الرئيسية / المقالات / الثاني من الصيف: لا للتدمير، نعم للتطهير!

الثاني من الصيف: لا للتدمير، نعم للتطهير!

الثاني من الصيف: لا للتدمير، نعم للتطهير!

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الثاني من موسم الصيف:

الأولى: من اشعيا (٤، ٢ ـ ٦) تقول كيف يكافئ اللهُ الذين بقوا امينين على العهد: سيكتب لهم الحياة.

الثانية: من الرسالة الثانية إلى اهل قورنثية (٣، ٤ ـ ١٢) تدعو إلى وضع كل ثقتنا بالمسيح يسوع.

الثالثة: من إنجيل لوقا (١٥، ١١ ـ ٢٤) تروي لنا مثل الرحمة: الابن الشاطر: الاب يسامح من دون عتاب، والابن يطلب الغفران من دون حساب.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٤، ٢ ـ ٦) وتأوينه:

 

“نَبْت الرب” (اش ٤، ٢ـ ٣): الدينونة الإلهية، التي وصفت في الفصول الاستهلالية لسفر اشعيا، ليست غايتها التدمير وإنما التطهير، وهذا ما يؤكد عليه الإصحاح الرابع من اشعيا، الذي نقرأهُ في الأحد الثاني من سابوع الصيف.

إن عبارة في ذلك اليَوم” (اش ٤، ٢) التي تستخدم مراراً في سفر اشعيا (قارن في سبيل المثال: أش ٢، ١١. ١٧. ٢٠؛ ٣، ٧. ١٨؛ ٤، ١؛ ٥، ٣٠؛ ٧، ١٨. ٢١ ـ ٢٣. ٢٣؛ ١٠، ٢٠. ٢٧) غالباً ما تشير للزمن الآواخري وليوم الربّ. وفي ذلك اليَوم” سيتحقق الخلاص بشكل كامل، وسيأتي الملكوت الموعود الذي يوصف بتعابير تذكرنا بالفردوس المفقود. وعلى هذا الضوء، الفعل “خلقَ” الوارد في (اش ٤، ٥) الذي يرجعنا لقصة الخلق الواردة في مطلع سفر التكوين، يشير هنا للخلق الجديد الذي يبدأ بتطهير أورشليم وبمجيء المسيح المنتظر، الموصوف هنا بـ “نبتُ الرب” المملوء بالبهاء والمجد (قارن: اشعيا ٦، ١٣؛ ١١، ١: “ويَخرُجُ غُصنٌ مِن جذعِ يَسَّى، وَينْمي فَرعٌ مِن أُصولِه”). وكذلك عبارة “ثَمَرَةُ الأَرض” (اش ٤، ٢) التي كانت سبباً للخطيئة والعار للإنسان الأول، تتحول في الزمن الآواخري لعلامة الفخر والزينة.

إذن بعد المعاناة والويلات (قارن مثلاً: اش ١، ٢ ـ ٩) بسبب الخطيئة والتمرد وعبادة الأوثان يأتي حكم الربّ ليُطهر أورشليم، جاعلاً إياها كجنة العدن المملوءة بالنباتات والأشجار المحملة بالثمار، والتي تشير لعودة السلام والانسجام الفردوسي ما قبل خطيئة آدم وحواء (قارن: اش ٦ ـ ٩؛ ٣٢، ١٦؛ ٦٢، ٣. ٩؛ ٦٥، ١١. ٢١ ـ ٢٥).

التطهير من الخطيئة (تش ٤، ٤): كيف يمكن للمرء أن يكون ضمن هؤلاء الذين سينجون في يومّ الربّ ويدخل في ملكوته؟ كيما يصل الإنسان للقداسة (اش٤، ٣) ويثبت في المحن وينال الخلاص ينبغي عليه أن يتطهرّ من الخطيئة. فعلان مهمان في حياة الإنسان يريدان في (اش ٤، ٣) ويشيران بلغة مجازية وطقسية للتوبة وطلب الفغران، وهما “غسلَ” و “نظفَ”؛ (قارن مز ٥١، وبالأخص الآية ٢: “اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي”). فلا استغناء عن الغسل والتنظيف من القذارات والدماء (اش ١، ١٥) للتطهير وبلوغ القداسة. بنات صهيون يتطهرّنَ بنعمة الربّ وغفرانه (اش ٤، ٤)، والشعب كله مدعوٌ ليغتسل ويتطهر: “فأغتَسِلوا وتَطَهَّروا وأَزيلوا شَرَّ أَعْمالِكم مِن أَمامِ عَينَيَّ وكُفُّوا عنِ الإِساءَة” (اش ١، ١٦)، والنبي اشعيا ذاته يعترف بأنه دنس الشفتين ويعيش بين شعب دنس الشفاه: ٥ فقُلتُ: «وَيلٌ لي، قد هَلَكتُ لِأَنَّي رَجُلٌ نَجِسُ الشَّفَتَين، وأَنا مُقيمٌ بَينَ شَعبٍ نَجسِ الشِّفاه، وقَد رَأَت عَينايَ المَلِكَ رَبَّ القُوَّات». ٦ فطارَ إِلَيَّ أَحَدُ السَّرافين، وبِيَدِه جَمرَةٌ أَخَذَها بِمِلقَطٍ مِنَ المَذبَح ٧ ومَسَّ بِها فَمي وقال: «ها أَن هذه قد مَسَّت شَفَتَيكَ، فأُزيلَ إِثمُكَ، وكُفِّرَت خَطيئَتُكَ»” (اش ٦، ٥ ـ ٧). إذن الخلاص يأتي بالاعتراف بالخطيئة، وطلب الغفران من الله، وقبول حضوره في الحياة ليغمرها بالمسامحة والمحبة، والنِعم والبركات.

الهداية في الليل والنهار، والحماية من الحر والمطر (اش ٤، ٥ ـ ٦): موضوع حضور الله يرجع مجدداً في (اش ٤، ٥ ـ ٦) لتوكيد على أن من يتوب ويطهر قلبه ويعمل حسب مشيئة الربّ، سوف لن يتركه الله، بل سيرافقه ويحميه في كل خطواته، وفي كل لحظة من حياته. هذا الحضور الإلهي يوصف بطريقة رمزية تذكرنا بحضوره مع شعبه لدى خروجه من مصر، وفي مسيرته بالصحراء نحو أرض الميعاد. علامتا مرافقته له في تلك المسيرة وهما عمود سحاب في النهار، وعمود نار في الليل (وَكَانَ الرَّبُّ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ نَهَارًا فِي عَمُودِ سَحَابٍ لِيَهْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَيْلًا فِي عَمُودِ نَارٍ لِيُضِيءَ لَهُمْ. لِكَيْ يَمْشُوا نَهَارًا وَلَيْلًا”: خر ١٣، ٢١؛ قارن أيضاً: ١ ملك ٨، ١٠) يرد ذكرهما في نصنا أيضاً (اش ٤، ٥). بالإضافة إلى هاتين العلامتين المتعلقتين بشكل خاص بالسير نحو أرض الميعاد، هنالك علامتان اُخريتان تشيران للحضور الإلهي مع أتقيائه لتأمين استقرارهم حيث يوفر لهم الكوخ والستر (أو الخيمة) وذلك لحمايتهم من الحرّ والمطرّ.

فهل يا ترى نرى علامات حضور الله في حياتنا، ونقبل أرادته لخلاص ذواتنا؟!

عن Maher

شاهد أيضاً

السادس من إيليا: رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ

السادس من إيليا: رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد السادس من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *