الرئيسية / المقالات / السادس من الرسل: لا سلام بلا احترام

السادس من الرسل: لا سلام بلا احترام

السادس من الرسل:

لا سلام بلا احترام

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد السادس من موسم الرسل:

 

الأولى من اشعيا (٢، ١ ـ ٥) تتكلم عن الزمن الأخير، زمن المسيح، زمن السلام والخلاص.

الثانية من الرسالة الأولى إلى اهل قورنثية (١٠، ١٤ ـ ١٧. ٣١ ـ ٣٣) تخبرنا عن احتفال المسيحيين الاولين بسرّ الشكر أي الافخارستيا.

الثالثة من إنجيل لوقا (١٣، ١٠ ـ ١٧) تنقل قصة المرأة المنحنية التي ربطتها الخطيئة وكيف يعيد إليها يسوع اعتبارها وحريتها وكرامتها.

تفسير نص القراءة الأولى (٢، ١ ـ ٥) وتأوينه:

“يا ربّ، أجعل مني أداة لسلامك”. هذه الكلمات ترد في مستهل صلاة شهيرة وجميلة للقديس فرنسيس الأسيزي. شيء مشابه لهذه الكلمات يرد في الفصل الثاني من سفر اشعيا حيث يقول: ويَحكُمُ بَينَ الأُمَم، ويَقْضي لِلشُّعوبِ الكَثيرة، فيَضرِبونَ سُيوفَهم سِكَكاً، ورِماحَهم مَناجِل. فلا تَرفَعَ أُمَّةٌ على أُمَّةٍ سَيفاً، ولا يَتَعَلَّمونَ الحَربَ بَعدَ ذلك” (اش ٢، ٤). هذه الآية تعيطنا خارطة طريق لبناء السلام الداخلي والسلام العالمي.

كلٌ منّا مدعوٌ بأن يحول كافة أدواته القتالية التي يستخدمها لتدمير الأخر لتصبح أدوات خير وسلام. والشيء ذاته ينطبق على الدول. فبدلاً من أن تصرف الدول ـ وبمقدمتها تلك المتطورة ـ أموالاً طائلة على صنع الأسلحة وتصديرها للبلدان الفقيرة التي تعاني أصلاً من الحروب والصراعات، ينبغي عليها أن تسخير طاقاتها وامكانياتها لتعزيز الأمن والسلام في أرجاء المعمورة. الدول الفقيرة بحاجة ماسة للسلام والطعام والتعليم بدلاً من الحرب وفنونها وأسلحتها الفتاكة التي غالباً ما تستخدم ضدّ الضعيف والفقير والمظلوم. للأسف أن الأغنياء يصنعون الحروب ليزيدوا من أموالهم على حساب دماء الفقراء الذين ينبغي عليهم خوضها.

إن الإحصائيات تقدم أرقام مخيفة لكمية الأموال التي تصرف على صنع الأسلحة، والتي هي في ازدياد يوماً بعد يومٍ. على سبيل المثال، الأموال التي صرفت على صنع الأسلحة فقط في سنة ٢٠١٨ ارتفعت لتصل لـ ٨ . ١ ترليون دولار أميركي. ماذا لو كان العالم قد استخدم كل تلك الأموال لصنع السلام أو لمساعدة الفقراء والمحتاجين أو لإيجاد علاج لأمراض مزمنة أو خبيثة كالسرطان؟ ألم يحن الوقت لنضرب سُيوفَنا سِكَكاً، ورِماحَنا مَناجِلاً!

تطرق البابا فرنسيس لهذه الحقيقة المرّة التي يختبرها عالمنا ـ وذلك في لقائه الأخير مع أعضاء هيئة رواكو (R.O.A.C.O.) المعنية بدعم الكنائس الشرقية ـ حيث انتقد بشدة رياء الدول التي تتحدث عن السلام بينما تصنع وتصدر الأسلحة، قائلاً: “ستساعدكم في هذه الأيام مداخلات ممثلي الكرسي الرسولي في بعض البلدان والمحاضرين الذين تم اخيارهم على الإصغاء إلى صرخة كثيرين ممن سُلب الرجاء منهم في هذه السنوات. أذكر مجدداً وبحزن مأساة سوريا والغيوم الكثيفة التي يبدو أنها تتشكل فوقها مجدداً في بعض المناطق غير المستقرة، وخطر أزمة إنسانية أكبر لا يزال باقياً. الناس الذين هم بحاجة للطعام وللعناية الطبية وللمدارس، الأيتام والجرحى والأرامل كلهم يرفعون صراخهم نحو السماء. ولكن إن كانت قلوب البشر مفتقدة للإحساس، فإن قلب الله ليس هكذا، بل يجرحه العنف والكراهية بين مخلوقاته. وهو قادرٌ دائماً على التأثر والعناية بالبشر بحنان وقوة أب يحمي ويرشد. إلا إنني أفكر أحياناً أيضاً بغضب الذي يصب ضدّ مسؤولي الدول الذين يتحدثون عن السلام بينما يبيعون السلاح لإشعال فتيل هذه الحروب. هذا الرياء لخطيئةٌ. فكرة ملحة تُراودني حينما أفكر بالعراق ـ حيث لدّي إرادة لزيارته العام المقبل ـ بأن ينظر إلى الأمام من خلال مشاركة سلمية ومشتركة في بناء الخير العام لكل مكونات المجتمع بما في ذلك الدينية، وألا يسقط هذا البلد مجدداً في توترات والتي لا تنتهي بين القوى الإقليمية”.

الآيات التي جاءت في (اش ٢، ١ ـ ٥) ترد مرة أخرى في نبؤة ميخا (٤، ١ ـ ٤)، إلا أن النبي ميخا يضيف عليها آية أخرى تؤكد على احترام حرية المعتقد والدين، قائلاً: “فإِنَّ جَميعَ الشُّعوبِ يَسيرون كُلُّ واحِدٍ بآسمَ إِلهِه، أَمَّا نَحنُ فنَسيرُ بِآسمِ الرَّبِّ إِلهِنا دائِماً أَبَداً” (مي ٤، ٥). هذه الإضافة ليست من باب الصدفة، وإنما جاءت لتُوضح بأن إحدى أهم ركائز السلام بين كل الأمم هي ببساطة الاحترام، احترام الآخر المختلف بفكره ودينه وتوجهه وبكل ما أعطاه الله من مواهب وخصوصية. من دون هذا الاحترام، سوف لن يكون هنالك سلام.

عن Maher

شاهد أيضاً

المستقبل بين المتفائل والمتشائم

تعقيبًا على دعوة غبطة البطريرك/الكردينال لويس ساكو: من أجل لاهوت و”فقه” المصالحة السياسية والمجتمعية (https://saint-adday.com/?p=33458)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *