الرئيسية / المقالات / الثالث من الصيف: ينتظر الله منا ثماراً طيبة

الثالث من الصيف: ينتظر الله منا ثماراً طيبة

الثالث من الصيف:

ينتظر الله منا ثماراً طيبة

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الثالث من موسم الصيف:

الاولى من سفر اشعيا (٥، ١ ـ ٧) تنقل نشيد الكرمة، وتعكس علاقةَ الله مع شعبه، علاقة ارتباط ووجدان.

الثانية من الرسالة الثانية الى اهل قورنثية (٧، ١ ـ ٧) المدينة اليونانية التي زارها بولس عام ٤٩ ـ ٥٠، فيها يدعو الرسول الى الثقة الكاملة بمواعيد الله.

الثالثة من انجيل يوحنا (٩، ١ ـ ١٠) تنقل لنا اعجوبةَ شفاءِ الاعمى.

 

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٥، ١ ـ ٧) وتأوينه:

يمكن تقسيم هذا النص الذي يعرف بنشيد الكرم إلى ثلاثة أجزاء بالاستناد على الشخص المتكلم. فالنبي اشعيا يتكلم في الجزء الأول (اش ٥، ١ ـ ٢) والثالث (اش ٥، ٧)، أما في الجزء الثاني (اش ٥، ٣ ـ ٦) فالمتكلم هو الله الذي يوجه كلامه بشكل مباشر ناطقاً بحكمه ضدّ كرمه. ختامية ذلك الحكم بالتحديد تكشف هوية المتكلم صاحب الكرمة، وهو الله كونه وحده قادرٌ بأن يوصي الغيوم بألا تمطر (اش ٥، ٦).

يستخدم كاتب السفر هنا اسلوباً أدبياً رائعاً يُدخِلُ من خلاله القارئ أو المستمع في أجواء الحدث ويخلق فيه الفضول وحب ابداء الرأي وإصدار حكم يتفق تماماً مع المتكلم متوقعاً بأن ذلك يجعله في موقف مستحبذٍ. إلا أن ذلك الحكم سرعان ما ينقلب على المستمع ليكتشف بأن ما اتفق عليه لتوه ينطبق عليه وبالتالي يطبق ضده، بحيث يدين نفسه بنفسه من دون أن يدري، وذلك حينما يتحول النص من اللغة الرمزية إلى الحديث بشكل مباشر تُفسَر فيه الرموز، ويُقال بصريح العبارة المغزى من المثل. وهكذا يدعو اللهُ إسرائيل ليحكم على الكرم الذي كان قد عمل كل شيء له ليثمر عنباً (اش ٥، ١ ـ ٢. ٤)، إلا أنه أثمر حصرماً برياً: “فالآنَ يا سُكَّانَ أُورَشَليمَ ويا رِجالَ يَهوذا أُحكموا بَيني وبَينَ كَرْمي” (اش ٥، ٣). الجواب على السؤالين المطروحين في (اش ٥، ٤ ـ٥) هو بلا شك لصالح صاحب الكرم وضدّ الكرم، فما لا يثمر لا يستحق إلا للترك والإهمال! وبالفعل صاحب الكرمة يصدر حكمه العادل بترك الكرم (اش ٥، ٥ ـ ٦).

هذا الأسلوب الأدبي المشوق يستعمل مراراً في الكتاب المقدس، ولدينا مثلٌ عن هذا طُبِقَ على داود الملك عندما قام باستغلال منصبه القيادي للتعدي على الفقراء والمساكين بدلاً من الدفاع عنهم. فالملك داود يقتل أُورِيَّا الحِثّيّ ليأخذ امراته بَتْشابَعُ بِنتُ أَليعامَ زوجة له بعد أن خطأ معها (١صم ١١ ـ ١٢). ولهذا يرسل الرب ناتأَنَّ النَّبِيِّ إليه ليوبخه ويدينه من فمه ـ “مِن فَمِكَ أَدينُكَ” (لو ١٩، ٢٢) ـ وذلك بسرد قصة الرجلين أحدهما غنيٌ وكان لديه غنم وبقر كثرة جداً، والآخر فقير وكان لديه نعجة واحدة صغيرة وعزيزة عليه وكان يحبها حباً جماً. إلا ان الغني بسبب طمعه وجشعه يأخذ النعجة الوحيدة للفقير ويذبحها لضيفه. وحينما يشتد غضب الملك داود على الفعل الدنيء لذلك الرجل الغني، يجيبه ناتأن قائلاً: ٧… أَنَّتَ هو الرَّجُل…. ٩… قد ضَرَبتَ أُورِيَّا الحِثِّيَّ بِالسَّيفِ وأَخَذتَ اَمراَته آمرَأَةً لَكَ، وإِيَّاه قَتَلتَ بِسَيفِ بَني عَمّون” (٢ صم ١٢، ٧ ـ ٩).

قصة أخرى مؤلمة يسردها الكتاب المقدس تبين خطيئة رؤساء اليهود. القصة هي عن أحآبِ مَلَكَ السَّامرة الذي يقوم بقتل نابوت اليِزرَعيليِّ ليستولي على كرمه، بعد أن رفض الأخير بيعه للملك. زوجة الملك والتي تدعى إِيزابَلُ تلعب دور العقل المدبر للتخلص من نابوت، وذلك بتلفيق تهمة باطلة والإتيان بشاهدي الزور لكيما يرجم صاحب ذلك الكرم ويقتل، ويُصَدَّر كرمه للملك (١مل ٢١ ـ ٢٢).

يحاسب الله في سفر اشعيا الرؤساء الذين أكلوا كرمه: ١٤ الرَّبُّ يَدخُلُ في المُحاكَمة مع شُيوخِ شَعبه ورُؤَسائِهم: «إِنَّكم أنتُم أَتْلَفْتُمُ الكَرْم وسَلْبُ البائِسِ في بُيوتِكم. ١٥ ما بالُكمِ تَسحَقونَ شَعْبي وتَسحَقون وُجوهَ المَساكين» يقولُ السَّيِّدُ رَبُّ القُوَّات؟” (اش ٣، ١٤). لكن رغم كل تلك الخطايا لا ينتهي الرجاء حيث يرد من جديد نشيد آخر عن الكرم في (اش ٢٧، ٢ ـ ٥) ليبشر بالخلاص القادم بنعمة الربّ وحنانه.  كما يذكر الكرم ويُشَارُ لأهمية حفظه في (اش ٤٢، ١٠).

الفكرة الأساسية في مثل الكرم هي في أن إسرائيل هو مُلْكُ الله (قارن: خر ١٩، ٣ ـ ٨؛ تث ٧، ٦ ـ ١٦؛ يو ١٥، ١ ـ ١١)، لكن رؤساء اليهود يريدون أن يسلبوا ملكيته ويأكلوا ثمره، والشعب نفسه يتمرد على الله ويزوغ عن طريق الحق ويرتكب الخطايا مخالفاً تعاليم الله. وهكذا ثمار كل هؤلاء بدلاً من أن تكون ثماراً طيبة كالعنب أي العدالة والرحمة غدت حصرماً برياً أي الشر والعنف وسفك الدماء؛ “… وقد آنتَظَرَ الحَقَّ فاذا سَفكُ الدِّماء، والبِرَّ فإِذا الصُّراخ” (اش ٥، ٧). الرب يسوع أيضاً يضرب ذات المثل الوارد في (اش ٥، ١ ـ ٧) مع اجراء بعض التغييرات فيه، وذلك لإدانة خطيئة الكرَّامين القتلة (مت ٢١، ٣٣ ـ ٤٦) الذين قاموا بضرب الخدام المرسلين ورجمهم وقتلهم، إلى أن يرسل ربّ الكرم ابنه الوارث فلم يهابوهُ بل قتلوه ظناً منهم بأن الكرم سيصبح ملكاً لهم: ٣٨ فلَمَّا رَأَى الكرَّامونَ الابنَ، قالَ بَعضُهم لِبَعض: «هُوَذا الوارِث، هَلُمَّ نَقتُلْهُ، ونَأخُذْ مِيراثَه». ٣٩ فأَمسَكوهُ وأَلقَوهُ في خارِجِ الكَرْمِ وقتَلوه” (متّ ٢١، ٣٨ ـ ٣٩).

“الآن” تتكرر مرتين في نصنا (اش ٥، ٤ ـ ٥) لتبين بأن هذا الكلام موجهٌ لكل واحدٍ منا اليوم. كما لاحظنا بأن النص يبدأ بإنشاد نشيدَ حُبٍ، لكن سرعان ما ينقلب لرثاءٍ وينتهي بسفك الدماء والصراخ. وعليه يدعونا الكاتب “الآن” لنثمر عنباً، لا حصرماً برياً، لتكون حياتنا نشيداً، لا رثاءً.

عن Maher

شاهد أيضاً

السادس من إيليا: رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ

السادس من إيليا: رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد السادس من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *