الرئيسية / المقالات / الخامس من إيليا: الاتكال بين السعادة والتعاسة!

الخامس من إيليا: الاتكال بين السعادة والتعاسة!

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الخامس من موسم إيليا:
الأولى: من سفر اشعيا (٢٦، ١ ـ ٩) ترسم صورة الإنسان البار.
الثانية: من الرسالة إلى اهل فيلبي (٣، ١ ـ ٨) يَعُدُّ فيها الرسولُ كل شيء عدمًا أمام محبة المسيح.
الثالثة: من إنجيل متّى (١٧، ١٤ ـ ٢١) تدعو إلى الإيمان بالرب يسوع والثقة بكلامه.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٢٦، ١ ـ ٩) وتأوينه:

يعطي النبي اشعيا في هذا النص نصيحة واحدة واضحة ومباشرة وبصيغة الأمر لكل قارئ وسامع، وهي: “تَوَكَّلوا على الرَّبِّ لِلأَبَد، فإِنَّ الرَّبَّ هو صَخرَةُ الدُّهور” (اش ٢٦، ٤). أما في بقية الآيات، فإنه يبين كيف تكون سعيدة نهاية كل من يتكل على الله، وكيف تكون تعيسة نهاية كل من يتكل على غير الله!
أما عبارة “في ذلك اليَومِ …” (اش ٢٦، ١) التي ترد في مطلع الفصل، فتشير للزمن الآواخري وللدينونة الإلهية من جهة، ومن جهة أخرى تشير لنهاية كل عمل يقوم به الإنسان. فإن كان عمله صالحاً يكون جزائه الثواب، وإن كان طالحاً فيكون ثوابه العقاب. الثواب والنهاية السعيدة يُعبَر عنهما هنا بالنشيد الذي تنشده الأمة البارّة التي حفظت الأمانة (اش ٢٦، ٢). إنه نشيد النصر لكل من تكون ثقته المطلقة بالله، واتكاله الكامل عليه.
النصيحة المباشرة عن الاتكال على الله (اش ٢٦، ٤) ـ التي أشرنا إليها أعلاه ـ ترد في وسط سياق تجري فيه المقارنة بين مدينتين. الأولى محصنة ومحميّة ومخلصة من الله، وتستمتع بالأمن والأمان والسلام والطمأنينة والاستقرار، لإن ساكنيها توكلوا على الله (اش ٢٦، ١ ـ ٣)، أما الثانية، فإنها كانت منيعة في السابق، لكن الله حطّها إلى الأرض وألصقها بالتراب، وذلك بسبب عجرفة وغطرسة وتكبر ساكنيها (اش ٢٦، ٥ ـ ٦).
يُعدّ موضوع الاتكال من أهم المواضيع في الكتاب المقدس عامة، وفي سفر اشعيا خاصة. ففي هذا السفر يجري الحديث عن الاتكال من بدايته وإلى نهاية، وبالتحديد في المواضع التالية: (اش ١٢، ٢؛ ١٤، ٣٠؛ ٢٦، ٣ ـ ٤؛ ٣٠، ١٢. ١٥؛ ٣١، ١؛ ٣٢، ٩ ـ ١١. ١٧ ـ ١٨؛ ٣٦، ٤ ـ ٧. ٩. ١٥؛ ٣٧، ١٠؛ ٤٢، ١٧؛ ٤٧، ٨. ١٠؛ ٥٠، ١٠؛ ٥٩، ٤). وربما أشدّ توبيخ للشعب الإسرائيلي في نبوءة اشعيا هو بسبب عدم توكله على الله. فتارة يتكل هذا الشعب على مصر وقواتها العسكرية وهيمنها: “وَيل لِلنَّازِلينَ إِلى مِصرَ لِلآستِنْصار، المُعتَمِدينَ على الخَيل، المُتوكَلِّينَ على المَركَباتِ لِأَنَّها كثيرة، وعلى الفُرْسانِ لِأَنَّهم أَقوِياءُ جِدّاً، الَّذينَ لا يَلتَفِتونَ إِلى قُدُّوسِ إِسْرائيل، ولا يَلتَمِسونَ الرَّبّ” (اش ٣١، ١)؛ “إِنَّكَ إِنَّما آتَّكَلتَ على عُكَّازِ هذه القَصَبَةِ المَرْضوضة، أي على مِصرَ الَّتي مَنِ آتَّكأَ علَيها نَشِبَت في كفِّه وثَقَبَتها. هكذا فِرعَونُ، مَلِكُ مِصرَ، لِجَميع الَّذينَ يَتَّكِلونَ علَيه” (اش ٣٦، ٦؛ قارن: ٢ مل ١٨، ٢١؛ وكذلك: حز ٢٩، ٦ ـ ٧)، وتارة على الظلم والاعوجاج: “١٢ لِذلك هكذا قالَ قُدّوسُ إِسْرائيل: بِما أَنَّكم نَبَذتُم هذه الكَلِمة، وتوكَّلتُم على الظُّلمِ وآلاِلتِواء، وآعتَمَدتم علَيهما. ١٣ لِذلك يَكونُ هذا الإِثمُ لَكم كصَدْع يَحصُلُ فيَتَضَخَّمُ في سورٍ عالٍ، فيَحدُثُ آنهِدامُه بَغتَةً على الفَور” (اش ٣٠، ١٢ ـ ١٣؛ قارن: مز ٦٢، ١٠)، وتارة على الباطل: “٤ لَيْسَ مِن مُدَّع بِالبِرّ، ولا مُحاكِمٍ بِالصِّدْق. يَتَّكِلونَ على الخَواءِ، ويَنطِقونَ بِالباطِل، يَحبَلونَ بِالظُّلمِ، ويَلِدونَ الإِثْم. ٥ يَنقُفونَ بَيضَ الحَيَّات، ويَنسِجونَ خيوطَ العَنْكَبوت. وبَيضُهم مَن أَكَلَ مِنه يَموت، وما كُسِرَ مِنه يَنشَقُّ عن أَفْعى” (اش ٥٩، ٤ ـ ٥).
ومن بين الأمور الأخرى التي يحذرنا الكتاب المقدس من مخاطر الاتكال عليها نذكر: الأصنام: “٤ أَوثانُهم فِضَّةٌ وذَهَب صُنعُ أَيدي البَشَر … ٨ مِثلها يَصيرُ صانِعوها، وجَميعُ المُتَّكِلينَ علَيها” (مز ١١٥، ٤ ـ ٨؛ قارن: حب ٢، ١٨)، الذات: “٥ تَوَكَّلْ على الرَّبَ بِكُلِّ قَلبِكَ، ولا تَعتَمِدْ على فِطنَتِكَ. ٦ اِعرِفْه في كُلِّ طرقِكَ فهو يُقَوِّمُ سُبُلَكَ. ٧ لا تَكُنْ حَكيمًا في عَينَي نَفسِكَ، إِتَّقِ الرَّبَّ وجانِبِ الشَّرّ” (أم ٣، ٥ ـ ٧)؛ “مَنِ اْتَكَلَ على قَلبِه فهو جاهِل، والسَّائِرُ بِحِكمَةٍ يَنْجو” (أم ٢٨، ٢٦)، والإنسان الآخر: “هكذا قالَ الرَّبّ: مَلْعونٌ الرَّجلُ الَّذي يَتَّكِلُ على البَشَر، ويَجعَلُ مِنَ اللَّحمِ ذراعاً لَه، وقَلبُه يَنصَرِفُ عنِ الرَّبّ” (ار ١٧، ٥)، ولا سيما الرؤساء والعظماء: “٨ الاْعتِصامُ بِالرَّبِّ خَيرٌ مِنَ الاْتِّكالِ على البَشَر، ٩ الاْعتِصامُ بِالرَّبِّ خَيرٌ مِنَ الاتِّكالِ على العُظَماء” (مز ١١٨، ٨ ـ ٩؛ قارن: مز ١٤٦، ٣)؛ والثروة والغنى، والعنف والنهب والجريمة: “إِنَّهم على ثَروَتهم يَتًّكِلون، وبِوَفرَةِ غِناهم يَفتَخِرون” (مز ٤٩، ٦؛ قارن: أم ١١، ٢٨)؛ “هذا الَّذي لم يَتَّخِذِ اللهَ حِصْنًا، بل على كَثرَةِ غِناهُ اْتَّكَل، وبِجَرائِمِه اْعتَزَّ” (٥٢، ٩)، “على العُنفِ لا تتَكِلوا، وبِالنَّهْبِ لا تَغتروا، إذا وَفَرَت ثَروَتُكم فلا تُعَلِّقوا بِها قُلوبَكم” (مز ٦٢، ١١).
عندما يضع الإنسان ثقته بهذه الأمور الزائلة التي تقيد حريته وتسلب كرامته ولا تأتي لنصرته في الشدّة وينسى الله خالقه ومخلصه، فإنه يجلب على ذاته المصائب والويلات والهلاك. أما الخلاص والسعادة، والسلام والطمأنينة، والعزّ والكرامة، فينالهم المرء فقط حينما تكون ثقته المطلقة بالله وحده، واتكاله الأول والأخير على عدّله ورحمته. وهذا ما يؤكد عليه الكتاب المقدس عامة وسفر المزامير خاصة بالربط بين الاتكال على الله ونيل والعون الخلاص (قارن: مز ١١٥، ٩ ـ ١١)، والأمن والسلام، والطوبى والسعادة والبركة، كما نلاحظ ـ في سبيل المثال ـ بهذه الآيات: “الرَّبُّ عِزَّتي وتُرْسي، وعلَيه اْتَكَلَ قَلْبي، فنُصِرتُ واْبتَهَجَ قَلْبي، وبِنَشيدي أَحمَدُه” (مز ٢٨، ٧)؛ “طوبى لِلإِنْسانِ الَّذي جَعَلَ الرَّبَّ لَه وَكيلاً، ولم يَلتَفِتْ إِلى المُتَكَبِّرين، والمُنْحازينَ إلى الكَذِب” (مز ٤٠، ٥)؛ “مبارَكٌ الرَّجُل الَّذي يَتَّكِلُ على الرَّبّ، ويَكونُ الرَّبّ مُعتَمَدَه” (ار ١٧، ٧).
إذن ليكن اتكالنا على الله، لأن من يتكل عليه ينال السعادة، ومن يتكل على غير الله تصيبه التعاسة. وما أوضح الفرق بين الاتكال على عُكَّاز “القَصَبَةِ المَرْضوضة” (اش ٣٦، ٦) و “صَخرَةُ الدُّهور” (اش ٢٦، ٤).

عن Yousif

شاهد أيضاً

نظرة عامة على الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، والفرص المتاحة

بين 10 – 12 تشرين أول 2019 عقدت جمعية الكتاب المقدس في لبنان، سوريا، العراق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *