الرئيسية / المقالات / نظرة عامة على الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، والفرص المتاحة

نظرة عامة على الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، والفرص المتاحة

بين 10 – 12 تشرين أول 2019 عقدت جمعية الكتاب المقدس في لبنان، سوريا، العراق وبريطانيا مؤتمرا حواريا في بيروت، بالتعاون مع مجلس كنائس الشرق الأوسط، بعنوان: “في الأزمنة العصيبة… مسيحيون معا بالإصغاء إلى كلمة الله”. كانت للمطران د. يوسف توما كلمة أولى فيه ننشرها للفائدة.

 

نظرة عامة على الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، والفرص المتاحة

+ المطران الدكتور يوسف توما

 

هل أصبحنا جميعا أبناء وبنات الحرب؟

 

نحتاج اليوم إلى تحليل معمّق للحالة النفسية التي تمر بها شعوبنا عامة وشرقنا خاصة كما نحتاج إلى الاعتراف بالواقع، حتى نفهم أنفسنا وليس فقط كما تروج له وسائل الإعلام التي تبقى عموما خارج الموضوع. كذاك نحتاج إلى وسائل جاءت بها العلوم الإنسانية النفسية منها والاجتماعية وحتى السياسية، لكي ندرك ما فعلته “غواية الموت” (la pulsion de la mort) بل كأنها “تجربة الموت” لدى بعض معاصرينا في هذه البلاد خصوصا بحيث وإن قارنوها مع (الكاميكاز) الانتحاريين إبان الحرب العالمية الثانية في اليابان، إلا أنها بعيدة جدا عما حدث ويحدث لدينا. وهذا الجو أعتبره كأساس للتفكير والعمل إزاء الضغوط التي تتعرض لها مجتمعات المسيحيين، واستبعادهم من القدرية على التأثير حولهم بسبب تناقص أعدادهم وضعف فاعليتهم وعدم إعطائهم فرص العمل ضد التيار السائد والجو المشحون بأيديولوجيات “‘طائفية وبدعوية” (sectarian) تغلغلت في المجتمعات الإسلامية بشكل لم يسبق له مثيل، لأن البدع – أو “الملل والنحل” التي حللها (أبو الفتح الشهرستاني 1086م – 1153م) – ظواهر تتعاقب في كل زمان ومكان، وتتفشى بحسب ضعف السياسات أو استغلالها للدين.

إنها إذن حاجة لازمة إلى هذا النوع من التحليل لإيجاد طريق للخروج من دوامة الحلقات السلبية التي نحن فيها منذ عقود وهي التي تدغدغ كل جيل بالرغبة في الحرب للتخلص من هذا “التهيّج” المتكرر، وكأن العالم بأسره يرتاح إلى تسليح هؤلاء المرضى محبّي القتال، ثم يعود ليعاقبهم بالحصار والتجويع وموت الأطفال بلا دواء.

منذ عقود، وخصوصا منذ عام 2003، في عموم الشرق الأوسط، نشهد قيام أجيال لا تعرف سوى الحرب أو قرع طبولها باستعداء قوم على آخر. لقد أصبحت الحرب داخل الناس كمسألة عادية. أصبحت في نفوسهم، في أجسادهم، في قلوبهم، وفي أذهانهم. وصار الله يستعمل في هذا المنطق الأعوج، فبدل أن يكون إله السلام صار هو أيضا يدعو إلى الحرب، والناس العاديون من غير المثقفين يتبعون هذا الشكل من قادة المجتمع. كلهم يصابون بالعدوى. وكأن هذا ما يوحّدهم فقط، وكأن مسألة الهرب نحو الموت هي السبيل الوحيد المتبقي للمجتمع بأكمله: فالحرب بداخلهم جميعًا، وهذا ما شعر به أهل الموصل عندما زرتهم في نيسان 2017، قالوا لي: “لقد جُنِنا، نحن أخرجناكم وأنتم تأتون لنا بالطعام والدواء، لقد دفعنا ثمن هذا الجنون بما فيه الكفاية! …”.

بهذا الصدد أتذكر شخصا كان يضرب زوجته. قال لي عنها: „لا يمكنها أن تفهمني، لأنها لم تكن في الحرب. لقد انتقلت الحرب إلى منزلنا، وصارت تنام معنا في السرير!”، إنها ضغوط ثقيلة تثقل بكاهلها على أبناء جيل صار كله ضحية.

علينا إذن أن نكتشف أن المسألة التي نعاني منها في بالضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، تدور في دوامة العنف الذي يفلت من أيدينا فالكل من حولنا يعاني مما يختلج في نفسه أو لدى الآخرين. وليس هناك من يساعده أو يتحدث معه عن هذا الأمر، لعله يشعر بالعار، قد لا يكون لديه أصدقاء أو لا يشعر أن أحدا يريد مصلحته، بالنسبة إليه يصبح الاختلاف مشكلة بين مسلمين ومسيحيين أو مسيحيين ومسيحيين أو مسلمين ومسلمين أيضا ثم تصغر الحلقة بحيث تصل إلى الفرق بين الرجال والنساء فيعاني الكل من هذا أيضا، يكفي أن نتصفح عبر الإنترنت لكي نفهم أن كلمة “الموت” أكثر انتشارا من “الحياة”، أو المشاكل والمرارة أكثر من الإيجابيات والفرح وحلاوة العيش.

ما أكثر من يعاني من اضطرابات متوارثة مثل “اضطراب الوسواس القهري” (obsessive compulsive disorder)، الذي تتناقله بعض الجماعات في جيناتها. وقد سألت أطباء نفسيين فأخبروني أنه ناتج عن بقايا الحروب، وما أكثرها بالنسبة لأجيالنا في الشرق منذ الأعوام 1948، 1967، 1973، 1980-1988، 1991، 2013 وهلم جرا، حيث كان الرعب في كل مكان والنتيجة تنطبع على الأطفال الذين يتعاملون مع أب عنيف أو أم عنيفة. المشاكلة الكبرى تبدأ في ضغوط منذ الأسرة والشارع ومشاكل الاقتصاد ونقص الخدمات ومآسي صعوبات المعيشة…

ينتقد النبي إرميا في كتابه المثل السائد في زمانه: “يأكل الآباء الحصرم (العنب الحامض) وأسنان أبنائهم تضرس” (ارميا 31/29) ويبشر بقيام جيل جديد لن يعود مجبرا على أن يرث كل مساوئ الأجيال السابقة. وفي هذا الاتجاه بدأ الكثيرون في زماننا يتحررون من ضغوط مجتمعاتهم فوصلوا أولا إلى “شرعة حقوق الفرد” ابان الثورة الفرنسية (1789)، ثم إلى شرعة حقوق الانسان (1948)، وهذا كان قبلا يعد أمرا مستحيلا.

صار الانسان أكبر من أن يكون تابعا لكل التقلبات والخوف والخجل. صار يجرؤ أن يقول بصوت عالٍ موقفه من ذكريات تمجد الحزن والمرارة والموت، وإن لم يستمعوا إليه، لكن في نهاية النفق ضوء. لا يحتاج بعد إلى أن يهرب من ذلك المجتمع، ويهاجر إلى مجتمعات أخرى، لكنه مدعو أن يقاوم بالثقافة والمعرفة فقط ألا يعود إلى الوراء ولا يندمج مع أفكار مفروضة بل بالعكس يحق له أن يحلم لأبنائه بمجتمع سليم، بالسلام لا بالحرب، وليس مثل كل انتحاريي زماننا الذين قالوا مع شمشون: “علي وعلى أعدائي”، هو “الذي قتل في موته أكثر مما قتل في حياته (قضاة 16/30) لأنه كان أعمى وفاقد الأمل!

مرض “اضطراب الوسواس القهري” الجماعي الذي تعاني منه بعض مجتمعاتنا. يدفعنا أن نفهمه ونشخصه لدى الجميع. لنساعد على قيام شكل جديد من المجتمعات، يسمع كلمة “التوبة” (ميتانويا = تغيير العقلية) في الانجيل. بها يخاطبنا “الله”، ليقول لنا من هو، تحت ملامح صورته الموجودة في الآخرين كأشخاص مختلفين، وإن لم نفهم ذلك سندفع الثمن باهظا وهذا ما عناه يسوع حين قال: “إن لم تتوبوا تهلكوا جميعا” (لو 13/3). الفرد إذن أولا ثم الجماعة.

العلوم النفسية تمكنت من تشخيص مرض “اضطراب الوسواس القهري” لدى الفرد منذ قرن من الزمان، لكن أفلت زمامه في عصرنا عندما صار مرض “اضطراب الوسواس القهري” جماعيًا، وأصيب به قادة السياسة والدين والأدب والإعلام…  فأعطوا عن الله صورة تشبههم: مخيفًا ديّانًا حاكمًا جبارًا … في الشرق خصوصا تعوّدنا على الخلط بين أفكارنا وأفكار الله فجاءت الصدمات التي يتعرّض إليها الناس، مما جعلهم فترة طويلة تحت ثقل المعاناة والتعبان يُتعِب، وينشر العدوى. فرصة الحلّ ستأتي بالاعتراف بميراث التاريخ الثقيل وعدم اعتباره قَدَرًا محتومًا. هذا التاريخ هو مجرّد درس لا ينبغي أن ننساه، إذ لا يمكن استعادة أجواء الثقة المفقودة في أحيان كثيرة، إلا بالحقيقة. اليوم صار لدينا وسائل التعامل بجدّية مع الذكريات المؤلمة. والشفاء ممكن بالرغم مما تعرض له الإيزيديون والمسيحيون وبقية اللاجئين من أهوال الحرب، إنها المرونة والقدرة على التجاوز (resilience) التي صار لها مختصون كبار مثل بوريس سيرولنك (المولود في عام 1937) الذي فقد في سن ست سنوات على يد النازيين، والديه، ثم أصبح من أشهر النفسانيين في فرنسا ممن تناولوا هذا الموضوع.

الخاتمة: إذا لم تكن شعوب هذه المنطقة قادرة على إدراك معنى ما حدث لها من موت مشترك لم يسلم منه أحد لن تستطيع (هذه الشعوب) أن تقف كرجل واحد للعمل معًا، لبناء المستقبل وقبول التصدّي بالصراع ضد الأفكار التي تسببت بكل هذه المآسي منذ عقود. لقد خضنا أشكال الحروب من أهلية ومع الجيران، وكادت في بعض الأحيان تقضي علينا. لكن الحكمة لدى جماعات محلية جنّبتنا ذلك. وهذا يجب أن يؤخذ الآن كذاكرة مشتركة، وكأساس تاريخي مشترك، للعمل الآن معًا للتغلب على نزعة الموت واسكات كل من يدق طبول أشكال الحروب. صحيح، أصبحنا جميعا بنات وأبناء لأشكال الحروب، لكن لدينا طريق واحد فقط للمستقبل: التوجه معًا لتحرير أنفسنا منها ومسبّباتها وذاكرتها في أجسادِنا وجروحِنا. وأفضل ما قد نفعله كخطوات أولى بين المسلمين والمسيحيين والإيزيديين هو أن نصلي معًا، ومن أجل بعضنا البعض، فرديا وجماعيا، ونقول كما في القداس الكلداني حين نصلي: “فرّق يا رب الشعوب المنقسمة التي تحبّ الحرب!”.

بيروت 11 تشرين الأول 2019

عن Maher

شاهد أيضاً

كاردينال في التوك توك

كاردينال في التوك توك عن الشرق الاوسط انعام كجه جي صحافيّة وروائية عراقيّة بين حضور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *