الرئيسية / المقالات / تقلبات العائلة، بين الأمس واليوم…

تقلبات العائلة، بين الأمس واليوم…

تقلبات العائلة، بين الأمس واليوم…

المطران الدكتور يوسف توما

كلمات مثل “الأمة، الدين، العشيرة، القبيلة”، لا يمكننا أن نفهمها إذا لم نحدد معنى “العائلة”، كلها تشير إلى ما يعنيه الحنين لدى كل شخص، والعائلة لا تقتصر على حالة تعريف ضيّق لذات الشخص وإنما تجعله يمتدّ إلى أوسع منها فيصعد ليصل إلى أبعاد شاسعة قد يحتضن الكون كله، أو قد يشعر بذلك جيدا إذا ما أصبح فنانا أو شاعرا (كقصيدة “الناي” لجبران خليل جبران حيث يقول: “وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود”). العائلة تجعل الفرد لا ينسى أنه جزء من هذا الكون، شاء أو تجاهل عن كسل. هناك قانون جاذبية آخر – لا ينزل إلى تحت بل هي جاذبية نحو الأعلى، عملية سحب إلى فوق يعرفها كل محب ومفكر وصاحب هدف، من يعمل بقانون التجاوز الموجود في كل شيء وصولا إلى التسامي الذي يعبّر عنه المسيح حين يقول: “وأنا إذا ارتفعت رفعت إليّ الناس أجمعين” (يو 12: 32).

هذا المؤشر الصاعد يوجد في الحب والصداقة والمودة والتقديس والدهشة، أي في أمور تجتاحنا وتخترقنا في مختلف مراحل حياتنا. إنها حركة في كل كائن وديناميكية الأحياء: النمو والعبور، فكل شيء يعج بالحركة، في أدق التفاصيل، من اللامتناهي في الصغر وحتى اللامتناهي في الكبر. وعندما نتوقف ونتأمل ما حولنا سنشعر كما لو كان لدينا معها قرابة دم وارتباطا عائليا، مثل القديس فرنسيس (1182 – 1226) حين ينادى العناصر بأسماء تحبّب: أخي الماء، أختي النار…، نحن أقارب دم وحياة معها. وهل يمكن لأحد أن يتخيّل الحياة من دون هذه القرابة والانتماء؟ لذا فواجب كل عائلة أن تدفع الفرد كي يصعد نحو تلك الشمولية ليصبح قريب الجسم الكبير، فيمتد إلى أبعد من العشيرة، والقبيلة، والدين، والأمّة، وإلا بقي في سجن…

لا بد أن أعترف أن بعض مكونات العائلة تعتمد على المنطقة. فعائلات الغابات الاستوائية، ذات الغطاء النباتي الكثيف مع هطول الأمطار الموسمية يوميًا، والتي تنبعث منها روائح من أشكال الحياة المختلفة، كلها تتواصل مع بعضها البعض، وتخلق لدى من يعيش بينها مشاعر مكثفة وقوية، مما يخلق عائلات وقبائل تكافلية ذات شحنة عاطفية محملة بقيم خاصة وعريقة. الغابة الكثيفة تستوعب كائنات حية تتعايش بنظام وتعلم الفراسة فتعرف الرياح والفصول والأمطار… وهذا يختلف بالتأكيد عن العائلة التي تعيش في شقة ضيقة في إحدى المدن الهائلة، لكن ظاهرة مثل هذه المدن جديدة جدا في تاريخنا البشري.

كان أجدادنا، خلال ملايين السنين (قبل عصر الزراعة حوالي 12 ألف سنة، وقبل فجر الحضارات والدويلات أي خمسة آلاف سنة، عاش الإنسان قرب الطبيعة يصيد ويقتات مما تعطيه إياه، النموذج هو انكيدو “المتوحش البريء” بعكس صديقه كلكامش “المتحضر القاسي المجنون”. كانوا يعرفون قيمة الطبيعة ويسمعون ما تقوله ويترجمونه بتصورات وحكايات وملاحم وأساطير، لم نعد نحن نفهم منها إلا القليل. قبل انتشار المدن لم يكن هناك معابد، فالطبيعة كلها كانت معبدا واسعا تخلق قدرا كبيرا من الخشوع، وكانت الكهوف بمثابة شاشات للتعبير، لدينا منها في العالم أكثر من خمسة آلاف كهف تحوي رسوما محيّرة فائقة الدقّة أقدمها يعود إلى 36 ألف سنة. هكذا عاش الانسان لمئات الأجيال على الطبيعة وهي المعلّم الوحيد له (لا مدارس ولا جامعات)، لكن بالكلام تناقل الخبرة والحكمة، واحترمها وخاف أذيتها فلا يقطع ولا يدمّر، ولعل ما نراه عندنا، حتى وقت قصير من يعدّ قطع شجرة نخلة أو نبقة خطيئة، وإن اضطر، يستدعي تقديم قربان وأضحيّة عنها.

أما نحن، فمنذ عصر النهضة أصابنا قصر النظر تجاه جيراننا الأحياء واختزلنا الطبيعة وكل ما فيها من كائنات وحيوانات ونباتات لمجرد مصلحتنا وأدخلناها في الحسابات والأرقام لا أكثر، وأقدم الكتابات المسمارية هي مجرد حساب قطعان ماشية أو محاصيل، فأحلّ تعذيُبها وذبحُها وتدميرُها، حتى وصلنا إلى هؤلاء الذين يحرقون المحاصيل الزراعية في هذه الأيام في العراق وسوريا، لمجرد الانتقام، أو لأغراض أخرى كالتي كان الإنكليز يفعلونها في أمريكا قبل ثورة 1773 حين كانوا يلقون مئات الأطنان من الشاي في البحر كي لا تنزل الأسعار، أو في زماننا، إبان ثورة الكرد في ستينيات القرن الماضي كان النظام السابق يحرق المحاصيل ويلقي السموم على أشجار التفاح في قرانا… كل هذا يحدث عندما يدخل الفكر في زاوية الأيديولوجيات التي ابتلينا بها في عصر القوميات والمذاهب بشكل صار يتكرّر ليصبح الانتماء أضيق، حتى وصل العائلة الصغيرة، التي أصبح سوء التفاهم فيها مزمنًا، وامتلأت بمشاكل توتر العلاقات وصار الشباب يخافون من الزواج ويُعزفون عنه!

تظهر الدراسات النفسية أن نسبة المجرمين بين سكان المدن أكثر منهم بين سكان القرى والأرياف، كما أن للجغرافيا تأثيرا على النظام الهرموني فينا. وإلا كيف نفسّر نزعة التدمير المجنون الحالي للبيئة وهستيريا الربح التي تدفع الناس إلى اقتصاد محدود النظر؟ إلى جانب التجارة الاستهلاكية الجماعية التي تسعى وراء الأرباح فقط، لا يعنيها سوى الأرقام والمنجزات التي تذكرنا بأرقام كاذبة للدول الاشتراكية أيام زمان. الاحصائيات الاقتصادية يتباهى بها المحللون، لكن التعقل والإحساس غير وارد في هذه الأرقام!

منذ طفولتي أحببتُ الجغرافية، ولما كبرتُ جمعتُ بينها وبين الناس في مختلف أصقاع العالم، فاكتشفتُ الجغرافية البشرية، وكم هو رائع أن أتعرف على من يعيش في مناطق استوائية أو قرب البحر أو الأنهار العملاقة، بحيث أرادت جامعتي الفرنسية، لدى تخرّجي، أن ترسلني لأبحث عن كيفية عيش قبائل غابات الأمازون أو الكونغو كثيفة الخضرة. إن هذا التنوّع في العيش والخبرة يُعدُ إرثا بشريًا مهدّد بالضياع قام العلماء بدرسه، أشهرهم كلود ليفي شتراوس (1908 – 2009)، مشيرا إلى خصوصية مهمة لدى من يحيا في تلك المناطق المنقطعة كالأراضي العشبية المدارية، أو المراعي المعتدلة، أو الصحارى المدارية الساخنة، أو الصحارى المعتدلة الباردة، أو غابات التايغا taiga أو التندرا  tundraفي روسيا…، حتى وقت قريب كان هؤلاء يعيشون كأجدادهم قبل آلاف السنين، حتى وصلت إليهم الحداثة بمتغيّراتها، كما كنا نحن أيضا في بلادنا، قبل نصف قرن، قبل أن تجرفنا الأفكار السياسية والمذهبية التي قسّمتنا وهجّرتنا وزعزعت توازن عوائلنا، وجاءت الهجرة المحيرة المفاجئة التي لم تترك مجالا للتأقلم إزاء أنظمة متباينة ومختلفة، فصرتَ ترى في البيت نفسه قسم يعيش في القرن 21 وقسم عقليته من بقايا ما تربّى عليه، أما أخوه أو أخته فأصبحا على بعد آلاف الكيلومترات، يتابع أخبارهم لكنه يخاف أن يكلّمهم بالهاتف بسبب اختلاف التوقيت بينهم، عوائل ترزح تحت ثقل تحتاج إلى الكثير من البحث والدراسة لمساعدتها في العبور إلى برّ الأمان.

كان في كل الأزمنة للعائلة أهمية في تقدّم الإنسان ونموّه وتكوين اللغة لديه، هذا إلى جانب توفير الأمان وتسهيل قبوله كعضو مختلف عن إخوته وأخواته. ففي العائلة يتسلح الفرد لمجابهة الحياة، ويقتني الخبرة التي ينقلها شخصيا بالعلاقة لأولاده، ومن علامات ذلك حبّه للقصص الخيالية والمسلسلات، من شأنها أن تعطيه حلولا لألغاز الحياة فيصبح ذكيا من خلال حلها، خصوصا فيما يتعلق بالعلاقات والحب والزواج. هكذا أحببنا التاريخ وأغرمنا بما عاشه الآخرون قبلنا أو بماذا نختلف مع من يعيشون في زماننا في مناطق أخرى، فيصير حب الاستطلاع لدينا صفة إيجابية ولا نخجل من السؤال، على حد قول الحكيم الصيني كونفوشيوس (551 – 479 ق.م): “من يسأل جاهل فقط للحظة، لكن من لا يسأل يبقى جاهلا مدى الحياة”. لعل هذا هو الفرق بين العائلات، إن كانت في الوطن أو في الشتات، أي ستنقذها قابلية التساؤل التي تشحذ ذكاء كل فرد وتعدّه لمجابهة المستقبل.

كركوك 18 حزيران 2019

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا الكاردينال لويس روفائيل ساكو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *