الرئيسية / المقالات / بمناسبة الذكرى 61 على ثورة 14 تموز 1958 اكتشاف جديد لحقيقة الصبر

بمناسبة الذكرى 61 على ثورة 14 تموز 1958 اكتشاف جديد لحقيقة الصبر

بمناسبة الذكرى 61 على ثورة 14 تموز 1958

اكتشاف جديد لحقيقة الصبر

+ المطران د. يوسف توما

بعد يومين سيتذكر كثيرون منّا ما حدث قبل 61 عاما (14 تموز 1958) حين اندلعت الثورة وقُلب النظام الملكي في العراق وبدأ سيل الدماء في بلدنا ولم يتوقف، وأذكر أني كنت صبيا صغيرا أقرأ في عيون الكبار هياجا واستعجالا بأهمية ما يحدث وأن ذلك سيجلب على بلادنا الرخاء والغنى والتقدم…

لكن بعد سنوات قليلة ظهر أن أولئك الذين أرادوا نتيجة فورية لكل شيء، كانوا في الواقع ضحايا الهروب الدائم، مثل كل الذين لا يستطيعون مواجهة متطلبات العمل الجاد والموضوعي. وهم بهياجهم يتقلبون كالفراشة من مهمّة إلى أخرى، لأنهم لا يهتمّون بالعمل نفسه، ولا يكتشفون أن العمل والسعادة قد يصبحان أمرا واحدا، فالمرء لا يقدر أن يتمتع بثمرة أي عمل إذا ما تركه في منتصف الطريق أو خرّبه وتراجع عنه. اليوم تسود لدى الناس خيبة من كل شعارات الثورات لأنا لم تحقق ما قالته بالاهتمام بالإنسان، لقد كان حبلُ “الثورة” مثل حبل الكذب قصيرا بسبب الاستعجال الانفعالي الذي جاء بها.

عندما يضطلع أحدنا بمهمّة ما، قد يواجه جدارا كبيرا من اللامبالاة ممّن هم حوله، بل قد يتعرض إلى قسط لا بأس به من السخرية والإحباط. هنا ضروري أن يكون لديه قدر كبير من الشجاعة والإيمان بنفسه وبالمهمّة التي قرّرها له وللآخرين، فلا يتخلى عن تلك المهمة، بل عليه أن يسكت لديه العجالة التي أصبحت كالطبع وكجزء من حياة الكثيرين في زماننا، لأنك إذا تهرّبت من مواجهة الحقائق ستقضي بقية عمرك تلوم الزمن والأوضاع والظروف… أو تعود إلى الوراء تتحسر على “العهد البائد” ويمكن أن تطلق عليه اسم “الزمن الجميل” أو “زمن الطيّبين” كما يحدث اليوم بعد أن رأينا النتائج! …

إن كل نجاح لا يتحقق إلا إذا أدركنا أن لا شيء يحدث على الفور، بل يحتاج إلى نضوج وإضافات بطيئة جدا، كما إلى جهد وانتباه كبيرَين حتى في أصغر التفاصيل. واقعيا، كل نجاح يتطلب عدم الاستسلام للفشل وعدم التهرّب من القرار. أي على الشخص أن يُصِر على موقفه فلا يتخلى عمّا يقرره، أو يعزم عليه، يعرف كيف يقرن الصبر العميق بما يبذله من جهد في الإصلاح، ألا ترون غريبا أن أغلب الثورات جاءت على يد شباب وليس شيوخ الذين عركتهم عملية الصبر فيعرفون قيمة الحياة والصحة والقناعة وأن أثمن ما يأتي به العمر هو فرح العيش الذي يساعد على اكتساب الخبرات وتسخير الطبيعة بأكملها، الصبر يعني الحدس والاستشعار والإدراك وتصوّر أساليب جديدة للتعامل، لذلك أصبحت بلدان فقيرة غنية وأخرى كانت غنية افتقرت وصارت تشحذ…، التشخيص سهل يكمن في عامل الصبر كجزء من ثقافة مترسخة لا كعبء ثقيل.

في عالم متسارع أكثر ما يعاني منه الأفراد والجماعات هو عدم وجود هدف، أو يكون الهدف قصيرا أو تافها وغريبا، كالعجوز التي شرحت لجارتها: “الديمقراطية؟ يعني فرهود كل أربع سنين!”. وهذا ما عرفناه حين دخلنا دوّامة الثورات وضياع الوقت والأجيال، كل مرّة أردنا أن نحصل على نتائج فورية، بمجرد الضغط على زر أو على زنّاد سلاح للتخلص من خصم، فقامت الحروب وأشكال النزاعات وتعدّدت الميليشيات وكثر الخوف والحذر في كل مكان. حينها اختفى أسلوب العيش الرغيد الهادئ القديم الذي كنا نعرفه وكان يعتمد تقاليد عريقة تشدّد على الجهد والتأني وطول الأناة. صار الكل يريد أن يصعد ويتمنى الأحدث والأسرع لما يصنّعه آخرون بصبر وعلى مدى سنين كالاختراعات، هذه اشتريناها لكننا لم نهتم بالتقنية التي صنعتها فهذا لا نستطيع عمله لأننا فقدنا صبر التعلم وتراكم الخبرة. لقد أصبحنا كالمتفرجين للرياضة، يراقبون المنافسة جالسين يأكلون المكسّرات لكنهم لا يلعبون، أو يرون أفلام العنف والقتال بين الناس والآلات، مجرد مستهلكين ضحايا لا يصنعون ولا يسيطرون على شيء…

لسوء الحظ، في سباق عالمنا، بين الاختراعات والتجارة صرنا نركض وراء وليس في المقدمة بحيث انقطع نَفَسُنا، فوقفنا حائرين لا نعرف ماذا علينا أن نعمل، كما لم نعد نفهم الأمور البسيطة التي تميزت بها مسيرة الحياة على أرضنا، من تناسق عجيب سبق ظهور الانسان بملايين السنين، وتزامن مع مسيرة الحياة بشكل عجيب فوق هذه الأرض أمّنا وأمّ بقية الأحياء، فقدنا الاتصال بضرورة التناسق، فاختفت أنواع كثيرة بسببنا (أو رغما عنا)، جاء التصحّر وانقرضت النباتات والحيوانات. وصار الوعي بالمشاكل الحقيقية ضعيفا جدا وغرقنا نحن بمشاكل لا وجود لها (خصوصا سياسية ودينية). صرنا في العالم غرباء كالأطرش في حفلة زفاف: يتساءل عن معنى حركات الناس لكنه لا يتذوّق الطرب. لم يعد دماغنا يرتبط بالأمور التي حولنا، في حين كل خلية في دماغنا أشبه بكون مُصَغّر، تتكوّن مع ملايين الأجزاء مهمتها أن تتفاعل مع ما حولها من مكوّنات فهذا هو سبب وعلة وجودها، نحن أيضا لسنا هنا من أجل أنفسنا فقط.

إن الوعي والجهد لتحقيق أي نجاح في مهامنا، يحتاج إلى دراسة عِلمية، كالمناخ والبيئة وتقلباتها، وهذا يستدعي قيام علوم أخرى كالعلوم الإنسانية التي صحّحت مسار الكثير من الثقافات كعلم النفس والاجتماع بتشجيع ممارسة الصبر لدى كل فرد وهذا طبّقته اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية فانقلبتا من خاسرتين إلى ناجحتين.

لقد حان الوقت أن ننكبّ ونحلل سبب التخلف والتراجع والانقسام والفساد والكسل وتفشّي الكذب وتراجع التعلم والدراسة وانتشار الشهادات المزوّرة، إنها آثار عقلية لا تحبّ الحياة ولا تنتبه إليها مما جعلنا نتخلى عن النهوض ومعرفة طعم العيش البسيط بحد ذاته. لقد أضعنا وقتنا في البحث عن هويّة أصولنا ومن أين جئنا، ففقدنا الحاضر وصرنا بلا هدف في المستقبل. حان الوقت أن يكون تعاملنا مع كل شيء بصبر وتأمّل وتأني، بلا خوف إزاء العمل الهائل الذي ينتظرنا في كل شيء من حولِنا. من هذا المنطلق سنفهم أن العواطف والأفكار أمرٌ واحد لا ينبغي الفصل بينهما. وعلى عقلنا أن يدخل في “دبكة” الحياة الهائلة، بصبر ورقّة وانسجام، عندئذ سيصبح حتى التنفّس عملا أساسيا بحد ذاته وإسهاما في توضيح معنى الحياة والدخول في سرّها، فلا نعود نستعجل في أي شيء – مهما كان بسيطا – بل، بالتأمل والتذوّق والتمتّع البسيط سنشفى من مرض “الثورات”، هذه الكلمة الفارغة التي تكررت على مدى عقود طويلة، كانت أشبه بالفيضان المدمّر المتكرّر، جعلتنا نتحسّر، كل مرّة على فترة ما قبلها، ونسينا أن تكرار الخطأ لا يعالجه ولا يقدّم أي بديل شافٍ، أليس هذا ما حاول يسوع أن يقنعنا به حين قال: “بصبركم تقتنون أنفسكم”؟ (لو 21/19)…

كركوك 12 تموز 2019

عن Maher

شاهد أيضاً

دخانك عماني وطبيخك ما جاني اخطاء في اقامة جامعة الحمدانية

دخانك عماني وطبيخك ما جاني اخطاء في اقامة جامعة الحمدانية الخور اسقف ثابت بولس حبيب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *