الرئيسية / المقالات / الأول من الرسل:تعدد اللغات والثقافات نعمةٌ وبركةٌ

الأول من الرسل:تعدد اللغات والثقافات نعمةٌ وبركةٌ

الأول من الرسل:

تعدد اللغات والثقافات نعمةٌ وبركةٌ

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الاول من موسم الرسل (أحد حلول الروح القدس):

الأولى من سفر أعمال الرسل (٢، ١ ـ ٢١) تعكس حياة الجماعة المسيحية الأولى التي ينعشها الروح القدس.

الثانية من الرسالة الاولى إلى اهل قورنثية (١٢، ١ ـ ٢٧) تعدد مواهب الروح القدس التي تسند الجماعة.

الثالثة من إنجيل يوحنا (١٤، ١٥ ـ ١٦. ٢٥ ـ ٢٦؛ ١٥، ٢٦ ـ ٢٧؛ ١٦، ١ ـ ٤) فيها يشرح يسوع دور الروح القدس الذي يقومُ بتذكير المؤمنين بتعليمه.

تفسير نص القراءة الأولى (سفر أعمال الرسل ٢، ١ ـ ٢١) وتأوينه:

 

الأحداث التي ترد في الفصل الثاني من سفر أعمال الرسل مهمة جداً للكنيسة الناشئة حيث يتمّ فيها تحقيق وعد الربّ بإرسال الروح القدس (قارن: يو ١٤ ـ ١٦؛ أع ١، ٤ ـ ٥). يمكن تقسيم الفصل على النحو الآتي: ١. حلول الروح القدس (أع ٢، ١ ـ ١٣). ٢. موعظة مار بطرس (أع ٢، ١٤ ـ ٣٦). ٣. نتائج الموعظة (أع ٢، ٣٧ ـ ٤١). ٤. ملخص عن حياة الجماعة المسيحية الأولى بعد العنصرة (أع ٢، ٤٢ ـ ٤٧).

يجدر الملاحظة بأن الكاتب في الجزء الأول من النص يركز تارة على تحدث الرسل بلغات أخرى كهبة من الروح القدس (أع ٢، ١ ـ ٤. ١٢ ـ ١٣)، وتارة على استماع الحاضرين لكلام الرسل كلٌ بلغته (أع ٢، ٥ ـ ١١). وكأنه تجري معجزتان، الأولى هي أن الرسل يتحدثون بلغات الحاضرين، ولهذا يعتبرونهم وكأنهم سكارى (أع ٢، ١٣. ١٥)، والثانية هي استماع الحاضرين لكلام الرسل كلٌ بلغته (أع ٢، ٦. ٨. ١١)، بالرغم من حديث الرسل بلغة الجليل أي الآرامية (قارن: أع ٢، ٧). نرى بأن الغرض من ذكر هذين الجانبين هو التأكيد على أن إيصال بشارة الإنجيل يتطلب التفاعل بين المتحدث والمستمع. فالطرفان لديهما دوراً فعّالاً ومترابطاً ومكملاً الواحد للآخر. فمهما كان الواعظ بارعاً، إن لم يفتح المستمع اذنيّه لاستماع كلمة الله: “مَن كان لَه أُذُنانِ فَلْيَسمَعْ” (مت ١١، ١٥)، وذهنه لفهمها، وقلبه لعيشها، لن يكون هنالك تأثرٌ لذلك! نجدُ مثالاً على هذا التفاعل بين الواعظ ومستمعيه مباشرة بعد حدث حلول الروح القدس، حيث يوعظ مار بطرس بقوة وحماس مستنداً على النبوءات من العهد القديم وتعاليم الإنجيل (أع ٢، ١٤ ـ ٣٦)، ويتفاعل الحاضرون معه متقبلين كلام الربّ في حياتهم بفرحٍ: “فلَمَّا سَمِعوا ذلكَ الكَلام، تَفَطَّرَت قُلوبُهم، فقالوا لِبُطرُسَ ولِسائِرِ الرُّسُل: «ماذا نَعمَل، أَيُّها الأخَوة؟» …” (أع ٢، ٣٧ ـ ٤١).

أما فيما يتعلق بوصف حلول الروح ومعانيه، فعلينا قبل كل شيء الرجوع لبداية سفر أعمال الرسل حدث يظهر الربّ لتلاميذه ويوصيهم قبل صعوده إلى السماء (أع ١، ٦ ـ ١١) بأن ينتظروا حلول الروح القدس عليهم:٤ وبَينَما هو مُجتَمِعٌ بِهِم، أَوصاهُم أَلاَّ يُغادِروا أُورَشَليم، بل يَنتَظِروا فيها ما وَعَدَ به الآب «وسَمِعتُموه مِنِّي، ٥ ذلك بِأَنَّ يوحَنَّا قد عَمَّدَ بِالماء، وأَمَّا أَنتُم ففي الرُّوحِ القُدُسِ تُعَمَّدونَ بَعدَ أَيَّامٍ غَيرِ كثيرة»” (أع ١، ٤ ـ ٥). إذن هذا النص يؤكد على أن حلول الروح القدس هو المعمودية بالروح القدس (قارن عبارة “ريح عاصِفَة” للإشارة للروح القدس في أع ٢، ٢) والنار (قارن عبارة “أَلسِنَةٌ كأَنَّها مِن نارٍ” في أع ٢، ٣). وبهذا تتحقق أيضا نبوءة يوحنا المعمدان المنادي: “أَنا أُعمِّدُكم في الماءِ مِن أَجْلِ التَّوبة، وأَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار” (مت ٣، ١١). إذن معمودية يوحنا كانت للتوبة، وكانت تجري لكي فردٍ على حدة، أما معمودية الربّ يسوع فهي بالروح القدس والنار، والجماعة المؤمنة تنالها معاً فتوحدها وتجعلها جماعة نبوية تشهد لقيامة يسوع أمام البشرية بأسرها.

إذن الروح القدس بقوته الخلّاقة ومواهبه المتنوعة يدفع الجماعة الكنسيّة للانطلاق نحو إعلان بشارة الإنجيل. هذا الإعلان يجري بطريقة مفهومة ويعبر عن التواصل بين جميع الناس بمختلف لغاتهم وثقافتهم وانتماءاتهم. إنها الوحدة بالتنوع. فالروح يوحد الكل، ويحافظ في الوقت عينه على التنوع باللغات والانتماءات، والأعراق والاجناس، والثقافات والحضارات كونها غنى وبركة للكنيسة وللإنسانية جمعاء.

لاحظنا بأن النص يبدأ بهذه الكلمات: “ولَمَّا أَتى اليَومُ الخَمْسون، كانوا مُجتَمِعينَ كُلُّهم في مَكانٍ واحِد” (أع ٢، ١). من يقصد بالـ “مُجتَمِعينَ كُلُّهم “؟ للإجابة على هذا السؤال ينبغي العودة للفصل الأول من سفر أعمال الرسل حيث يتبين بأن المجتمعين هم التلاميذ الاثنا عشر (أع ١، ٢. ١٣)، ومعهم “بَعضِ النِّسوَةِ ومَريَمَ أُمِّ يسوع ومعَ إخوته” (أع ١، ١٤)، بالإضافة إلى “جَمع مُحتَشِد مِنَ النَّاسِ يَبلُغُ عدَدُهم نَحوَ مِائَةٍ وعِشرين” (أع ١، ١٥). هذه الجماعة نالت الروح القدس وشرعت بإعلان إنجيل الخلاص.

أما المستمعون فهم قادمون من كل بقاع الارض المعروفة في ذلك الزمان، ويُذكرون حسب مناطقهم الجغرافية، ومحل سكناهم، وانتماءاتهم العرقية والثقافية واللغوية والاجتماعية. والجميل هو أن كل واحد يخاطب بلغته، أو يفهم بلغته. وهذا ما يعبر عن التناغم والتفاهم والتكامل والوحدة في التنوع، والاحترام البالغ والتقدير الكبير لكل ثقافة ولغة وانتماء. وبالتالي يريد النص التأكيد على أن التنوع والاختلاف هو وفق الإرادة الإلهية كيما يتعلم الناس من بعضهم البعض، وأن يكونوا متسامحين مع بعضهم البعض، وأن يسود الاحترام المتبادل فيما بينهم.

هذه الإرادة الإلهية تتناقض مع مشروع برج بابل (قارن: تك ١١، ١ ـ ٩) أي مشروع اللغة الواحدة والثقافة الواحدة والفكر الواحد واللون الواحد. فهذا لا يمثل المشروع الإلهي، وانما يمثل فقط الهيمنة والغطرسة والاستغلال وحكم القوي على الضعيف. واليوم عالمنا أكثر من أي حقبة أخرى يتعرض لهذا المشروع الذي يُراد منه ابتلاع الكل من قبل القلة قليلة، والسيطرة على كل شيء من خلال التحكم بمصير العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً ولغوياً وتكنلوجياً. إنه برج بابل الجديد المتمثل بالعولمة. الاحتلال الجديد الذي يغزو الفكر والقلب قبل الأرض والوطن. خير مثال على ذلك هو اللغات، فهنالك ٣٠٠٠ لغة من بين ما يقارب ٧٠٠٠ لغة في العالم مهددة بالانقراض خلال هذا القرن بسبب العولمة وحكم القوي على الضعيف. وبانقراض هذه اللغات تنقرض شعوب بتاريخها وثقافات وارثها الحضاري الفريد.

وبالتالي كنيسة اليوم على مثال الكنيسة الأولى مدعوة لإيصال بشارة الخلاص للناس كل وفق لغته وثقافته، وتساهم في المحافظة على خصوصيته الفريدة والدفاع بشكل خاص عن الضعيف حتى من هذه الناحية بسبب الغزو الفكري الذي يتعرض له من قبل الطرف الأقوى. فتعدد اللغات والثقافات ليس لعنة وعقوبة، وإنما نعمة وبركة. والوحدة الحقيقة هي تلك التي تحافظ على خصوصية كل فرد، وتخلق التناغم والانسجام بين الجميع كالحديقة المملؤة وبشكل متناسق بمختلف أنواع الزهور والورود، وكالفسيفساء التي لا تكتمل صورتها ولا تتألق بجمالها إلا حينما تأخذ كل قطعة منها مكانها المناسب. ولهذا السبب الكتاب المقدس ذاته كتب بثلاث لغات العبرية والآرامية واليونانية، وترجم منذ القدم، ولا يزال يترجم لمختلف لغات العالم. وكذلك الحال بالنسبة للطقوس والتعاليم الروحية واللاهوتية.

إن الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة الأولى وحدها لتعيش حياة الشركة والمقاسمة وتأدية الصلاة بقلب واحد في الهيكل، وكسر الخبز في البيوت، وتناول الطعام بابتهاجٍ وسلامة القلب. يلخص سفر أعمال الرسل كل ذلك بهذه الآية الرائعة: “وكانوا يُواظِبونَ على تَعليمِ الرُّسُل والمُشاركة وكَسْرِ الخُبزِ والصَّلَوات” (أع ٢، ٤٢). فهل نحن اليوم موحدون على مثال الكنيسة الأولى، ومواظبون على ما كانت مواظبة عليه؟!

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: كلماتنا تكون عِبر الحقيقة 

موضوع السبت: كلماتنا تكون عِبر الحقيقة  الكاردينال لويس روفائيل ساكو هناك كتَّابٌ أصبحوا معروفين بانتقاداهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *