الرئيسية / المقالات / 6 معتقدات رائجة حول خطر أن يتعلم الطفل عدّة لغات!

6 معتقدات رائجة حول خطر أن يتعلم الطفل عدّة لغات!

عندما يتعلم الطفل لغات عديدة…

6 معتقدات رائجة حول خطر أن يتعلم الطفل عدّة لغات!

المطران الدكتور يوسف توما

اليوم، ومع تطوّر الثقافة العالمية، يريد المزيد من الآباء والأمهات إعطاء أطفالهم أكبر عدد ممكن من المهارات اللغوية – ليس فقط بلغتهم الأم ولكن بلغات أخرى يمكن استخدامها لتسليح أفضل في المستقبل؛ بالنسبة للذين ليست الإنجليزية لغتهم الأم، تأتي هذه اللغة، بطبيعة الحال، في أعلى اللغات المطلوبة، لكن يمكن أيضًا أن نتصوّر أن تكون الإسبانية والروسية والإيطالية والفرنسية في قائمة اللغات التي قد يرغب الأهل تعليمها لطفلهم. للأسف يعترف الجميع أن تعليم الإنكليزية في مدارس العراق سابقا كان ضعيفا وغير مجدٍ بحيث كنا نقضي سنوات عديدة ولا يعرف سوى القواعد لكن لا نتكلمها ولا نكتبها…

أما اليوم فقد ازدادت لدى معظم الأهل الرغبة بمساعدة أطفالهم على أن يصبحوا على الأقل ثنائيي – بل حتى متعددي اللغات – وبأسرع ما يمكن. مع ذلك، هنالك مخاوف الفشل في التوصل إلى ذلك، ما يجعل تلك الرغبة لا تتحقق، لأن الكثير من “الأساطير” يدور حول الطفل ثنائي اللغة أو متعدّد اللغات، وهذا يشلّ بعض الأهل فيقرّرون في نهاية المطاف التخلي عن هذا المشروع النافع. هنا أحاول أن أنسف وأفضح تلك الأساطير وأبيّن أنه ليس من حقيقة وراءها، سأقدّم أهمها وأشرحها كونها خاطئة، ويجدر العمل بجهد للتغلب عليها والاستمرار بعملية تعليم الطفل المزيد من اللغات خصوصا في سنّ مبكرة.

1– قالوا: إن تعلم لغتين في وقت واحد يربك عقل الطفل!

كثيرون يجادلونك ضد إدخال لغة إضافية، ويتمسكون بأسطورة أن اللغة الإضافية يمكن أن تربك عقل الطفل ما يؤدي به إلى الخلط بين اللغتين في جملة واحدة. لكن المهم أن نعرف أنه على الرغم من حدوث ذلك، إلا أنه ليس ضارًا؛ بل بالعكس، إنه استعمال مبدع من جانب الطفل، أي هو استخدام ذكي لكل الوسائل المتاحة له لنقل فكره وإيصال رسالة معينة بطريقة واضحة ومفهومة، أليست هذه هي غاية وجود اللغة؟

يتفق الخبراء التربويون على أن الخلط بين اللغات لدى الطفل أمر مؤقت، ففي النهاية، مع زيادة المفردات لديه باللغتين اللتين يتعامل معهما سيختفي الخلط، وذلك كلما زاد تعامله باللغتين. ألسنا نحن البالغين، نميل أيضًا إلى خلط اللغات عن غير قصد عندما لا نجد المفردة الملائمة؟ أو عندما نعجز عن مصطلح معين بلغتنا، أو عندما تبدو كلمة في لغة أخرى أفضل أو أكثر دقة في وصف موقف معين؟ إذا كنتَ تخلط بين الحين والآخر بين اللغتين الإنجليزية والعربية، على سبيل المثال، عندما تتحدث في المنزل، لا يمكنك أن تمنع طفلك عن القيام بذلك أيضا – وكما قلنا، إن هذا لا يشير إلى أي قصور أو مشكلة.

2– قالوا: إن تربية الطفل على لغتين أو أكثر سيؤدي إلى تأخره في الكلام!

مثل الاعتقاد السابق، هناك من يؤكد أن الارباك سيكون محنة أولئك الذين يحاولون تعليم طفلهم لغتين في نفس الوقت، بل وأكثر من ذلك، سيتسبب ذلك في تأخير عام بتطوّر الكلام والتواصل لديه! إن هذا القلق يعتمد على عدد من الحوادث والخبرات التي وقعت، لكن التأخير كان دائمًا مؤقتًا، وهذا غير صحيح لدى الجميع. لسوء الحظ، العديد من الأهل الذين يهتمون بصعوبات تطوير اللغة لدى طفلهم يوقفون تعلم لغة أخرى ويعودون إلى الوراء ليكتفوا بلغة واحدة فقط.

تقول الدكتورة إيلين ستوب كيستر Ellen Stubbe Kester، من جامعة تكساس، مؤسسة ورئيسة معهد يقدّم علاج النطق للأطفال ثنائيي اللغة: “إن البحث العلمي يشير إلى أن ثنائية اللغة لا تؤخر تطوّر الكلام أو اكتساب اللغة، حتى لو تمّ تشخيص إصابة الطفل بتأخر الكلام في مستوى ما أو على صعيد آخر”، ثم تضيف: “لقد أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين تأخروا في تطوير اللغة الثانية تمكنوا منها لاحقا بل حتى اكتسبوا في نهاية المطاف لغات أخرى بنفس مستوى الكفاءة أكثر من الأطفال الذين نشأوا متحدثين بلغة واحدة فقط”.

3 – قالوا: الطفل يتعلم اللغة بسهولة وهو قادر على أن يصبح قويًا باللغتين دون أي جهد على الإطلاق!

قلنا يوجد من يعتقد أن تعلم لغة ثانية قد يضرّ بعملية اكتساب لغة ثانية وهذه خرافة، لكن يوجد بالعكس من يعتقد أن تعلم لغة ثانية عملية بسيطة جدًا لدى الطفل. وكل ما هو مطلوب هو التحدث أمام الطفل باللغة الثانية من دون تدريسها له، أو وضعه أمام مصادر مختلفة لتلك اللغة، كالبرامج التلفزيونية والموسيقى وسوف يستوعبها بمفرده ويتحدث بها دون أي تدخل تعليمي يذكر!

إن هذه فكرة غير واقعية وقد تؤدي إلى نتائج ضئيلة جدا؛ صحيح، لا ينبغي أن يشكل تعلم اللغة جديدة عبئًا على عاتق المرء، لكن من المهم أن تقدم اللغة للطفل بمنهجية وهيكلية صحيحة، إضافة إلى الاستمرارية في التعلم السليم والمتّسق، سواء في المحادثات اليومية أو بالوسائل التقليدية لدراستها. فالفكرة في النهاية تكمن بأنه يتعرض الطفل للغة الجديدة بطريقة مفيدة ومكيّفة له، وهذا يشتمل على أساليب التعلم المثيرة لاهتمامه وتتعلق بحياته اليومية.

4 – قالوا: هناك مرحلة يفوت فيها الأوان لتتوجّه نحو تربية الطفل للغة ثانية أو ثالثة!

يعتقد كثير من أولياء أمور الأطفال أن هناك مرحلة معيّنة في الطفولة، يفوت فيها الأوان لتربية الأطفال على لغتين. لذلك، إذا تجاوز الطفل سنًا معينا، لا داعي تعليمه لغة ثانية! لكن هذا خطأ، لأن جميع المعنيين والخبراء يشيرون إلى أنه في معظم الحالات، هنالك ثلاثة أوقات مثالية لتعليم الطفل لغة ثانية.

الوقت المثالي الأول لنقل لغة إضافية إلى الطفل هي منذ لحظة ولادته وحتى ثلاث سنوات – لأنها الفترة التي يكتسب فيها لغته الأولى ولا يزال عقله منفتحا وطيّعا. والوقت الثاني لدى الفئة العمرية بين 4-7 سنوات وهي مناسبة أيضًا لهذا الغرض، حيث لا يزال بإمكانه في هذا السن معالجة لغات متعدّدة، أي بناء نظام لغة ثانية بجانب الأولى وتعلم كيفية التحدّث باللغتين جيدًا. أما الفرصة الثالثة فهي ما بين سن الثامنة والبلوغ. أما بعد البلوغ، فالدراسات تبين أن اللغات الجديدة يتم تخزينها في منطقة منفصلة من الدماغ (بمثابة أدراج الدولاب)، حتى إن كان اكتساب اللغة في هذه المرحلة أكثر صعوبة، لكنه لا يزال ممكنا.

5 –  قالوا: يجب على الأهل إتقان اللغتين لتعليم الطفل كليهما!

في المنزل عندما يتحدث الأهل عادة لغة واحدة، ويتحدث أحدهما لغة أخرى، ويرغب بنقلها إلى الطفل، من المشكوك لديهم إذا كان ممكنا تربية الطفل على اللغة الثانية. السؤال الواضح للآباء والأمهات الذين لا يعرفون تلك اللغة الثانية هو: “إذا كنا نتحدث لغة واحدة فيما بيننا، فكيف يمكن للطفل تطوير لغة ثانية؟”، لكن كن على يقين أن هذا أمر ممكن بالتأكيد، فاليوم هناك العديد من الوسائل التقنية التي يمكن أن تساعد في تعليم الطفل تلك اللغة الثانية.

بالطبع يجب أن نأخذ بالاعتبار أنك إذا قررت تعليم طفلك لغة ثانية دون أن تكون قادرًا على التحدث بها بنفسك، فقد تضطر إلى تعلم بعض أجزائها لمساعدة الطفل على محبتها واستيعابها بشكل أفضل. لكنك لست بحاجة من أجل ذلك أن تتحدث بها بطلاقة. يمكن أن تعينك الأفلام والكتب، وبالطبع، الدراسة والمعلمين المختصين من تلك اللغة بشكل مفيد للغاية، وهذا ما يسهم في تطوير اللغة الإضافية لدى طفلك حتى بدون إتقانها كلغة ثانية بنفسك.

6 – وقالوا أيضا: الأطفال الأذكياء جداً فقط يمكنهم أن يتحدّثوا لغتين!

هذه خرافة يمكن دحضها على الفور: إذ إن لكل طفل القابلية على أن يتحدث لغتين، بغض النظر عن مستوى ذكائه. وعندما تقوم بتعليمه لغة ثانية، يجب ألا تشعر بالقلق إزاء ما إذا كان “ذكيًا بما يكفي” لمتابعة العملية، لكن فقط إذا كنت على استعداد لإجراء بعض التغيير في نمط حياتك لتحقيق ذلك.

من المفيد أن نعرف أن الطفل يولد فعلا ولديه استعداد على تعلم لغات عديدة، وهذا لا يحتاج إلى أي فكر أو موهبة خاصة؛ كما أوضحنا أعلاه، فإن للدماغ الصغير ميزة مدهشة جاءتنا من أعماق تاريخ تطوّر أدمغتنا بشأن اللغات أكثر من أي موهبة أخرى. وإن كان هنالك تفاوت بين البشر في مراحل لاحقة، وأن لدى البعض قدرات لتعلّم اللغة أقوى من غيرهم، لكن هذه المهارة موجودة لدى معظم الأطفال وفي سن مبكرة لدى الجميع، الدماغ معجزة من الخالق لا نستهين به ولا زلنا نجهل الكثير من قابلياته، والأمثلة كثيرة في العالم ولا حاجة أن نذهب إلى كتاب الأرقام القياسية بهذا الشأن.

خاتمة: هذه الأساطير، بشأن التحفظ في تعلم اللغات قليلة اليوم، في حين كانت كثيرة لدى الجيل الذي سبق وهي سبب التذبذب والتردد في تعلم اللغات لديه. إني أعيش في كركوك منذ أكثر من خمس سنوات وقد لاحظت أن تعدد اللغات فيها أمر طبيعي ونعمة ودعوة إلى الانفتاح وبارقة أمل للأجيال الصاعدة لكل العراق. فإذا ما أردنا اللحاق بركب العالم الآتي إلينا، هذا هو المجال الأكثر أهمية للتواصل ولا ينبغي إهماله، خصوصا إبان العطل وأوقات الفراغ وخصوصا ما يتوفر على شبكة الانترنت من وسائل إلى جانب الدراسات الأكاديمية…

كركوك 26 تموز 2019

عن Maher

شاهد أيضاً

السادس من إيليا: رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ

السادس من إيليا: رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد السادس من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *