الرئيسية / المقالات / الثالث من إيليا: من هو الحاكم الحكيم؟!

الثالث من إيليا: من هو الحاكم الحكيم؟!

الثالث من إيليا:

من هو الحاكم الحكيم؟!

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الثالث من موسم إيليا:

الأولى: من سفر اشعيا (٣٢، ١ ـ ٨) تخبرنا عن الملك العادل رمز العدل الالهي.

الثانية: من الرسالة التي كتبها بولس من سجنه عام ٦٢ إلى اهل فيلبي (١، ٢ ـ ٢١) يصف المضايقات التي واجهها بولس في سبيل الانجيل وقال: حياتي هي المسيح.

الثالثة: من إنجيل متّى (١٣، ٢٤ ـ ٣٠) تنقل لنا مثل الحنطة والزوّان، وهي دعوة للمسيحي ليعيش وسط الزوّان من دون أن تفقد الحنطة فاعليتها.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٣٢، ١ ـ ٨) وتأوينه:

يتميز هذا النص من سفر اشعيا بصبغته الحكمية. وبما أن رأس الحكمة وفق الكتاب المقدس هي في مخافة الله (مز ١١١، ١٠؛ سي ١، ١٦)، فإن تلك الآية تمثل مفتاحاً لتفسير هذه الآيات.

كلام النبي اشعيا هنا موجهٌ بشكلٍ رئيسيٍ لأصحاب السلطة حيث يبدأ حديثه بذكر “الملك” و “الرؤساء” (اش ٣٢، ١). ويبين بأن سرّ نجاح السلطة ليس بالقوة والغطرسة والعنف والظلم لبسط النفوذ، وإنما بالحكمة والتي تلخص بمخافة الله. ولتطبيق ذلك من الناحية العملية يركز الكاتب على ثلاثة أمور أساسية ينبغي على الملوك والرؤساء إتباعها ليتسم حكمهم بالحكمة والبِرّ والحَقّ، وهي حماية المواطنين وتوعيتهم والدفاع بشكل خاص عن الضعفاء والفقراء، وكما يلي:

أولاً: تأمين الحماية لجميع المواطنين. تعابير مجازية وصور مأخوذة من الطبيعة يستخدمها النبي اشعيا للتعبير عن أهمية حماية كل فرد من أفراد المجتمع، قائلاً: ويَكونُ كُلُّ إِنْسانٍ كمَخْبَإٍ مِنَ الرِّيح، وسِتْرٍ مِنَ السَّيل، كمَجاري مِياهٍ في قَفْرٍ، وكظِلِّ صَخرٍ عَظيمٍ في أَرضٍ مُجدِبَة” (اش ٣٢، ٢). إذن المقياس الأول ونقطة انطلاق لمن يحكم بالبرّ والعدل تكمن بنبذ التمييز العنصري، وتحقيق العدل والمساواة وتوفير الأمن والأمان لـ “كُلُّ إِنْسانٍ“. التعابير المجازية المستخدمة هنا يرد ذكرها في نصوص كتابية أخرى وذلك في سياق الحديث عن الحماية والعناية التي يبديهما الله تجاه الإنسان حيث يضمن له الملجأ والمأكل والمشرب ويحميه ويستره بظل جناحيه ويكون له كصحن وسور وصخرة خلاص (قارن بهذا الخصوص النصوص التالية: اش ٤، ٥ ـ ٦؛ ٢٥، ٥؛ ار ٢، ١٣؛ مز ١، ٣؛ ١٧، ٨؛ ١٨، ٣؛ ٢٧، ٥؛ ٣١، ٤. ٢١؛ ٣٢، ٧؛ ٣٦، ٨؛ ٤٢، ١٠؛ ٤٦، ٥؛ ٥٧، ٢؛ ٦١، ٥؛ ٦٣، ٨؛ ٦٥، ١٠؛ ٧١، ٣؛ ٧٨، ١٦؛ ٨١، ٨؛ ٩١، ١؛ ١١٩، ١١٤؛ ١٢١، ٥). وعليه عندما يقوم صاحب السلطة بتوفير الحماية المطلوبة والعيش الكريم ويضمن الحقوق والكرامة لكل من هو تحت رعايته، فإنه يمشي وفق مشيئة الله. وفي هذه الحالة فقط يمكنه القول بأن سلطته هي من الله، ولخدمة الإنسان: ١ لِسليمان. أللَّهُمَّ، هَب لِلمَلِكِ حُكمَكَ ولاْبنِ المَلِكِ عَدلَكَ. ٢ فيَقضِيَ بِالبِرِّ لِشَعبِكَ، وبِالإنصافِ لِوُضَعائكَ” (مز ٧٢، ١ ـ ٢؛ قارن: مز ٨٩، ٢٥).

ثانياً، تثقيف الشعب. وبهذا الخصوص نقرأ في النص ما يلي: ٣ ولا تُغمَضُ عُيونُ النَّاظِرين، وآذانُ السَّامِعينَ تُصْغي، ٤ وقُلوبُ المُتَسَرِّعينَ تَفقَهُ العِلْم، وأَلسِنَةُ اللُّكْنِ تُسرِعُ في الكَلامِ بِفَصاحة” (اش ٣٢، ٣ ـ ٤). إذن سمة القائد الحكيم هي في تثقيف شعبه، وليس العكس. لكن هنا ينبغي ملاحظة أمرٍ مهمٍ للغاية وهو أن دور الشعب ليس غائباً أو مسلوباً، بل دوره رياديٌ لأنه هو من يختار من هو الأصلح ليحكمه، حيث لا يقبل من هو جاهل بأن يدعى شريفاً، ولا من هو ماكر بأن يصبح نبيلاً أي لا ينبغي له أن يسمح لتلك النماذج غير المؤهلة للوصول إلى هرم السطلة وأن لا تصبح قادة بسبب تملق الشعب وقبوله بهذا الغش والخداع! وبتعبير آخر، من هو جاهل يختار من هو أجهل منه ليحكمه، ومن هو حكيم يختار من هو أحكم منه ليمثله ويقوده بالعدل وبالبرّ ليوصله لبرِ الأمان: “وفيما بَعدُ لا يُدْعى الجاهِلُ شَريفاً، ولا يُقالُ لِلماكِرِ نَبيل” (اش ٣٢، ٥).

ثالثاً، معاضدة الطرف الأضعف في المجتمع، والعمل على توفير على الأقل الاحتياجات الأساسية للكل. وهذا ما يؤكد عليه النبي اشعيا بطريقة غير مباشرة حينما يتحدث عن الظلم الذي يلحقه الحاكم الجاهل بالفقراء والضعفاء حيث يحرمهم من العيش الكريم بقطع ارزاقهم وتضليلهم بخبثه ومكايده وكذبه وزوره، لأن قلبه مهتم بالإثم بدلاً من المحبة، وأعماله تجسد كفره بدلاً من إيمانه. وهذا ما يعيدنا لما بدأنا به أي للآية الكتابية التالية: “رَأسُ الحِكمَةِ مَخافَةُ الرَّبّ” (مز ١١١، ١٠؛ قارن: سي ١، ١٦). فالحاكم الظالم والجاهل لا يخاف الله، بل … يَتَكَلَّمُ بِالضَّلالِ على الرَّبّ …” (اش ٣٢، ٦)، لأنه “… يَترُكَ حَلْقَ الجائِع فارِغاً، وَيمنَعَ العَطْشانَ أَن يَشرَب …  يُضمِرُ المَكايِدَ لِيُهلِكَ البائسينَ” (اش ٣٢، ٦ ـ ٧).

إذن الإنسان الحكيم ولا سيما صاحب السلطة هو من يخاف الله، وهذا ما يتجلى بصفاء قلبه، واتزان كلامه، وصلاح عمله. فهو يعطي للجائع خبزاً، وللعطشان ماءاً، ويعمل من أجل خلاص البائسين، وإنقاذ المساكين.

وعلى ضوء ما ذُكر أعلاه، يتضح كم هو واقعيٌ كلام النبي اشعيا وكم هو مهمٌ لعالمنا اليوم. فحكمة حُكام عالمنا تتجسد بتوفير الأمن والأمان والسلم والاستقرار لكل إنسان. وعليه لا منفعة من خطب الرؤساء الرنانة، إذا كان الواقع تعيساً، بل كلامهم ذاته في تلك الحالة يدينهم فاضحاً كذبهم وجهلهم بسبب سوء إدارتهم. وللأسف تقدم لنا الإحصائيات أرقاماً مخيفة لحجم انتهاكات حقوق الإنسان، وتفشي الفقر والجهل والتعصب والصراعات والظلم، وما إلى ذلك. لو كانوا من يحكمون العالم حكماء وصادقون ويخافون الله، لأستمتعَ “كلُّ إِنسانٍ” بحقوقه وكرامته! لنصلي إذن ـ كما يوصينا مار بولس (قارن: ١طيم ٢، ١ ـ ٢) ـ من أجل أصحاب السلطة ليقوموا بواجباتهم وخدمتهم كما ينبغي وكما يوصيهم الله. ولنصلي بالوقت ذاته من أجل الشعوب كي ينورها الله فتختار رؤسائها ممن يستحقون ذلك حقاً، ليخدموهم رؤسائهم بتفانٍ مقتدين بالرّب يسوع المسيح ملك الملوك الذي تواضع وخدم وكرس حياته بأسرها في سبيل إنقاذ الفقراء والمساكين وفتح أعين العميان وتنوير الناس بحكمته وتعاليمه الإلهية والإنسانية، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وبذل ذاته من أجل احبائه: ٢٥ فدَعاهُم يسوعُ إِليهِ وقالَ لَهم: «تَعلَمونَ أَنَّ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتسلَّطونَ علَيها. ٢٦ فلا يَكُنْ هذا فيكُم، بل مَن أَرادَ أَن يكونَ كبيراً فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم خادِماً. ٢٧ ومَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم عَبداً: ٢٨ هكذا ابنُ الإِنسانِ لم يأتِ لِيُخدَم، بَل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفسِه جَماعَةَ النَّاس»” (متّ ٢٠، ٢٥ ـ ٢٨).

نختم حديثنا بالدعوة التي يوجهها كاتب سفر الحكمة للحُكام بأن يتعلموا الحكمة، ويحكموا بالعدل والمساوة، وإلا سيكون عقابهم شديداً جداً: ١ فاْسمَعوا أيّها المُلوكُ واْفهَموا! وتَعَلَّموا يا قُضاةَ أَقاصي الأَرض! ٢ أَصْغوا أيّها المُتَسَلِّطونَ على الجَماهير، والمُفتَخِرونَ بجُموعِ أُمَمِكم! ٣ لأَنَّ سُلْطانَكمَ مِنَ الرَّبّ، وقدرَتَكم مِنَ العَلِيّ. وهو الَّذي سيَفحَصُ أَعْمالَكم، ويَسْتَقْصي نِيَّاتِكم. ٤ فإِنَّكم أَنتُمُ الخادِمينَ لِمُلكِه، لم تَحكموا بِالصَّوابِ، ولم تَحفَظوا الشَّريعة، ولم تَسيروا بحَسَبِ مَشيئَةِ الله. ٥ فسَيَطلعُ علَيَكم مَطلَعًا مُخيفًا وسَريعًا، لأَنَّ حُكْمًا لا يْشفِقُ يُجْرى على الوُجَهاء. ٦ فإِنَّ الصَّغير أهْلٌ لِلرَّحمَة. أَماَّ أَرْبابُ القُوَّةِ، فبِقَوَّةٍ يُفحَصون. ٧ وسَيِّدُ الجميعِ لا يَتَراجعُ أَمامَ أَحَد، ولا يَهابُ العَظَمَة، لأَنَّ الصَّغير والكَبير هو صَنَعَهما، وهو يَعتَني بِالجَميعِ على السَّواء. ٨ لكِنَّ المُقتَدِرينَ يَنتَظِرْهم تَحْقيقٌ شَديد. ٩ فإِلَيكم أيّها الملوكْ أوَجَهُ كَلامي، لِكَي تَتَعَلَّموا الحِكمةَ ولا تَزِلوا ١٠ فإِنَّ الَّذينَ يَحفَظونَ بقَداسةٍ ما هو مقَدَّسٌ، يُشهَدُ لَهم بِالقَداسة، والَّذينَ يَتَعَلَّموَنه يَجِدون فيه دِفاعاً.١١ فاْرغَبوا في كلامي، واصبوا إلَيه تَتَأدَّبوا” (حك ٦: ١ ـ ١١).

عن Maher

شاهد أيضاً

نظرة عامة على الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، والفرص المتاحة

بين 10 – 12 تشرين أول 2019 عقدت جمعية الكتاب المقدس في لبنان، سوريا، العراق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *