الرئيسية / المقالات / السادس من الصيف: الصراحةُ راحةٌ

السادس من الصيف: الصراحةُ راحةٌ

السادس من الصيف:

الصراحةُ راحةٌ

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد السادس من موسم الصيف:

الأولى من سفر اشعيا (٢٩، ١٣ ـ ٢١) تؤكد على العلاقة النابعة من القلب وتصب في القلب بعيداً عن الشكليات والرسميات.

الثانية من الرسالة الأولى إلى اهل تسالونيقي (٢، ١ ـ ١٠) وتُعتبر أول نص مكتوب من العهد الجديد يعود الى نحو عام ٥١، تُذكّر المؤمنين بالإنجيل الذي بشرهم به بولس وتدعوهم إلى الحفاظ عليه.

الثالثة من إنجيل لوقا (١٧، ١١ ـ ١٩) تروي ان يسوع شفى عشرة رجال برص، لكنهم غابوا حالما شُفُوا من دون أن يقدموا الشكر لله.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٢٩، ١٣ ـ ٢١) وتأوينه:

يحذر النبي اشعيا في هذا النص من العبادة المزيفة. نعم قد يكون المرء بارعاً في الغش والخداع. فتراه يخدع الآخرين، لا بل يخدع حتى نفسه. لكنه مهما تفنّن وبرع بالغش والخداع والمراءاة والنفاق، حاشا بأن يخدع الله. ويركز الكاتب هنا على نوعٍ خطيرٍ جداً من الخداع يخص العلاقة مع الله ألا وهو الخداع في الصلاة. وفي هذا السياق نرى أن الله ذاته ينتقد خداع الشعب في عبادته، قائلاً: “… هذا الشَّعبَ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِفَمِه، ويُكرِمُني بِشَفَتَيه، وقَلبُه بَعيدٌ مِنِّي، وبما أَنَّ مَخافَتَه لي وَصِيَّةُ بَشَرٍ تَعَلَّمها” (اش ٢٩، ١٣). كما يُوبَخ الشعب مجدداً في الفصل اللاحق على تمرده وكذبه حيث نقرأ ما يلي: “لأَنَّهُ شَعْبٌ مُتَمَرِّدٌ، أَوْلاَدٌ كَذَبَةٌ، أَوْلاَدٌ لَمْ يَشَاءُوا أَنْ يَسْمَعُوا شَرِيعَةَ ٱلرَّبِّ” (اش ٣٠، ٩).

من يمارس العبادة المزيفة يخالف الكلمة التاسعة من الكلمات العشر: لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ” (خر ٢٠، ١٦؛ قارن: تث ٥، ٢٠). كما يرتكب أحد سبعة أفعال شريرة يبغضها الرّب، والمذكورة في سفر الأمثال، وهو “الكذب” حيث يذكر مرتين ويربط بينه وبين شهادة الزور: ١٦ هذِهِ السِّتَّةُ يُبْغِضُهَا الرَّبُّ، وَسَبْعَةٌ هِيَ مَكْرُهَةُ نَفْسِهِ: ١٧ عُيُونٌ مُتَعَالِيَةٌ، لِسَانٌ كَاذِبٌ، أَيْدٍ سَافِكَةٌ دَمًا بَرِيئاً، ١٨ قَلْبٌ يُنْشِئُ أَفْكَاراً رَدِيئَةً، أَرْجُلٌ سَرِيعَةُ الْجَرَيَانِ إِلَى السُّوءِ،١٩ شَاهِدُ زُورٍ يَفُوهُ بِالأَكَاذِيبِ، وَزَارِعُ خُصُومَاتٍ بَيْنَ إِخْوَةٍ” (أم ٦، ١٦ ـ ١٨). وكذلك يضع سفر الرؤية الكذب بين أبشع الخطايا كالقتل والزنى، ويؤكد بأن من يقترفها يكون مصيره الهلاك: “وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي” (رؤ ٢١، ٨). فكم بالأحرى حينما يرتكب الإنسان هذه الخطيئة في صلاته!

الناس الذين يعتادون على الخداع يظنون بأنهم يستطيعون أن يكتموا الحقيقة، ولهذا يقومون بأعمالهم الشريرة في الظلام. ويقنعون أنفسهم بأن لا أحد يراهم، ولا أحد يعلم بهم، ولا حتى الله خالقهم. إلا أنهم سرعان ما ينالون الويل: وَيلٌ لِلَّذينَ يَكتُمونَ في الأَعْماق عنِ الرَّبَ مَشورَتَهم. فأَعْمالُهم في الظَّلامِ، وهم يَقولون: «مَن يَرانا، ومَن يَعلَمُ بنا؟» “ (اش ٢٩، ١٥). كما يَرّدُ المُزَمّرُ على هؤلاء حينما يبين بلغة شعرية رائعة كيف لا يمكن إخفاء شيءٍ على الله ولا الهروب منه، قائلاً: ١ … يا رَبِّ قد سَبَرْتَني فَعَرَفتني. ٢ عَرَفْتَ جُلوسي وقِيَامي. فَطِنتَ مِن بَعيدٍ لأَفْكاري. ٣ قَدَّرتَ حَرَكاتي وسَكَناتي، وأَلِفتَ جَميعَ طرقي. ٤ قَبلَ أَن يَكونَ الكَلامُ على لِساني، أنتَ يا رَبُّ عَرَفتَه كلَه ٥ مِن وَراءُ ومِن قُدَّامُ طوَقتَني، وجَعَلتَ علَيَّ يَدَكَ. ٦ عِلمٌ عَجيبٌ فَوقَ طاقَتي، أَرفعُ مِن أَن أُدرِكَه. ٧ أينَ أذهَبُ مِن روحِكَ، وأينَ أَهرُبُ مِن وَجهِكَ؟ ٨ إِن صَعِدتُ إِلى السَّماءِ فأَنتَ هُناكَ، وإِنِ اْضَّجَعتُ في مَثْوى الأَمواتِ فأَنتَ حاضِر. ٩ إِنِ اْتَخَذتُ أَجنِحَةَ الفَجْرِ، وسَكَنتُ أَقاصِيَ البَحْرِ، ١٠ فهُناكَ أَيضًا يَدُكَ تَهْديني، ويَمينُكَ تُمسِكُني. ١١ وإِن قُلتُ: «لِتُغَطِّني الظلمَة، وليَكُنِ اللَّيٌل نَّارًا حَولي» ١٢ حَتَّى الظُّلمَةُ لَيسَت ظُلمَةً عِندَكَ، واللَّيلُ يُضيءُ كالنَّهار. ١٣ أَنتَ الَّذي كونَ كُليَتَيَّ، ونَسَجَني في بَطْنِ أُمِّي” (مز ١٣٩، ١ ـ ١٣). فلتكن إذن صلاتنا صادقة كصلاة المُزمّرِ هذه، ولنشكر الله كما يشكره هو قائلاً: “أَحمَدُكَ لأَنَّكَ أَعجَزت فأَدهَشتَ. عَجيبةٌ أَعْمالُكَ. نَفْسي أَنْتَ تَعرِفُها حَقَّ المَعرِفَة” (مز ١٣٩، ١٤). ولنكن صريحين مع الأخرين، ومع ذواتنا، ومع الله خالقنا، لأن الصراحة راحة، أما الكذب فحبله قصيرٌ وعقابه عسيرٌ.

عن Maher

شاهد أيضاً

دخانك عماني وطبيخك ما جاني اخطاء في اقامة جامعة الحمدانية

دخانك عماني وطبيخك ما جاني اخطاء في اقامة جامعة الحمدانية الخور اسقف ثابت بولس حبيب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *