الرئيسية / المقالات / الرابع من الرسل: الخطيئةُ داءٌ والتوبةُ دواءٌ

الرابع من الرسل: الخطيئةُ داءٌ والتوبةُ دواءٌ

الرابع من الرسل:

الخطيئةُ داءٌ والتوبةُ دواءٌ

 

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الرابع من موسم الرسل:

الأولى من اشعيا (١، ٢ ـ ٦. ١٦ ـ ١٧) تندّد بنكران جميل الله والاستسلام للفساد.

الثانية من الرسالة الأولى إلى اهل قورنثية (٩، ١٦ ـ ١٩. ٢٣) تدعو إلى التبشير بالإنجيل من منطلق وجداني: ويلٌ لي إن لم أبشّر.

الثالثة من إنجيل لوقا (٦، ١٢ ـ ١٧. ٢٠) تنقل خبر اختيار التلاميذ الأولين ليعيشوا بحسب التطويبات ويؤمِّنوا حضور المسيح بين البشر على مدى التاريخ.

تفسير نص القراءة الأولى (١، ١٦ ـ ١٧) وتأوينه:

كلمات قاسية ينطق بها النبي اشعيا في مطلع نبوءته ليصف حال شعبه المأساوي. ويستخدم في ذلك الوصف لغة مجازية حيث يشخص المرض الروحي الذي أصاب جسم شعب الله المختار بأكمله حيث أن رأسه كله مريض وقلبه كله سقيم (قارن: أش ١، ٥) و “٦ مِن أَخمَصِ القَدَمِ الى الرَّأس لا صِحَّةَ فيه، بل جُروحٌ ورُضوضٌ وقُروحٌ مَفْتوحة لم تُعالَجْ ولم تعصَبْ ولَم تُلَيَّنْ بِدُهْن” (اش ١، ٦). كما يذكر النبي بأن أرض شعبه غدت خراباً، ومدنه أُحْرِقَت، وقد سيطر عليها الغرباء (قارن: أش ١، ٧ ـ ٨). والأسوأ من كل ذلك، هو أن صلاته وذبائحه واحتفالاته الروحية لم تجدي نفعاً، ولم تعد ترضى الله، لا بل أصبحت قبيحة ومكروهة لديه لدرجة لا يحتملها: “١٣ لا تَعودوا تأتوني بِتَقدِمَةٍ باطِلَة، إِنَّما إِحراقُ البَخورِ قَبيحَةٌ لَدَيَّ … ١٤ رُؤُوسُ شُهورِكم وأَعياكم كَرِهَتها نَفْسي، صارَت عَلَيَّ حِملاً، وقد سَئِمتُ آحتِمالَها. ١٥ فحينَ تَبسُطونَ أَيدِيَكم أَحجُبُ عَينَيَّ عنكم، وإِن أَكثَرتُم مِنَ الصَّلاةِ لا أَستَمعُ لَكم، لِأَنَّ أَيدِيَكم مَمْلوءَةٌ مِنَ الدِّماء” (اش ١، ١٣ ـ ١٥). إذن سبب غضب الله وعدم احتماله لتلك الذبائح والتقادم والصلوات والدعوات يكمن في التناقض الفاضح بين حقيقة شعبه وما يدعي به، وإعلان الايمان وتطبيقه، والنيات والكلمات، والقول والفعل، والظاهر والمخفي. ومهما تفنن الشعب بتلك الادعاءات، فإن الأحداث المأساوية تكشف زيفها، وتؤكد بأن المصائب التي تقع عليه ما هي إلا نتيجة تمرده على إلهه، وعدم طاعته لوصاياه.

إلا أن النبي اشعيا ـ كأي طبيبٍ ماهرٍ ـ لا يكتفي بوصف المرض، وإنما يقدم الدواء الشافي له. والدواء الناجع للمرض الروحي الذي أصاب إسرائيل يتمثل بما يلي: ١٦ فأغتَسِلوا وتَطَهَّروا، وأَزيلوا شَرَّ أَعْمالِكم مِن أَمامِ عَينَيَّ، وكُفُّوا عنِ الإِساءَة. ١٧ تَعَلَّموا الإِحسانَ، وآلتَمِسوا الحَقّ، قَوِّموا الظَّالِمَ، وأَنصِفوا اليَتيم، وحاموا عنِ الأَرمَلَة” (اش ١، ١٦ ـ ١٧).  إذن النبي يدعو لاتخاذ خطوات جريئة وعملية تتمثل بإزالة الشرّ وترك الإساءة. ولكن ذلك وحده لا يكفي، وإنما ينبغي عوضاً عن ذلك تطهير القلب والفكر، والقيام على الأقل بخمسة أعمال صالحة، والتي ترد بصيغة الأمر: ١. تَعَلَّموا الإِحسانَ. ٢.  آلتَمِسوا الحَقّ. ٣.  قَوِّموا الظَّالِمَ. ٤.  أَنصِفوا اليَتيم. ٥. حاموا عنِ الأَرمَلَة. بهذه الخطوة الواضحة يستطيع المرء عيش ايمانه بصدق، والتعافي عن مرضه الروحي، بتوبته عن الخطيئة والتكفير عنها من خلال قيامه بالأعمال الصالحة وأفعال الرحمة. علينا أن لا ننسى بأن الله لا يديننا فقط على الخطايا التي ارتكبناها، وإنما أيضاً على نقص محبتنا تجاهه، وتجاه قريبنا الإنسان، وخاصة الفقير والمتألم، والضعيف والمظلوم.

عن Maher

شاهد أيضاً

المستقبل بين المتفائل والمتشائم

تعقيبًا على دعوة غبطة البطريرك/الكردينال لويس ساكو: من أجل لاهوت و”فقه” المصالحة السياسية والمجتمعية (https://saint-adday.com/?p=33458)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *