الرئيسية / المقالات / الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ

الثالث من الرسل: الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ

الثالث من الرسل:

الرَّأسُ مَريضٌ والقَلبُ سَقيمٌ

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الثالث من موسم الرسل:

الأولى من اشعيا (١، ١ ـ ٥) تخبرنا عن ابتعاد الشعب عن الله ومردود ذلك عليهم.

الثانية من الرسالة الأولى إلى اهل قورنثية (٧، ١ ـ ٧) تتكلم عن روعة العلاقة الزوجية وتؤكد ان الزواج تصميم إلهي.

الثالثة من إنجيل لوقا (١٠، ٢٥ ـ ٣٧) تروي مثل السامري الصالح الذي جسّد محبة القريب.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ١، ١ ـ ٥) وتأوينه:

عاش اشعيا النبي في الفترة التي كانت مملكة إسرائيل المتحدة (١٠٥٠ ـ ٩٣٠ ق. م.) قد انشقت لمملكتين إسرائيل شمالاً ومركزها السامرة (٩٣٠ ـ ٧٢٢ ق. م.؛ سقطت على يدّ الأشوريين)، ويهوذا جنوباً ومركزها أورشليم (٩٣٠ ـ ٥٨٦ ق. م.؛ سقطت على يدّ الكلدانيين). هذا الانشقاق كان بمثابة كارثة للشعب الإسرائيلي. فالشعب ابتعد عن الله ووقع مراراً في خطيئة عبادة الأوثان. كما أتكل على الدعم العسكري الآتي من الشعوب الوثنية عوضاً عن اتكاله على الله. وقد غابت العدالة من قاموسه اليومي، فاستفحل الظلم وزاد عدد الفقراء والمظلومين والمتألمين بسبب ظلم وجشع الأشرار والظالمين. تلك الحالة المأسوية وصفها الكتاب المقدس بهذه الكلمات: “الرَّأسُ كُلُّه مَريض، والقَلبُ كُلُّه سَقيم” (اش ١، ٥)، وعلى أثرها أرسل اللهُ اشعيا النبي ليعلن النبوءة التي تبدأ بأقوال قاسية، يدين فيه الله شعبه على تمرده وقساوة قلبه وخيانته للعهد مع خالقه ومحرره من عبودية مصر (قارن: تث ٢٨). “إِستَمِعي أَيَّتُها السَّموات وأَنصِتي أَيَّتُها الأَرض فإنَّ الرَّبَّ قد تَكَلَّم. إِنَّي رَبَّيتُ بَنينَ وكَبَّرتُهم لكِنَّهم تَمرَدوا علَيَّ” (اش ١، ٢)؛ بهذه الكلمات يستهل اشعيا نبوءته داعياً السماء والأرض ـ أي الكون برمته ـ لتشهدا على تمرد الشعب على إلهه وخيانته له. قساوة الكلمات النبوية هذه تظهر بشكل خاص حينما يقوم النبي بمقارنة هؤلاء الناس بالحيوانات المنزلية الأقل منزلة وذكاء ليقدمها على انها أفضل من شعب تمرد على ربه ونكر جميله، ولم يعد يفهمه ولا يعرفه، قائلاً: “عَرَفَ الثورُ مالِكَه والحِمارُ مَعلَفَ صاحِبِه، لكِنَّ إِسْرائيلَ لم يَعرِفْ وشَعْبي لم يَفهَمْ” (اش ١، ٣).

لو قارنا واقع حالنا مع الحالة التي كان يعيشها شعب الله المختار في زمن النبي اشعيا، لوجدنا بأن واقعنا ليس بأفضل. فالانقسامات والانشقاقات والصراعات تضرب الجماعات سواءً كانت على مستوى العائلة أو الخورنة أو الكنيسة بشتى تجمعاتها وتسمياتها وتوجهاتها. وكذلك بالنسبة للعلاقات بين مختلف المكونات والطوائف في البلد الواحد، أو العلاقات بين البلدان والأمم والشعوب. كما أن تمرد الإنسان على الله في عصرنا قد وصل لأخطر مراحله. وبسبب غياب الإيمان القويم والضمير الحيّ غابت العدالة والمساواة، وكثرت الحروب والصراعات، والفقر والظلم والدمار.

فما احوجنا لكلمات اشعيا النبي التي يدعونا فيها لمراجعة ذواتنا واعلان توبتنا: ١٦ فأغتَسِلوا وتَطَهَّروا وأَزيلوا شَرَّ أَعْمالِكم مِن أَمامِ عَينَيَّ وكُفُّوا عنِ الإِساءَة، ١٧ تَعَلَّموا الإِحسانَ وآلتَمِسوا الحَقّ قَوِّموا الظَّالِمَ وأَنصِفوا اليَتيم وحاموا عنِ الأَرمَلَة. ١٨ تَعالَوا نَتَناقَش، يَقولُ الرَّبّ لَو كانَت خَطاياكم كالقِرمِزِ تَبيَضُّ كالْثلج ولو كانَت حَمْراءَ كالأُرجُوان تَصيرُ كالصُّوف” (اش ١، ١٦ ـ ١٩)، ووضع ثقتنا بالله خالقنا ومخلصنا، والعمل على بناء عالم أفضل، وذلك ببناء الجسور بدلاً من الحيطان، وزرع الوفاق والتناغم والمصالحة والسلام والمحبة والفرح بدلاً من الصراعات والحروب والكره والموت والدمار.

عن Maher

شاهد أيضاً

المستقبل بين المتفائل والمتشائم

تعقيبًا على دعوة غبطة البطريرك/الكردينال لويس ساكو: من أجل لاهوت و”فقه” المصالحة السياسية والمجتمعية (https://saint-adday.com/?p=33458)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *