أعضاء الكنيسة لقيامة المسيح: “… شاهِدًا مَعَنا عَلى قِيامتِه” (أع ١، ٢٢ ب)، وللقيام بخدمة الرب وكنيسته، ولإعلان رسالة الخلاص (أع ١، ٢٥).

خامساً: الجماعة الحاضرة تشارك مشاركة فعالة، وتقترح أسماء مرشحيها التي تنطبق عليها الشروط المطلوبة (أع ١، ٢٣).

سادساً: كل ما تقوم به الجماعة المؤمنة يستند على العهد القديم وعلى بشارة الإنجيل وتعاليم الرب يسوع (أع ١، ١٦. ٢٠ ـ ٢٢).

سابعاً: بعد إتمام كل الخطوات تصلي الجماعة قبل البدء بالقرعة (أع ١، ٢٤ ـ ٢٥). والقرعة ذاتها في التقليد الكتابي تمثل طريقة لمعرفة إرادة الله وتحقيقها، وذلك من خلال الأشخاص الذين يقومون بالاقتراع بنية صافية وقلب طاهر وإرادة صالحة لتحقيق إرادة الله وتمجيد اسمه (قارن: أم ١٦، ٣١؛ ا صم ١٤، ٣٦ ـ ٤٦؛ لو ١، ٩).

إذن دروس وعبر كثيرة يمكن استقائها من هذا النص، وفي مقدمتها الدعوة للتوبة. نعم، كل البشر خاطئون مثلما كان تلاميذ الرب الاثني عشر. لكن العودة إلى الطريق الصحيح وتغيير المسار بشكل جذري مهم جداً. وهذا ما قام به بطرس حيث لم يستسلم لليأس مثل يهوذا.  ثانيا: يبين النص بأن الكنيسة لا تتوقف على شخص معين. صحيح أن كل فرد لديه دوراً في الكنيسة، لكن الكنيسة تكمل مسيرتها حتى من دونه. فبدل من شخص واحد كان هنالك شخصين ليحلا محل يهوذا الإسخريوطي، وهما بَرْسابا الذي يُلَقَّبُ بيُسْطُس، ومَتِّيَّا (اع ١، ٢٣). أما ابتعاد شخص ما عن الرب وكنيسته، فسيكون له نتائجه السلبية قبل كل شيء عليه ذاته، وقد يتسبب بهلاكه مثلما كان سبباً لهلاك يهوذا الإسخريوطي. ثالثاً: عندما يتمّ اختيار شخصٍ لتأدية رسالةٍ في الكنيسة، ينبغي القيام بذلك بشفافية كاملة، وبضمير حيّ، وبحسب ضوابط محددة، وفي أجواء روحية والطلب من الله كي ينير العقول ويهدي القلوب لاختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، تماماً كما قام المسيحيون الأولون في اختيار بديلٍ ليهوذا الإسخريوطي.

 

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: القداس”الكلداني” ليتورجيا كونيَّة ديناميكية، عيدٌ واحتفالٌ، وينبوعُ حياةِ

موضوع السبت: القداس”الكلداني” ليتورجيا كونيَّة ديناميكية، عيدٌ واحتفالٌ، وينبوعُ حياةِ  الكاردينال لويس روفائيل ساكو للقداس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *