الرئيسية / المقالات / السادس من إيليا: رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ

السادس من إيليا: رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ

السادس من إيليا:

رقابٌ قاسيةٌ وقلوبٌ متقلبةٌ

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد السادس من موسم إيليا:

الأولى: من سفر تثنية الاشتراع (٩، ١٣ ـ ٢٢) وفيها يظهر ان الشعب ينحرف عن عبادة الله.

الثانية: من الرسالة الى اهل فيلبي (٤، ٤ ـ ٩) تدعو الى جعل فرحنا ثابتا في الله وليس في الاشياء العابرة.

الثالثة: من انجيل متّى (١٥، ٢١ ـ ٢٨) تعكس ايمان المرأة الوثنية وصلاتها. انه توبيخ لمن لهم عمق الايمان ولمن يصلون وليس لهم صبر.

تفسير نص القراءة الأولى (تث ٩، ١٣ ـ ٢٢) وتأوينه:

خطيئة الشعب: نص القراءة الأولى لهذا الأحد هو جزء من وحدة أدبية (تث ١ ـ ١١) يُذَكِّرُ فيها موسى من خلال خطابين كل أبناء إسرائيل ـ وهم على عتبة أرض الميعاد (عبر الأردن، في أرض موآب؛ قارن: تث ١، ٥؛ ٣٤، ٥) ـ بخطيئتهم وبرحمة الله وخلاصه لهم بتحريرهم من عبودية مصر، ومرافقته لهم في البرية، وقيادتهم نحو أرض الميعاد؛ (الخطاب الأول: تث ١، ١ ـ ٤، ٤٣؛ الخطاب الثاني: ٤، ٤٤ ـ ١١، ٣٢). كما يدعوهم للتحلي بالتواضع والإيمان، وتجنب الكبرياء والظن بأنهم بسواعدهم حققوا الخلاص لذواتهم، ونالوا الحريّة بأنفسهم (قارن: تث ٨، ١١ ـ ٢٠). كما يحذرهم موسى من الميل إلى العبادات الكنعانية الوثنية (قارن: تث ١٢، ٢ ـ ٣)، وذلك من خلال سرده للأحداث التي وقعت خلال أربعين سنة من مسيرةٍ انطلقت من مصر أرض العبودية، وعبر البريّة نحو أرض الميعاد موطن الحريّة. وكيف جلبوا لأنفسهم الويلات حينما التجئوا إلى عبادة الأوثان، وخالفوا أولى الكلمات العشر بعبادة آلهة وثنية وصنع تمثال العجل: ونَظَرتُ فإِذا بِكم قد خَطئتُم إِلى الرَّبِّ إِلهِكم، وصَنَعتم لَكم عِجْلاً مَسْبوكًا، وابتَعَدتُم سَريعًا عنِ الطَّريقِ الَّتي أَوصاكم بِها الرَّبّ” (تث ٩، ١٦). الأمر الذي اغضب الله جداً لدرجة أراد فيها إبادة الشعب: “١٤ دَعْني فأُبيدَه وأًمحُوَ اسمَه مِن تَحتِ السَّماء …” (تث ٩، ١٤).

يوصف الشعب بسبب خطيئته بأنه “ شَعبٌ قاسي الرِّقاب” (تث ٩، ١٣). هذا الوصف يرد مراراً في الكتاب المقدس (قارن: خر ٣٢، ٩؛ ٣٣، ٣. ٥؛ ٣٤، ٩؛ تث ٩، ٦؛ ١٠، ١٦؛ ٣١، ٢٧؛ ٢ مل ١٧، ١٤؛ اش ٤٨، ٤؛ ار ٢، ٢٧؛ ٧، ٢٦؛ ١٧، ٢٣؛ ١٩، ١٥؛ ٣٢، ٣٣؛ هو ١٠، ٢؛ أم ٢٩، ١؛ نح ٩، ١٦. ١٧. ٢٩؛ ٢ أخ ٢٩، ٦؛ ٣٠، ٨؛ ٣٦، ١٣) بما في ذلك العهد الجديد حيث نقرأ في سفر أعمال الرسل ما يلي: “يا صِلابَ الرِّقاب، ويا غُلْفَ القُلوبِ والآذان، إِنَّكُم تُقاوِمونَ الرُّوحَ القُدُسَ دائمًا أَبَدًا، وكما كانَ آباؤُكم فَكذلِكَ أَنتُم” (أع ٧، ٥١). فيا ترى ماذا يقصد بعبارة بـ شَعب قاسي الرِّقاب” وما هو أصلها؟

يرى بعض المفسرين بأن هذا التعبير المجازي مأخوذٌ من خبرة الحراثة بالثيران. فالحارث حينما يقوم بهذا العمل يستخدم العصا لقيادة ثَورَي الحراثة، فيضرب بتلك العصا رجل الثور ليزيد من سرعته، ويضرب رقبته ليوجهه باتجاه الصحيح! وعندما يتعاند الثور ويثور على صاحبه فلا يطيع ولا يقبل بأن يوجه بالاتجاه الصحيح، يوصف ذلك الثور بصاحب “رقبة قاسية”!

أما التفسير الثاني الذي يعدُّ أكثر قبولاً وأقرب للصحة فهو أن عبارة “رقبة قاسية” تشير ببساطة لعدم إعطاء الأذن المصغية للمتكلم، أي عدم الرغبة بسماع كلامه وطاعته، وإنما يقوم المتلقي بعكس ذلك أي يقوم باستدار الوجه لمن يحدثه، وإعطاءه بالتالي خلف الرقبة باتجاهه بدلاً من الأذن. هذا التفسير يستند على الآيات التي يرد فيها تعبير “رقبة قاسية” بتوازي مع عبارة “لا يميل الأذن”، كما في الآية التالية: فلَم يَسمَعوا لي ولم يُميلوا آذانَهم، بل صلَّبوا رِقابَهم، وزادوا في عَمَلِ الشَّرِّ على آبائِهم” (ار ٧، ٢٦؛ قارن: ار ١٧، ٢٣).

على أية حال، ببساطة يُراد بتعبير “رقبة قاسية” التأكيد على عدم الطاعة والتعاند والتمرد ومخالفة الوصايا الإلهية (راجع: TDOT II, 368-69). وهذه هي الخطيئة التي اعتاد عليها شعب إسرائيل وكل الشعوب في كل زمان ومكان.

دور القائد: أمام هذه الحالة من التمرد والعصيان والخيانة للعهد وعبادة الأوثان والتشبث بالعادات الأجنبية، يأتي دور القائد الروحي. وفي نصنا هذا يبرز سرّ نجاح موسى كقائد بإخراج شعبه من ذلك المأزق الخطير جداً. طريقة تعامله مع تلك الأزمة تظهر إيمانه الكبير بإلهه، ومحبته الجمّة لشعبه. موسى القائد العظيم الذي اختاره الله ليحرر شعبه من عبودية مصر وبطش فرعون، يخرج شعبه هنا من أزمة كبيرة أخرى كادت تهدد مصيره وتمحيه من التاريخ وتُزيله من الوجود. وهذه المرة التهديد كان من الله، وليس من فرعون، وذلك بسبب الخطيئة والعصيان والخيانة: ١٣ وكَلَّمَني الرَّبُّ قائِلاً: قد رأَيتُ هذا الشَّعبَ، فإذا هو شَعبٌ قاسي الرِّقاب. ١٤ دَعْني فأُبيدَه وأًمحُوَ اسمَه مِن تَحتِ السَّماء …” (تث ٩، ١٣ ـ ١٤). ومن جهة أخرى يعرض الله على موسى عرضاً مغرياً، قائلاً له بأنه بعد أن يبيد ذلك الشعب المتمرد سيجعل من موسى أمةً أعظم: “… وأَجعَلَكَ أَنتَ أُمَّةً أَعظَمَ وأَكثَرَ مِنه” (تث ٩، ١٤). إنه فعلاً عرضاً مغرياً، لكن موسى لا ينسى دعوته، ولماذا اختاره الله منذ البدء (راجع مثلاً: خر ١ ـ ٣)، ولهذا يفضل مصلحة شعبه على مصلحته الخاصة، لا بل يضعها فوق كل المصالح وكل الاعتبارات، ويعمل المستحيل من أجله. فيبدأ بالصوم والصلاة والشفاعة وينجح بالفعل بالوساطة من أجل شعبه، فيخلصه من الإبادة: ١٩ لأَنِّي خِفتُ مِن الغَضَبِ والسُّخْطِ الَّذي سَخِطَه الرَّبُّ علَيكم لِيبُيدكم، فسَمِعَ لِيَ الرَّبُّ تِلكَ المَرَّةَ أَيضًا. ٢٠ وأَمَّا هارون، فغضِبَ الرَّبُّ علَيه جِدًّا، حتَّى هَمَّ أَن يُبيدَه، فصَلَّيتُ لأَجْلِ هارونَ أَيضًا في ذلك الوَقْت. (تث ٩، ١٩ ـ ٢٠).

كل ذلك يُبين روحية موسى العميقة، وإيمانه الراسخ، وموقفه الحازم، وطريقة تعامله الذكية مع الموقف، وصبره وآخذه الوقت الكافي لإنقاذ شعبه من عبودية الأوثان. وبهذا الخصوص يجدر الملاحظة بأن ذكر تحطيم تمثال العجل من قبل موسى يأتي ذكره حسب النص بعد الصوم والصلاة لمدة أربعين يوماً وأر بعين ليلة، أي لتحطيم القيود والتخلص من الأوثان والشيطان نحتاج للصوم والصلاة والتوبة والصبر والإيمان وقوة الله ومعونته: ١٨ ثُمَّ ارتَمَيتُ أَمامَ الرَّبِّ، وكالمَرَّةِ الأُولى لم آكُلْ خُبْزًا، ولم أَشرَبْ ماءً أَرْبَعينَ يومًا وأَرْبَعين لَيلَةً، بِسَبَبِ خَطيئَتِكمُ الَّتي خَطِئتُموها، إِذ صَنَعتُمُ الشَّرَّ في عينَيِ الرَّبّ وأَسخَطتُموه …  ٢١ وأَمَّا الخطيئَةُ الَّتي ارتَكَبتُموها، أَيِ العِجْل، فإِنِّي أَخَذتُه فأَحرَقتُه بِالنَّارِ وحَطَّمتُه وسَحَقتُه، حَتَّى صارَ ناعِمًا كالغُبار، ثُمَّ أَلقَيتُ غُبارَه في السَّيلِ المُنحَدِرِ مِنَ الجَبَل” (تث ٩، ١٨ ـ ٢١؛ قارن: مر ٩، ٢٩).

إذن نتعلم من موقف موسى وطريقة تعامله مع الأزمة، بأن تكون مواقفنا مدروسة وقرارتنا متأنية ومأخوذة بعد الصلاة والصوم وطلب الاستنارة بحكمة الله ونوره، والاستعانة بمشورة من له الخبرة والدراية والحكمة كي لا نُحل أزمة بأزمة أكبر، وكي لا نجعل من المشكلة معضلة، ومن المعضلة كارثة! فمهما عظمت خطايانا تبقى رحمة الله أكبر. وكل ما علينا فعله هو التوبة وطلب الغفران والعودة لطاعة وصاياه المُحيية (قارن: نح ٩، ١٧)، تماماً على مثال توبة شعب إسرائيل بعد سماعه لتوبيخ قائده موسى، وعودته لطاعة الوصايا الإلهية.

“والآنَ …: عبارة “والآنَ …” تتكرر في سفر تثنية الإشتراع (قارن مثلاً: تث ٤، ١؛ ١٠، ١٢. ٢٢؛ ٢٦، ١٠؛ ٣١، ١٩) وذلك للتوكيد على أهمية تأوين ما نقرأه في الأسفار المقدسة. فكما سرد موسى لشعبه تاريخ الخلاص بعد أربعين سنة من المسيرة في البريّة وأراد أن يأخذوا منه العِبر: والآنَ يا إِسْرائيل … (تث ٤، ١؛ ١٠، ١٢)، يسرده لنا لنجني منه الخلاص لذواتنا. ولهذا كل واحد منا مدعوُ اليوم للتوبة والمساهمة في خلاص الشعب من خلال الصلاة والصوم والمثال الصالح والغيرة الرسولية. وليُردد كلٌ منّا في قلبه عبارة “والآنَ يا إِسْرائيل …” (تث ١٠، ١٢) واضعاً اسمه بدلاً من اسم “إسرائيل”، ومُوعداً الله بأن يكون أميناً للعهد الذي أبرمه الله مع أبائه في القدم، ومعه هنا “والآنَ”: ١٢ والآنَ يا إسرائيل، ما الَّذي يَطلبُهُ مِنكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إلاَّ أن تَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَكَ سائِرًا في جَميعَ طرُقِه ومُحِبًّا إيّاه، وعابدًا الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ وكلِّ نَفسِكَ، ١٣ وَحافِظًا وَصاياه وفَرائِضَه الَّتي أَنا آمُرُكَ بِها اليَومَ، لِكَي تُصيبَ خيرًا؟ …  ١٦ فاختِنوا قُلَفَ قلوبِكم، ولا تُقَسُّوا رِقابَكم بَعدَ اليَوم …” (تث ١٠، ١٢ ـ ١٦) ـ آمين.

عن Maher

شاهد أيضاً

نظرة عامة على الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، والفرص المتاحة

بين 10 – 12 تشرين أول 2019 عقدت جمعية الكتاب المقدس في لبنان، سوريا، العراق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *