الرئيسية / المقالات / الخامس من الرسل: إنها مسألة حياة أو موت!

الخامس من الرسل: إنها مسألة حياة أو موت!

الخامس من الرسل:

إنها مسألة حياة أو موت!

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الخامس من موسم الرسل:

الأولى من سفر اشعيا (١، ٢١ ـ ٣١) تعلن عن تصميم الله في تجديد اورشليم المدينة الخاطئة لتعود مدينة مقدسة، مدينة عدل وسلام.

الثانية من الرسالة الاولى إلى اهل قورنثية (١٤، ١ ـ ١٩) تحث المؤمنين على السعي في إثر المحبة واستثمار مواهبهم لبنيان الكنيسة.

الثالثة من إنجيل لوقا (١٢، ١٦ ـ ٢١) تروي مثل الغني الغبي وتبيّن قصرَ نظرِ الانسان. المستقبل لا تضمنه الثروة المادية، بل الله.

تفسير نص القراءة الأولى (١، ٢١ ـ ٣١) وتأوينه:

مدينة أورشليم في هذا النص تمثل مملكة يهوذا بأسرها، وتقدم بشكل مجازي كالمرأة الزانية. إنها قد زنت بخيانتها لحبها الأول بكل عنفوانه وجماله وبساطته وصدقه وصفائه وطهارته، لتفضل عليه الحب الرخيص مع مَن لا يستحقه. وعليه يطرح السؤال المملوء دهشة من هذا الواقع الأليم: ” كيفَ صارَتِ المَدينَةُ الأَمينَةُ زانِيَة؟” (اش ١، ٢١). صارت زانية، لأنها نقضت عهدها. كان الرب ينتظر منها العدل والبرّ، لكن عوضاً عن ذلك تفشى فيها الظلم، وكَثر فيها القتل، وساد فيها الفساد. رؤساؤها الذين كان ينبغي عليهم تحقيق العدل والمساوة، ويقوموا بإنصاف الضعفاء والفقراء، تحولوا إلى “…عُصاة، وشُرَكاء لِلسَّرَّاقين. كُلٌّ يُحِبّ الرَّشوَةَ، ويَسْعى وَراءَ الهَدايا. لا يُنصِفونَ اليَتيم، ودَعْوى الأَرمَلَةِ لا تَبلغٌ إِلَيهم” (اش ١، ٢٣). وما كان ينبغي أن يكون رمزاً للجمال الخارجي كالفضة، ومصدر بهجة للقلب كالخمر (قارن: مز ١٠٤، ١٥) تحول للخبث والغش: “فِضَّتُكِ صارَت خَبَثَّاَ، وشَرابُكِ مُزِجَ بِماء” (اش ١، ٢٢). زنى المدينة يكمن بشكل رئيسي بوضع ثقتها بالغرباء وبتقديم الولاء لهم وعبادة اصنامهم (قارن: هو ١ ـ ٣؛ ار ٣؛ حز ١٦. ٢٣). يلمح اشعيا لهذه العادات والعبادات الوثنية ـ كعبادة شجرة البطم ـ التي تبناها شعب إسرائيل، وينتقده عليها وينبه بأنها ستكون سبب عناءه وفناءه، بقوله:٢٨ والعُصاةُ والخاطِئونَ يُحَطَّمونَ جَميعاً، والَّذينَ تَرَكوا الرَّبَّ يُفنَون. ٢٩ فإِنَّهم سيَخزَونَ مِن البُطمِ الَّذي شُغِفتُم بِه، وأَنتُم تَخجَلونَ مِنَ الجِنانِ الَّتي آختَرتُموها” (اش ١، ٢٨ ـ ٢٩). كما أن شجرة البطم تُستخدم في هذا النص للإشارة إلى غطرسة الإنسان وتكبره الفارغ وتشامخه الباطل، حيث يكون مصيره من دون الله الزوال، كالبُطم التي تجف وتحترق بنارها وحطبها إذا بقيت بلا من مياه: ٣٠ فإِنَّكم تَصيرونَ كبُطمَةٍ ذَوت أَوراقُها، وكجَنَّةٍ لا ماءَ فيها. ٣١ ويَصيرُ الجَبَّارُ مُشاقَةً، وعَمَلُه شَرارة فيَحتَرِقانِ كِلاهُما مَعاً، ولَيسَ مَن يُطفِئ” (اش ١، ٣٠ ـ ٣١).

بالرغم من غضب الله على خيانة شعبه، إلا أنه لا يريد الهلاك له، وإنما يحثه على التوبة ويريد تطهيره من خطيئته، وتصفيته من كل شوائبه: “وأَرُدُّ يَدي علَيكِ، وأُحرِقُ خَبَثَكِ كما بِالحُرُض، وأَنزعُ نفاياتِكِ كُلَّها … ” (اش ١، ٢٥ ـ ٢٧؛ قارن: اش ٤٩، ١٥ ـ ٢١؛ ٦٦، ٧ ـ ١١؛ هو ٢، ١٤. ١٩ ـ ٢٠)، وانقاذه من أعدائه (اش ١، ٢٤).

لاحظنا كيف يضع اشعيا النبي في هذا النص الأصبع على الجرح، ويدعو لتطهيره وتضميده كي يلتئم. الجرح الذي يصيب بالأخص القلب بسبب الخيانة، إن لم يعالج، سيكبر ويؤثر بالتالي على الجسم كله ليقود في النهاية إلى الموت. أما إذا عولج الجرح بالطريقة الصحيحة والتي عادة ما ترافقها الصعوبات والمشقات والآلام، فإنها لابد وأن تقود لنتائج إيجابية، وهي بكل الأحوال الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الحياة. إذن المسألة مسالة حياة أو موت. إصرار الإنسان الخاطئ على السير في طريق الخطيئة والخيانة والتمرد، يقوده إلى الهلاك. أما قبوله للتوبة وتغيير المسار وتبني طريق الخير والبرَ والعدل والإحسان، فإنه سيقوده للخلاص والسعادة الأبدية: ٥لِذلك لا يَنتَصِبُ في الدَّينونةِ الأَشْرار، ولا الخاطِئونَ في جَماعةِ الأَبْرار. ٦ فإِنَّ الرَّبَّ عالِمٌ بِطَريقِ الأَبْرار، وإنَّ إِلى الهلاكِ طَريقَ الأَشْرار” (مز ١، ٥ ـ ٦؛ قارن: تث ٣٠).

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا الكاردينال لويس روفائيل ساكو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *