الرئيسية / المقابلات / الخامس من الصيف: في الشمال السُكْرُ، وفي الجنوب السُخْرُ

الخامس من الصيف: في الشمال السُكْرُ، وفي الجنوب السُخْرُ

الخامس من الصيف:

في الشمال السُكْرُ، وفي الجنوب السُخْرُ

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الخامس من موسم الصيف:

الأولى من سفر اشعيا (٢٨، ١٤ ـ ٢٢) تنقل أقوالاً نبوية تُندِّد بالظلم والطغيان والكذب.

الثانية من الرسالة الثانية إلى اهل قورنثية (١٢، ١٤ ـ ٢٠) تنقل رغبة بولس في زيارة جماعة قورنثية، انها رغبة الراعي الغيور في متابعة الرعية.

الثالثة من إنجيل لوقا (١٦، ١٩ ـ ٣١) تروي لنا مثل الغني والمسكين لعازر. إنه نداء إلى اقتسام ما عندنا من الخيرات مع إخوتنا المحتاجين.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٢٨، ١٤ ـ ٢٠) وتأوينه:

يمكن تقسيم الإصحاح الثامن والعشرين من سفر اشعيا لثلاثة أقسام رئيسية، وكما يلي: الحكم على السامرة (اش ٢٨، ١ ـ ١٣)، والحكم على أورشليم (اش ٢٨، ١٤ ـ ٢٢)، والمثل الذي يختم الإصحاح ويعطي المعزى لمجريات الأحداث وحكمة الله منها وتحقيق تدبيره الخلاصي من خلالها (اش ٢٨، ٢٣ ـ ٢٩).

يستهل القسم الأول من هذا الفصل بتوجيه كلمة الويل مرتين للسكارى من افرائيم: “وَيلٌ لِتاجِ كِبرِياءِ السَّكارى مِن أَفْرائيم، وللزَّهرَةِ الذَّاوِيَةِ، بَهاءَ فَخرِه الَّتي على رَأسِ الوادي الخَصيب، وَيلٌ للمَصْروعينَ بِالخَمْر” (اش ٢٨، ١). كما يختزل النبي اشعيا خطيئة السامرة ـ مركز مملكة الشمال ـ بعبارة “كبرياء السكارى”. والمقصود بهذه العبارة هو أن السكران يظن بأنه على وعيه، وبكامل قواه، ومسيطر على الوضع، ولا يحتاج للعون والسند. إلا أنه حينما يحاول لفظ كلماته يخونه لسانه (اش ٢٨، ١١)، وفي نهوضه تخونه أقدامه، وفي مشيه تخونه خطواته. فتراه يتلعثم ويترنح ويتساقط. وبالرغم من كل ذلك يبقى مُصراً بأنه على ما يرام، وذلك بسبب كبريائه الفارغ، وكي لا يقال عنه بأنه قد سكرَ. وهكذا كان حال مملكة السامرة حيث كانت تتباهى بغناها وثروتها، وبفحشها وفسادها إلى أن سقطت على يدّ الإمبراطورية الأشورية سنة ٧٢١ ق.م. وهنا يُشَبَه سقوطها بسقوط السكران.

أما حال مملكة يهوذا في جنوب إسرائيل فلم يكن أفضل من قرينتها مملكة السامرة في الشمال. فإن كان السُكر شمية السامرة، فالسُخر هو شيمة الناس المتسلطين على الشعب في أورشليم: “فآسمَعوا كَلامَ الرَّبِّ أَيُها النَّاسُ السَّاخِرون المُتَسَلِّطونَ على هذا الشَّعْبِ الَّذي في أُورَشَليم” (اش ٢٨، ١٤). وهم يظنون بأنهم في أمان لأنهم قطعوا عهداً مع الموت وتحصنوا بالكذب والبهتان: “قُلتُم: «قد قَطَعْنا عَهداً مع المَوت، وعَقَدنا حِلفاً مع مَثْوى الأَمْوات. فالسَّوطُ الطَّاغي إِذا عَبَرَ لا يَغْشانا، لِأَنَّنا جَعَلْنا الكَذِبَ مَلجَأً لَنا، وآستَتَرنا بِالبُهْتان»” (اش ٢٨، ١٥). عادة ما يعتقد الشرير بإمكانه التحصن بالكذب والبهتان، والتحالف مع قوى الشرّ والموت والشيطان. لكن كل ذلك بالحقيقة لا يقوده إلا إلى الهلاك والضيعان، لأن حبل الكذب قصير، أما الخلاص فهو بالثبات على المبادئ والقيم والإيمان.

يستعين النبي في القسم الثالث من هذا الإصحاح بمثلٍ واقعيٍ من حياة الفلاح لقراءة الأحداث بعيون الإيمان. فمن ليس لديه خبرة ودراية بالزراعة ويرى لأول مرة عمل الفلاح قد يسيء فهم الأخير حينما يقوم بحراثة الأرض بقوة عنيفة ويقلب التربة رأساً على العقب. لكن في واقع الأمر، من دون هذه الخطوات لا تكون التربة مناسبة ومهيئة لنمو البذار (اش ٢٨، ٢٤ ـ ٢٥). وكذلك الحال بالنسبة لبقية الخطوات اللاحقة التي يقوم بها الفلاح بداءً بحصد المحصول بالمنجل، ودرسه باستخدام “النَّورَج” (وهو عبارة عن آلة خشبية يجرها ثوران ويجلس الفلاح عليها لإحداث الثقل، وذلك لفصل الحب عن السَّنَابل، وإتمام عملية درس المحصول)، ومن ثم التذرية بالرياح باستخدام “المدراية” (وهي آلة خشبية مسننة) وذلك لفصل التبن أو العُصافة عن حب الحنطة، من خلال رميها نحو الأعلى لتقوم الرياح بفصلها عن بعضها.

كما يؤكد الكاتب بأن لكل بذرة كالشونير والكمُّون والحِنطَة والدُّخن والشَّعير والعَلَس طريقة خاصة لزراعتها. وبالنسبة لمرحلة الحصاد يبين كيف يتم استخدام أدوات وطرق مناسبة لكل محصولٍ، قائلاً: ٢٧ فالشُّونيزُ لا يُدرَسُ بِالنَّورَج، ولا تُدارُ بَكَرةُ العَجَلَةِ على الكَمُّون، بل بِالعَصا يُخبَط، والكَمُّونُ بِالقَضيب. ٢٨ تُضرَبُ الحِنطَةُ ولكِن لا تُداسُ دَوساً، ويُحَرَّكُ علَيها دَولابُ العَجَلةِ بِخَيلِها، ولا تُسحَق” (اش ٢٨، ٢٧ ـ ٢٨). وعلى ضوء كل هذا، قد يطرح السؤال التالي: من أين كل هذه الدراية للفلاح للقيام بعمله بكل تفاصيله؟ الجواب هو أن الله وهب له الحكمة ليقوم بذلك بدقة وحرفية، وصبر ورجاء: “إِلهُه عَلَّمَه هذه الطَّريقة، ولَقنه إِيَّاها” (اش ٢٨، ٢٦). وكما يلهم الله المزارعَ، هكذا يلهم كل انسان، ويتعامل معه بحسب مواهبه وطاقاته، وشخصيته وما يميزه عن غيره، تماماً مثلما يتعامل الفلاح مع كل نوع من الحنطة بطريقة تتميز عن غيرها. وعلى هذه الشاكلة أيضاً يقوم الله من خلال احداث التاريخ وبحكمه العادل بتطهير شعبه من السكارى المتكبرين والساخرين والكذابين والمتحالفين مع الموت ليهيئ التربة والأجواء المناسبة لبذرة الإيمان لتنمو في قلب الإنسان الذي وضع ثقته بخالقه، فيثبت أمام تحديات كل هذه المراحل الصعبة. وحينما يحين وقت الحصاد يدخل في مراحل أخرى لا تقل صعوبة عن سابقاتها، لكن لا بد منها لتنقيته من كل الشوائب. لذا على المؤمن أن يثبت أمام التحديات ويبقى صامداً مع البقية الباقية من الشعب (٢ مل ١٩، ٤. ٣٠ ـ ٣١؛ اش ٤، ٣؛ ٢٨، ٥) التي تثبت أمام كل الاختبارات والتحديات، لتنال نعمة الله ورحمته وخلاصه. وهكذا في يوم الحصاد أي يوم الدينونة سيعطي المؤمن الحقيقي ثماراً طيبةً. وكل ذلك في النهاية ما هو إلا هبة ومعجزة من الله لخليقته، كما يقول النبي اشعيا في ختام هذا الفصل: “هذا أَيضاً خَرَجَ مِن عِندِ رَبِّ القُوَّات، وهو عَجيبُ المَشورَةِ، عَظيمُ المَهارة” (اش ٢٨، ٢٩) ـ آمين.

عن Maher

شاهد أيضاً

دخانك عماني وطبيخك ما جاني اخطاء في اقامة جامعة الحمدانية

دخانك عماني وطبيخك ما جاني اخطاء في اقامة جامعة الحمدانية الخور اسقف ثابت بولس حبيب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *