الرئيسية / المقالات / تاملات في انتقال العذراء

تاملات في انتقال العذراء

تاملات في انتقال العذراء

 اعداد الخوراسقف فيليكس الشابي

تورونتو – كندا

 

تقديم: متى اعلنت مريم الكلية القداسة، منتقلة الى السماء؟

في الاربعاء 1 من نوفمبر 1950 اعلن البابا بيوس 12 الساعة 9:44 صباحا في ساحة القديس بطرس في الفاتكيان ما يلي: “بسلطة ربنا يسوع المسيح، والقديسين الرسولين بطرس وبولس، وسلطتنا، نؤكد ونعلن ونُحَدّد عقيدة أوحى بها اللـه وهي أن  والدة اللـه الطاهرة، مريم الدائمة البتولية، بعدما أتمت مسيرة حياتها الأرضية، رفعت بالنفس والجسد إلى المجد السماوي”. سنحاول ان نتامل اليوم حول:

اولا: لماذا مريم هي بالسماء بالنفس والجسد؟

1-   لان مريم قد تم خلاصها مسبقا من قبل المسيح. بمعنى ان الرب قد ابتدأ مع مريم عمله الخلاصي (القديس يوحنا بولس 2).

2-   لان مريم هي كلها بكليتها قديسة. من صلوات القداس اللاتيني: “سلام ايتها الام القديسة، لانك جلبت الى النور الملك الذي يحكم السماء والارض، منذ الاجيال والى الابد”.

3-   لان القدير صنع بمريم “اشياء عظيمة”، وهذا كان ما اعلنته هي بنفسها في نشيد تعظيمها الرب من شدة فرحها (لوقا 1: 46).

4-   لان مريم كمشتركة في مخطط اللـه الخلاصي كان عليها ان تسير في نفس طريق ابنها، ليس فقط في الالام بل ايضا في المجد  الابدي. “وهكذا، أنَّ مريم لم تسهم في خلاص البشر كأداةٍ سلبية بين يدي اللـه، وإنّما بحرَّيةِ إيمانها وطاعتها” (وثيقة نور الشعوب 56، ف2). “هاءنذا امة الرب” (لوقا 1: 26). لقد تعاونت مريم محتملة الالام والاوجاع الاتية من آلام الصليب: “وانت، سيف سيجوز في نفسك” (لوقا 2: 33).

5-   ” ان مريم الكلية القداسة، من خلال تتميها للعمل الخلاصي، هي مشاركة وبصورة مباشرة مع المسيح” (البابا بيوس 11). ومثلما كشف اباء الكنيسة، فان بين يسوع ومريم يوجد اتحاد ثلاثي الابعاد لا يمحى: “جسدي، روحي، وايماني.

جسدي: عندما قبلت مريم في رحمها كلمة اللـه؛

روحي: عندما اشتركت صميميا بعملية خلاص البشر. بالحقيقة فان “العذراء الماثلة امام اقدام الصليب قد شاركت في الام المسيح وان كان بالامكان لكان من دواعي سرورها ان تتالم هي ايضا الالام التي تحملها ابنها” (القديس بونافنتورا)؛

والبعد الايماني: عندما آمنت بكلمة اللـه واطاعتها: “طوبى لمن يسمع كلمة اللـه ويحفظها” (لو 11: 28)” و”من يؤمن بالابن له الحياة الابدية” (يو 6: 40).

6-   لان مريم هي “ممتلئة نعمة”، “المحبول بها بلا دنس”، اي منذ الحبل بها كانت بلا خطيئة، لانه كان ينبغي عليها ان تكون والدة ابن اللـه القدير. وهذا ما تصرح به للقديسة برناديت “انا الحبل بلا دنس”. ولهذا ما كان ينبغي على جسدها ان يطاله فساد القبر، بل كان يجب ان يعبر الى الحياة الجسدية – الروحية مباشرة.  وهذا كان من المفروض ان ينالاه ادم وحواء من جهة اخرى، اذا ما كانا ليخطا ويفقدا حالة النعمة التي عاشاها حتى لحظة الخطيئة.

ثانيا: لماذا تعتبر مريم “طوباوية” وهي لا تزال بعد على الارض؟

أ: ماذا يعني ان تكون طوباوية؟

طوباوية تعني بانها فرحة بقداسة ملكوت اللـه الاب الابدي. وبالتالي، فرحة بقديسي السماء. فان كانت العذراء كلية القداسة هي طوباوية، فهذا يعني بانها قديسة مذ كانت على الارض. ولهذا السبب على الاكثر، ينبغي عليها ان تكون في السماء، الى جانب ابنها الحبيب يسوع، والى جانب القديس جرمانوس من القسطنطينية، والذي بمناسبة عيد “رقاد السيدة العذراء” اعلن ما يلي: “كان ضروريا لوالدة الحياة، ان تقتسم مسكن الحياة ذاتها” (الحياة = المسيح). 

ب ـ متى اعلنت مريم طوباوية؟

1-    اليصابات وهي ممتلئة من الروح القدس اغعلنت هكذا: “فطُوبى لِلَّتي آمنَتْ بأَنَّهُ سيتمُّ ما قيلَ لها من قِبَلِ الربّ” (لوقا 1: 45).

2-    “وفيما هُوَ يَتكلَّمُ بهذا، رفَعَتِ امرأَةٌ في الجمعِ صَوتَها، وقالَتْ لهُ: “طُوبى لِلبَطْنِ الذَّي حَمَلَكَ، والثَّديَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهما (لوقا 11: 27). من الواضح بان هذا المديح هو موجه بكامله الى مريم.

3-   مباشرة، ياتي جواب يسوع نفسه، وبصورة غير مباشرة، (وليس كما يحلو لغير الكاثوليك ان يحللو على هواهم)، اذ يخفي اعين الناس عن عظمة امه، لانه هو وحده يعرف بان والدته تتمم وبصورة كاملة مشيئة الاب، فيثبت دورها الحنون والمتواضع والتي لم ترغب بان تبرزه او تظهره في الانجيل، فيمجدها يسوع هكذا: “بَل طُوبى لِمَنْ يَسمعُ كلمَةَ اللـهِ ويَعْملُ بها” (لوقا 11: 28). ذلك لان الانجيل يكتب “وكانَتْ أُمُّهُ تحفَظُ جَميعَ هذِه الأَشياءِ في قلبِها” (لوقا 2: 51). فمن من البشر قد اطاع كلام اللـه وعمل بها اكثر من مريم؟ اليست مريم هي التي قالت: “هاءنذا امة الرب فليكن لي بحسب قولك؟” (لوقا 1: 38).

4-   يقول القديس جيروليمو، بان اعطي لمريم لقب  Almaوالذي يعني بالعبرية “الخفية او السرية”. بمعنى ان مريم عاشت حياتها الارضية من دون ان تتمم اعمالا جبارة او فخمة كي تدون في التاريخ البشري. ولهذا نرى الانجيليين يعطون اخبارا بسيطة ومفصلة عنها. وهكذا يفضل يسوع ان تبقى مريم صامتة، لكونها “المملوءة من النعمة” (لوقا 1: 28)، امام حضور اللـه الاب، الذي حفظ لها المرتبة الاعلى من الشرف والكرامة في ملكوته، معلنا اياها: “ملكةَ العالمين، حتى تكون أكثرَ مشابهة لإبنها ربِّ الأرباب (رؤيا 19 / 16) المنتصر على الخطيئة والموت (وثيقة نور الشعوب 59، ف2). وهكذا تصبح مريم هي باكورة الخليقة وعمل اللـه.

ثالثا: مريم بحسب التعليم الكنسي الرسمي:

1-   الكنيسة تتأمل مريم بانها “السفينة المقدسة”. “فقد زهت عذراء الناصرة، منذ اللحظة الأولى للحبل بها، بقداسةٍ وهّاجة وفريدة جداً” (وثيقة نور الشعوب 56، ف2).

2-   كما أنَّ أمَّ يسوع في تمجيدها الآن في السماء بجسدها وروحها هي صورةُ وبَدءُ الكنيسة التي ستبلغ كمالها في العصر الآتي، هكذا إنَّها تزهو على هذه الأرض علامةَ العزاءِ والرجاء الأكيد لشعبِ الله في غربته إلى أن يأتي يوم الرب (نور الشعوب 68، ف2).

3-   نقرأ عن مريم في كتاب التعليم المسيحي للقديس بيوس العاشر: لماذا رفعت العذراء الى السماء فوق كل الخلائق؟ لان مريم هي والدة اللـه، وهي من دون كل الخلائق الاكثر تواضعا واكثر قداسة. ماذا علينا نحن اذن عمله في احتفالية عيد انتقال العذراء مريم؟ علينا ان نبتهج بانتقالها المجيد، وان نكرمها مثل امنا المعظمة، ان نصلي اليها لان تطلب من اللـه الاب ان يجعلنا نعيش حياة مقدسة وان نشارك في مجده السماوي.

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا الكاردينال لويس روفائيل ساكو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *