الرئيسية / المقالات / رسالة المؤمنين العلمانيين، ذلك النهر الهادر هل سيشهد السينودس الكلداني انعطافة في دورهم

رسالة المؤمنين العلمانيين، ذلك النهر الهادر هل سيشهد السينودس الكلداني انعطافة في دورهم

رسالة المؤمنين العلمانيين، ذلك النهر الهادر

هل سيشهد السينودس الكلداني انعطافة في دورهم

الخورإسقف نويل فرمان السناطي

 

لمناسبة قرب انعقاد المجمع المقدس لأساقفة الكلدان، في مطلع شهر آب 2019، تستجد الكتابة عن الجماعة المسيحية، العلمانيين المؤمنين، في الكنيسة الكلدانية.   فقد نجد هنا وهناك المطالبة بدورهم، إلى جانب إضاءات متنوعة عن مكانتهم، وبخاصة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، وما صدر عنهم من ارشاد رسولي. ولكن إلى جانب هذا، يمكننا أن نرى العلمانيين يشقون طريقهم بشجاعة وصبر وبإيمان، مستجيبين إلى نداء الرسالة في أعماقهم، كل حسب الموهبة التي حباه الله بها، مغترفين من المصادر الكنسية والكتابية، كلَّ ما يدعم نهجهم ومشروعية نشاطهم، برغم ما يعتوره، من صعاب ما هي إلا لتعمق قناعتهم بدعوتهم المسيحية.       
هذا المقال يتناول رحلة العلمانيين في توجهها نحو تلك الينابيع.

 

العلمانية بين التعريف والتوصيف

 

العلماني كمفردة سياسية افرغت محليا من معناها الاصلي

العلماني، العلمانية، العلمانيون… مفردات شهدت زحفا في معناها ضمن ما يردده العالم السياسي المحلي، وخصوصا السياسة بخلفية مذهبية وطائفية عندما تكون مطالـَبة بالانسحاب من الشأن السياسي. هكذا فرض الخلط بين تسمية العلماني، مع اللاديني والملحد. في حين جاءت المفردة في الأصل، للتمييز بين الاتجاه الذي ليس ضد الدين، بل يقوم على الاتجاه السياسي المحايد تجاه الدين، يعطيه مكانته وخصوصيته، ولكن بدون اقحام الدين في النشاط التنظيمي الحزبي السياسي، والاستفراد في مكانة ما في المناصب الحكومية، والتأثير في سياسة الدولة من طرف قطبي منفرد.

على أن التقديم الصحيح لهذه المفردة، يجعلها في الأصل لا تتناقض، مع ما تعنيه الرسالة العلمانية للمسيحي، بل اكثر من ذلك، تدفعه إلى دور فاعل في المجال السياسي، طالما لا يحمل درجة كهنوتية أو اسقفية. وهذا ما يدعونا إلى ان ندخل في مجال التمييز مسيحيا بين الجانبين: الاكليريكي والعلماني.

الفرق بين الإكليريكي والعلماني

المنتسبون إلى كلا الجانبين شركاء متساوون في الكنيسة. ففيما يحمل الاكليروس موهبة (كاريسما) التكريس للخدمة، فإن العلمانيين يحملون طابعا متميزا آخر:  فعلى المستوى المسيحي، يفهم هنا بمن يسمّون علمانيِّين بأنهم المسيحيّون الذين ليسوا أعضاء في الدرجات المقدَّسة، ولا في الحالة الرهبانيَّة التي أقرَّتها الكنيسة، ولا أنواع المكرّسين. إنهم الذين إذ انضمُّوا إلى جسد المسيح بالمعموديَّة، واندمجوا في شعب الله، وجعلوا شركاء، على طريقتهم، في وظيفة المسيح الكهنوتيَّة والنبويَّة والملوكيَّة، يمارسون، كلٌ منهم من موقعه وفي مجال عيشه وعمله، في الكنيسة وفي العالم، الرسالة التي هي رسالة الشعب المسيحيّ بأجمعه.

أما أعضاء الدرجات المقدّسة، وإن وجدوا أحياناً يتعاطون بالشؤون العالميّة والزمنية، خصوصا الدرجات في أعلى تراتبية الكنيسة، كما هو الحال مع البابا وأصحاب الكراسي البطريركية الكاثوليكية وغير الكاثوليكية. فإنهم يضطلعون في مجال اعداد الرأي والمطالبة بالحقوق وإقرار مبادئ السلم والعدالة. على أنهم يلبثون، بحكم دعوتهم الخاصّة، موجَّهين أصلاً للخدمة المقدّسة؛ فالمكرس بحكم حالته، يشهد أمام العالم شهادة ساطعة بأنّه اختار أن يُقرَّب نفسه لله مندمجا كليا بروح التطويبات.

 وأمّا العلمانيّون فدعوتهم هي أن يطلبوا ملكوت الله من خلال إدارة الشؤون الزمنيَّة التي ينظمّونها بحسب ما يرون فيه رضا الله. يعيشون في وسط العالم، مرتبطين بواجباته، وبالأحوال المألوفة في الحياة العيليَّة والمجتمعيَّة وكأنَّ وجودهم قد نُسج منها.  ففي موضعهم هذا دعاهم الله ليعملوا، فعل الخمير من الداخل، على تقديس العالم بمزاولة مهامهم الخاصة بهدي الرّوح الإنجيليّ، وليعلنوا المسيح للآخرين بشهادة حياتهم، وليُشعّوا إيمانًا ورجاءً ومحبَّة.

كهنوت المؤمنين وكهنوت الخدمة

 المسيحيون هم جميعًا كهنة، بالمعمودية والتثبيت، ويشتركون في رسالة المسيح كمعلم وكاهن وملك “ابنوا من أنفسكم، كَمِنْ حجارة حية، بيتًا روحيًا، وكهنوتًا مقدسًا، لإصعاد ذبائح روحية، مقبولة لدى الله بيسوع المسيح… أنتم جيل مختار، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة، وشعب مُقتنى لتُشيدوا بحمد الذي دعاكم من الظُلمة إلى نوره العجيب”(ا بط2: 5 و 9 ). هكذا يشترك جميع المسيحيين في السِمَة الكهنوتية التي تتسم بها الكنيسة جسد المسيح. إلا أن بعضًا منهم تُوكَل إليهم مهمة خاصة في هذا الجسد. فالفرق بين النوعين من الكهنوت ليس على صعيد كيان المسيحي والكاهن، بل على صعيد المهمة في الجسد.

هذا الفرق تُوضِّحه جيدًا طقوس الأسرار. فكهنوت المؤمنين المشترك يُمنح بالتغطيس بالماء في المعمودية، ومسحة الميرون في سر التثبيت. بالمعمودية يشترك المسيحي في موت المسيح وقيامته ويصبح عضوًا فيه، وبالتثبيت يُمنح خَتْمُ موهبة الروح القدس، وكلا السِرّين يتعلقان بكيان المسيحي فيُجدِّدانه ويجعلانه كائنًا جديدًا على صورة المسيح، إنسانًا ممتلئًا من روح الله، مسكنًا وهيكلاً للروح. فإذا حدّدنا الكهنوت بالوساطة بين الله والناس، يتّضح لنا أنّ تلك الوساطة قد تحققت في شخص المسيح، وتتحقق في كل إنسان يصير عضوًا للمسيح.

 أما كهنوت الخدمة فيُمنح بوضع اليد. ووضع اليد يعني إعطاء سلطة ومَهَمَّة خاصة. فكهنوت الخدمة يمنح الكاهن مَهمَّة خاصة.

ما هو يا ترى قوام تلك المَهمَّة ومضمونها؟

 1- كهنوت الخدمة هو وظيفة في جسد المسيح

 من الخطأ اعتبار كهنوت الخدمة سرًا يُمنح لقداسة الكاهن الشخصية واستحقاقه. فالمسيحي لا يصير كاهنًا ليُخلِّص نفسه. وكأن يسوع يخاطبه بالكلمات التي وجهها الى لعازر العائد إلى الحياة: ليس من أجلك، بل من أجل هؤلاء، كي يؤمنوا… الكهنوت إذن خدمة في الكنيسة، وعندما يتكلم مار بولس عن الخِدَم المختلفة يعتبرها مواهب لخدمة الكنيسة: “أنتم جسد المسيح، وأعضاء كل بمقدار، فلقد وضع الله البعض في الكنيسة أولاً رسلاً وثانيًا أنبياء وثالثًا معلمين، ثم من أُوتوا موهبة العجائب، فمواهب الشفاء، فالإعانة، فالتدبير، فأنواع الألسنة” (1كو 12: 27).

لا يمكننا تعريف كهنوت الخدمة في ذاته بل في دوره في الكنيسة. كما لا يمكننا اعتبار كهنوت الخدمة فوق الجماعة المسيحية أو مستقلاً عنها. كهنوت الخدمة وظيفة، ولكن ليس وظيفة اجتماعية، بل وظيفة عضوية لا معنى لها خارج الجسد. كالأعضاء بالنسبة إلى الجسد لا يمكن التعريف بها خارج الجسد، ولا يمكن الاستغناء عن دور أي منها. (1كو12: 21) (أف4: 11 و 13).

2– كهنوت الخدمة هو استمرار لدور المسيح رأس الكنيسة

 كهنوت الخدمة لا يحلّ محلّ المسيح، والكاهن ليس مسيحًا آخر بقدر ما هو سرّ المسيح، أي العلامة المنظورة للمسيح غير المنظور. يتكلم بولس الرسول عن المفاصل التي تتعاون لينمو الجسد ويرتقي إلى مَنْ هو الرأس، أي المسيح، الذي منه ينال الجسد كله التنسيق والوحدة. فالدور الذي تقوم به المفاصل في الجسد يقوم به كهنوت الخدمة في الكنيسة. فالرأس يضمن التنسيق والوحدة بين أعضاء الجسد ودور الكهنوت هو العمل على حفظ رباط الروح بين أعضاء الجسد الواحد.

3- الخدم الكهنوتية هي مواهب من الروح القدس

كل خدمة هي موهبة يمنحها الروح القدس لمنفعة الكنيسة كلها: “إنّ الخِدَم على أنواع، إلا أن الرب واحد. إن الأعمال على أنواع، إلا أن الله واحد، وهو يعمل كل شيء في الجميع. وكل واحد إنما يعطى إظهار الروح للمنفعة العامة. (1كو:12 5- 7).  ولهذا لكل منا دوره ومسؤوليته في بناء جسد المسيح السري، ويعمل كل ما يطلبه منه الروح لكي يتمِّم دعوته التي دعاه بها الرب، لنصل جميعاً إلى ملء قامة المسيح.

 

هُويّة العلمانيِّين

ترتكز الهُويّة المسيحيَّة على الإيمان الحيّ والرَّاشد. أمَّا الخطر فيكمن، اليوم، في تقلُّص كياننا المسيحيّ إلى دائرة اجتماعيَّة ثقافيَّة محضة، وإلى تقليد، ورواسب من الماضي، وبعبارة واحدة، إلى مسيحيَّة لا أثر لها على الحياة اليوميَّة الملموسة لكلِّ مؤمن أو جماعة. فتكاد تقتصر على أن تكون مسيحية مآدب شيرا بعيد القديسين ومآدب تعازي، وسفرات وحفلات في الأعياد وفي مناسبات اخذ أسرار كنسية كبرى مثل العماذ والاوخارستيا والزواج.

ولكن في الوقت عينه، فإنَّ الإيمان المسيحيَّ له أن يكون ملموساً جدًا. وهو يتعارض مع الروحانيَّة المُبهَمة وغير المتجسِّدة. فالإيمان لا ينفكّ يتطلّب خوض الطريق مقتضيًا منَّا أجوبة ملموسة، ممَّا يفترض نضوجًا يتخطّى “الإيمان التقليديّ” أو “إيمان المجموعات الإتنية” إلى”الإيمان الراشد” الذي ينبع من الخَيار الشخصيّ.

معالم في تكوين هُويّة العلمانيِّين المؤمنين

أولا – الاندماج ضمن  شخصيَّة يسوع المسيح

إن المَعْلَمَ الأول والأكثر أهميّة إنّما يرتكز إلى شخص يسوع المسيح.  فالمسيحيَّة ليست عقيدة بقدر ما هي حَدَث تاريخيّ حسِّي.  والمسيحيّ هو تلميذ يسوع المسيح الذي ينادي تلميذه باسمه قائلاً: “اتبعني”. وهذا ما ينبغي أن يحصل في حياة كل مسيحيّ. أمّا الاستجابة بـِ”نعم” لدعوة يسوع المسيح فتتطلّب القيام بخَيار جَذري لا عودة عنه. خَيار نلتزم به على مدى الحياة، ممَّا يقتضي منّا تحوّل القلب وتغيير طريقة التفكير والعيش تغييرًا جذريًا، وعدم التمسّك بالماضي. ليس ذلك من الأمور السَّهلة. لكن يسوع المسيح يساعدنا بنعمته: “أستطيع كلّ شيء بذاك الذي يقوِّيني” (فل 4: 13).

 

ثانيا – مكانتهم في وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني

لا يمكن أن نتصوّر عمل الكنيسة في عمل البشارة من دون مساهمة العلمانيين. يتحدث المجمع الفاتيكاني الثاني عن واجب، وفي الوقت عينه عن حق في الرسالة (رع، 2). يشارك العلمانيون المؤمنون بشكل ناشط ومسؤول في رسالة الكنيسة. لذا لا يجب النظر إلى رسالتهم نظرة تُقلِّل من أهميتها أو تعتبرها مجرد مساعدة تُقدَّم إلى رسالة التراتبية الكنسية (الهيراركية)، مع أنّ العلمانيين المؤمنين مدعوون، في معظم الأحيان إلى التعاون مع الرعاة. لذا يتعيّن على العلمانيين المدعوين إلى وضع كفاءاتهم الخاصة ومواهبهم في خدمة البشارة أن يُدرِكوا حقّ الإدراك أنهم كلّ في موقعه، عناصر فاعلة في نشر الرسالة.

تتطلّب رسالة العلمانيين التربية الملائمة، أي المتكاملة، المسيحية والإنسانية في آن، وينبغي أن يَحظى العلمانيون المؤمنون بدعم الأساقفة والكهنة، لكي يتمكنوا من تحقيق رسالتهم على أكمل وجه داخل الكنيسة وفي العالم. وإلا صار هذا كله، وما جاء على ضوء المجمع ووثائقه وإلارشادات الرسولية كلها حبرا على ورق.

 

ثالثا –  مكانتهم في الكنيسة سرُّ الشَرِكة

إن المَعْلَمَ الثاني المُكوِّن للهُويّة المسيحيّة إنّما هو سرُّ الكنيسة.

 قال اللاهوتيّ هانس أورس فون بالتازار: “لا يكون المسيحيّ مسيحيًا إلاّ من خلال عضويته في الكنيسة (…) ولا سبيل لأحدٍ أن يكون مسيحيًا لحسابه الخاصّ”. لذلك من الأهميَّة بمكان أن يشعر العلمانيون المؤمنون بـِ”حِسٍّ كنسيّ” بصورة حيَّة وعميقة.

 الكنيسة “شركة عضويَّة” يتعايش فيها التنوّع وتكامل الدعوات والخدمات والمهام والمواهب والمسؤوليات، من دون تعارض أو انقسام بل بالتبادل والتناسق. وبفضل هذا التنوّع وهذا التكامل يصبح كلّ من المؤمنين العلمانيِّين على علاقة بالجسد كلّه، ويُسهِم كلٌّ بنصيبه في خدمة هذا الجسد.

 يظهر جليًا من صورة “الكنيسة الشركة” أنَّ لكلِّ مسيحيّ دورَه في الكنيسة. كلُّ واحدٍ منّا هو، في الوقت نفسه، الموضوع والفاعل المُنفِّذ لرسالة أوكلها إليه يسوع المسيح، سواء أكنا أساقفة أم كهنة أم رهباناً أم راهبات أم علمانيين مؤمنين من هنا تتجلّى ضرورة أن يتشارك العلمانيّون المؤمنون مشاركة فاعلة ومسؤولة في حياة جماعتهم الكنسية، بحيث ينبغي ألا يشعر العلمانيون المؤمنون أنهم أعضاء في الكنيسة وحسب، بل عليهم أن يعلموا أنهم، بالشركة مع رعاتهم يشكِّلون الكنيسة.

 

في رحاب الدعوة المسيحية

– دعوة العلمانيين دعوة إلى الشهادة  نحن كلُّنا مدعوون لكي نشهد في العالم لِتجدُّد حياتنا المسيحية، الذي اكتسبناه في سر العماد المقدس، وجمال هذه الحياة وروعتها. لقد دُعينا لنعلن للملأ بأنّ الأمر يستحق العناء وأنه جميل أن نكون أتباعًا للمسيح، وأنّ السير على خُطاه يمنح فرحًا لا يوصف. وعلينا اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نستعيدَ هذا الطابَع المفرح الذي تتميّز به الشهادة المسيحية.

– دعوة إلى المشاركة مع المسيح: عندما يولد العلمانيون المؤمنون بالمسيح من جديد، من طريق المعمودية، فإنهم يشاركون المسيح بوظيفته المثلثة: الكهنوتية والنبوية والملوكية. هذه نظرة إجمالية إليها على ضوء وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني.

 1 – الوظيفة الكهنوتية

يُدعى العلمانيون من خلال المشاركة في الوظيفة الكهنوتية، إلى أن يُقدّموا لله العبادة الروحية وثمار القداسة المسيحية الأصيلة: “ذلك بأن جميع نشاطاتهم وصلواتهم ومشاريعهم الرسولية وحياتهم الزوجية والعائلية، وأعمالهم اليومية وتسلياتهم العقلية والجسدية إذا عاشوها بروح الله، وحتى محن الحياة إذا تحمّلوها بطول أناة، كل هذا يتحوّل إلى قرابين روحية مَرضية لله بيسوع المسيح” (1بط 2: 5)

 2- الوظيفة النبوية

يُدعى العلمانيون من خلال المشاركة في الوظيفة النبوية لإعلان بشارة الإنجيل بالكلمة وبشهادة الحياة. “إذَّاك يتّسم هذا العمل التبشيري بطابع مميّز وفعالية خاصة بكونه يتمَّم في أوضاع العالم المألوفة” (س ك، 35) ولا تقتصر الرسالة النبوية على إعلان البشارة وحسب، بل تشمل أيضًا التنديد بالشرور التي تفتك بالإنسان والمجتمع، كالظلم وانتهاك حقوق الإنسان الأساسية. وعلى العلماني المؤمن أن يُبدي الكثير من الشجاعة في أداء هذه الرسالة النبوية التي أوكلها المسيح إليه.

 3 – الوظيفة الملكية

من خلال الوظيفة الملكية يُدعى العلمانيون المؤمنون أيضًا  إلى المساهمة في بناء ملكوت الله، في العالم وفي داخلهم، مما يعني جهادًا روحيًا متواصلاً على قوى الشر والخطيئة: وعلى العلمانيين، إلى ذلك، أن يستجمعوا قواهم ليُدخلوا على المؤسسات وعلى أوضاع الحياة في العالم عندما تستهوي إلى الخطيئة، التطهيرات الملائمة، لكي تتجاوب كلها مع سُنن البِرّ، وتساعد على ممارسة الفضائل بدلاً من أن تكون عَقَبة في طريقها. فَبِعملهم هذا يُشيعون القيم الروحية في الثقافة وفي الأعمال البشرية. (س ك، 36)

4- دعوة خاصة للعلمانيين إلى القداسة

  لدى جميع المعمدين دعوة شاملة إلى القداسة: فواضح، إذن، للجميع أن الدعوة إلى ملء الحياة المسيحية وكمال المحبة موجّهة إلى جميع المؤمنين بالمسيح أيأ كانت حالُهم وكان نهج حياتهم (س ك، 40). تُشير هذه الدعوة التي تشيد بكرامة العلمانيين المؤمنين إلى أنّ الطريق المؤديّة إلى تجدّد الكنيسة تمرّ عبر قداسة أعضائها.

ليست قداسة العلمانيين المؤمنين قداسة من الفئة الثانية كما كان يظن البعض في الماضي أنّ القداسة هي حال من الكمال الرُهباني. القداسة المسيحية فريدة. إلاّ أنّ قداسة العلمانيين تتّسم بمزايا تنفرد بها دعوتهم الخاصة. إنهم يعيشون في وسط العالم، وفي موضعهم هذا دعاهم الله ليعملوا.

 تتحقق قداستهم إذن في العالم وليس بهروبهم من العالم. يتقدسون في الحياة الزوجية والعائلية وعبر التحصيل الثقافي المدرسي والجامعي، وفي مزاولة عملهم البشري، وفي التزامهم الثقافي والاجتماعي والسياسي. إن الروحانية العِلمانية، هي نوع من روحانية التجسّد الله صار إنسانًا ودخل العالم لإنقاذه. هذا هو المثال الأسمى للروحانية المسيحية.  لا تخافوا من أن تُصبِحوا قِدّيسين. بهذه العبارة خاطب قداسة البابا يوحنا بولس الثاني الشُبان والشابات في يوم الشبيبة العالمي عام 1989. ويجب أن يتردّد صدى هذه الكلمات ليصل إلينا، لا تخافوا من أن تصبحوا قديسين، لأنّ القداسة هي الغاية الأسمى للدعوة المسيحية.

من الدعوة إلى الرسالة

رسالة العلمانيين

تتلازم الدعوة والرسالة في حياة كل مسيحي تلازمًا وثيقًا، إذ تنطوي الواحدة على الأخرى “اذهبوا في العالم كله، وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين” (مر16: 15). هذا ما عهد به المسيح إلى الكنيسة كلها. الكل مدعو إلى الرسالة في الكنيسة وبموجب سِري العماد والتثبيت. الكل مدعو للعمل في كرم الرب (مت20: 3  4). إنّ في الكنيسة خِدَمًا متنوّعة ولكن الرسالة واحدة. (ر ع، 2).

معوِّقات أساسية في طريق رسالة العلمانيين:

الانشغال في تأمين متطلبات الحياة وبخاصة في المجتمع الاستهلاكي الذي نعيش فيه اليوم، مما يؤثِّر سلبًا على روح المبادرة للخدمة والبشارة، وهذا يتطلّب تضامنًا وتكافلاً اجتماعيًا مع بعضنا البعض.

الجهل لما هو ديني عند عدد من العلمانيين، وهذا يتطلب إنشاء المزيد من مراكز التنشئة الروحية لرفع مستوى العلمانيين وتثقيفهم وزيادة وعيهم لرسالتهم.

 ضعف الحوار والتعاون بين مختلِف الجماعات المسيحية، وبين رجال الدين والعلمانيين الملتزمين بالعمل الرسولي، وهذا يتطلّب إقامة المزيد من اللقاءات التي تساعد على انفتاح الجماعات المسيحية على بعضها البعض.

 بعض العلمانيين غير الناشطين، مِمّن يرون في الكنيسة والرعية محطة خدمات، إذ لا هَمَّ لهم سوى أن تتوفر لهم الخدمة الجيدة.

 بعض الكهنة الذين يفضِّلون القيام بكل الأمور لوحدهم، إذ لا ثقة لهم بعد بِقُدرة العلمانيين على تحمُّل المسؤولية والعمل في حياة الجماعات الكنسية. وهنا لا بد من تغليب الثقة المتبادلة والمحبة الأخوية الفعلية واحترام ما تتميّز به دعوة كل شخص من خصوصية.

 إذ يدعو المسيح ربُّ الكرم الجميع للعمل في كرمه، تصبح دعوة العلمانيين المؤمنين رسالة. “الويل لي إن لم أُبشِّر” (1قور9: 16) إن الحصاد الإنجيلي وفير ولكنّ الفَعَلة قليلون. وأشار القديس بولس: “ورد في الكتاب ما أحسن أقدام الذين يبشِّرون”.(رو10: 14  16). عالم اليوم بحاجة ماسّة إلى رسل، وإلى رسل يحملون الإنجيل بشجاعة.

تأوين لدور العلمانيين في رسالة البابا فرنسيس إلى مؤمني البرازيل لمناسبة حملة الأخوّة 2019

“الأخوّة والسياسات العامة” هذا هو الموضوع الذي اختاره مجلس أساقفة البرازيل لحملة الأخوّة 2019، ولهذه المناسبة وجه البابا فرنسيس رسالة إلى المؤمنين في هذا البلد شدد فيها على أهمية مشاركة العلمانيين وضرورة عمل السياسيين بشغف في خدمة الشعوب.

وتحدث قداسته عن كون السياسة العامة وإن كان يُقصد بها مسؤولية الدولة والتي هدفها هو ضمان الخير العام للمواطنين، إلا أن الأشخاص جميعا والمؤسسات كافة عليهم اعتبار أنفسهم رواد المبادرات والأفعال التي تعزز “أوضاع الحياة الاجتماعية برمتها، التي تسمح للأفراد والعائلات والجماعات بأن يكتملوا بطريقة أوفى وأسهل” (الدستور الرعائي في الكنيسة في عالم اليوم “فرح ورجاء”).ووجه قداسته أيضا: عليهم السعي إلى مشاركة أكثر فعالية في المجتمع كشكل ملموس لمحبة القريب يسمح بتأسيس ثقافة أخوّة تقوم على الحق والبِر.

وذكّر البابا المشاركين الكاثوليك الملتزمين في السياسة لخدمة شعوب أمريكا اللاتينية، بضرورة أن يعيشوا بشغف خدمتهم للشعوب متضامنين مع آلام وآمال الشعوب، أن يفكروا في الخير العام لا في مصالحهم الخاصة مستعدين للإصغاء والتعلم في الحوار الديمقراطي، جامعين بين التطلع إلى العدالة والرحمة والمصالحة، راجيا في ختام كلمته أن تساعد هذه المسيرة على فتح الأعين والقلوب كي يروا في الأخوة الأكثر عوزا جسد المسيح الذي ينتظر أن “نتعرف عليه، نلمسه ونعتني به باهتمام” (مرسوم الدعوة إلى يوبيل الرحمة “وجه الرحمة” 15).

دور العلماني في الكنيسة المحلية، خطوة غير مسبوقة

في خطوة غير مسبوقة في الفاتيكان، وبمباركة قداسة البابا فرنسيس، صرّح الكاردينال أوسكار أندريس رودريغز مارادياغا، رئيس أساقفة هندوراس والمنسق لمجلس الكرادلة الثمانية (وهو المجلس الاستشاري والذي يساعد قداسة البابا في إدارة شؤون الكنيسة وفي إصلاح “الكوريا الرومانية”)، أنه سيتم إعادة ترتيب أجهزة الفاتيكان، ومن ضمنها وهنا الأمر الهام والجديد، إنشاء مجمع جديد خاص بالعلمانيين. وهذا الأمر بمثابة طرح جديد لرفع مكانة العلمانيين في الكنيسة، خاصة وأن العلمانيين يشكلون الأغلبية، ورغم ذلك فكان هنالك مجمع للأساقفة ، ومجمع للكهنة ، وآخر للحياة الرهبانية ، ولم يكن هنالك مجمعاً للعلمانيين.

فالكوريا الرومانية هي بمثابة السلطة الحاكمة في دولة حاضرة الفاتيكان وتتكون من تسعة مجامع حبرية: عقيدة الإيمان، الكنائس الشرقية، العبادة الإلهية وتنظيم الأسرار المقدسة، دعاوى القديسين، تبشير الشعوب، الإكليروس، مؤسسات الحياة المكرّسة وجمعيات الحياة الرسولية، التعليم الكاثوليكي، وأخيراً مجمع الأساقفة.

أما موضوع دور العلمانيين في الكنيسة فهو ليس وليد اليوم، إنما طُرح ولا يزال يُطرح بشكل دائم، ولطالما طُرح هذا الموضوع في المؤتمرات الدينية والرياضات الروحية في بلادنا، وكان هنالك توجهات واضحة ومحددة للكهنة في هذه المؤتمرات والرياضات الروحية، تدعوهم الى تشجيع العلمانيين على أخذ دورهم في العمل الرعوي. ورغم أهمية هذا الطرح، ورغم تأكيد الجميع على أهمية اندماج العلماني في النشاط الرعوي، لكنه وللأسف وبسبب انعدام الثقة بين الكهنة والعلمانيين في معظم الحالات، يتم إعاقة انصهار العلماني في الكنيسة، الأمر الذي ينعكس سلباً على النشاط الرعوي وعدم تقدمه روحيّاً واجتماعيّاً.

كما أن العلمانيين اليوم في مجتمعنا أصبحوا يتمتعون بكفاءات عالية في مجالات اختصاصاتهم المتنوعة والمختلفة، وبإمكان هؤلاء إغناء العمل الرعوي وتدعيمه وتطويره إذا أُتيحت لهم الفرصة، وإذا نجحت الكنيسة باستيعاب هذه الطاقات، بإمكانها أن تُحدث قفزة في النشاط الاجتماعي والروحي في كنائسنا ومؤسساتنا الدينية.

ولكن وللأسف نلاحظ أن الكنيسة الكاثوليكية في أماكن كثيرة عاجزة عن استيعاب الطاقات والكوادر التي بإمكانها المساهمة في تطوير أدائها، بل وأحياناً هنالك كهنة يضعون العراقيل لبعض العلمانيين ويدخلون في صراعات معهم بدلاً من العمل المشترك معهم، الأمر الذي لا يعود بالفائدة على الكنيسة المحلية. وما جاءت رسالة قداسة البابا فرنسيس إلا لرفع وتدعيم مكانة العلمانيين في الكنيسة، الأمر الذي لم يُترجم بعد في كنائسنا المحلية، وكأن كنائسنا المحلية لم تلحق بعد بركب التقدم الحاصل في الفاتيكان.

ولكن حتى من بين هؤلاء، فتبشّر المؤشرات، بظهور جيل من الأبناء والبنات، من ثمار حملات التعليم المسيحي في الكنيسة والتجمعات الثقافية، ممن يقدمون الشهادة لذويهم، عن النفحات الجديدة للروح القدس في حياتهم وفي كنيستهم الشاهدة والشهيدة.

دعوة وانجرافات

إزاء هذه المعوقات والتحديدات، نرى ان ثمة من يقرعون أبواب جماعات كنسية وافدة، بدون أن تكون لهم القدرة على التمييز بين هذه الجماعات الكنسية الوافدة، أهي كنسية بالاسم، أم قريبة من تراثنا وقيمنا ورسالتنا، أم هي واحدة من الكم المتوالد من الجماعات والذي يربو حاليا على عدد 48 ألف تسمية مستقلة من الجماعات الكنسية، تحاكي بنحو وآخر ما يسمى بالشركات المتعددة الجنسية. وهذه الجماعات عندما تظهر بكاريسما خاص بها، مطلوب منها أن تثبت هويتها ,جذورها، حتى تنضوي ضمن مجلس مشترك يناظرها مع المجالس العامة للكنائس الوطنية من العائلة الكاثوليكية والعائلة الأرثوذكسية.

المواجهة غير المسبوقة

  إزاء هذا الواقع من مختلف جوانب الاشكالية، تستجد سابقة في العصر الكنسي الحديث  وما قبله بأجيال. هذه السابقة تقوم على مواجهة قرون خلت، عندما وضعت خلالها على الرفوف رسالة شعب الله المؤمن من العلمانيين، بأيدي أكثر من خط رهباني أصولي وطهوري (Puritanism)، أوصل  الكنيسة الجامعة إلى ما وصلته لواقع ما قبل المجمع الفاتيكاني الثاني، واوصلت الكنيسة الكلدانية، لما كانت عليه لبضع عقود خلت. هذه السابقة هي ما أعلن عنها ضمن الاستعدادات البطريركية، في الدعوة المتفردة الاخيرة،  بأن يشترك في أول يومي السينودس الكلداني، علماني أو علمانية… من كل أبرشية.

فهل سيفعلها السينودس، فيردّ، مع مكنسة تنقية، وهبة ريح جديدة، للعلمانيين مكانتهم في الكهنوت الملوكي على رتبة ملك -صادق، وعلى رغبة آباء المجمع الفاتيكاني الثاني، وضمن تطلعات البابا فرنسيس والبطريرك لويس. سؤال ينتظر العلمانيون اجابة عنه في الزمن القريب القادم.

*من مراجع ومصادر متنوعة، أبرزها وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني.

 

عن Maher

شاهد أيضاً

الرابع من الصيف: نيران ودخان نتيجة تمرد وعصيان!

الرابع من الصيف: نيران ودخان نتيجة تمرد وعصيان! الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد الرابع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *